آخر الأخبار
الرئيسية / تحقيقات / مفاوضات سد النهضة.. اتفاق أم صدام مسلح لحل الأزمة

مفاوضات سد النهضة.. اتفاق أم صدام مسلح لحل الأزمة

كتبت: هند محمد رغم فشل مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا في جولتها الأخيرة يستمر الجانب الإثيوبي في تحديه لكل من مصر والسودان، بإعلان الملء الثاني لـسد النهضة، في يوليو المقبل، وفي التحقيق التالي نحاول رصد هذه الأزمة التي من الممكن أن تؤدي إلى اتفاق ملزم لكافة الأطراف أو نشوب حرب على المياه بين مصر والسودان من جهة على أساس أنهما دولتي المصب وهما المتضرر من بناء السد، حيث تريد إثيوبيا أن تجتجز جزء كبير من المياه على اعتبار أنها دولة المنبع لـنهر النيل بسبب ملء خزان السد لتوليد الكهرباء التي تحتاجها لعمليات التنمية على حد زعمها.

الخلاف بين مصر وإثيوبيا

تصف مصر السد بالتهديد الوجودي لأنها تُعاني من ندرة مائية بحسب تصنيف البنك الدولي، وتعتمد بشكل أساسي على مياه نهر النيل في تلبية 95% من احتياجاتها المائية، إذ تحصل سنويا على حصة من مياه النيل تقدر بـ55 ونصف مليار متر مكعب.

وتخشى مصر من أن عملية ملء السد قد تؤثر على حصتها من المياه، ففي السنوات التي يكون فيها معدل الأمطار عاديا أو فوق المتوسط لا يُتوقع أن تكون هناك مشكلة، ولكن القلق بشأن ما قد يحدث خلال فترات الجفاف التي قد تستمر لسنوات.

من ناحية أخرى، إثيوبيا تقول إن السد، ضرورة وجودية، فإذا جرى تشغيله بكامل طاقته، سيكون المحطة الأكبر أفريقيا لتوليد الكهرباء. وسيُوفر الكهرباء لـ 65 مليون إثيوبي. وبالتالي فهو ضروري لنمو البلاد اقتصاديا ولتوفير الطاقة.

مصر والسودان

تستند مصر والسودان إلى اتفاقيتي 1929 و1959، إذ أقرّت الحكومة البريطانية في اتفاقية 1929 بـ”حق مصر الطبيعي والتاريخي في مياه النيل“. وتمنح هذه المعاهدة مصر حق النقض (فيتو) على أي مشروع يُقام على مجرى نهر النيل.

ثم في عام 1959، أبرمت مصر والسودان اتفاقا حول تقاسم موارد النيل، على أنْ تأخذ مصر النصيب الأكبر، دون إشارة إلى أيّ من دول حوض النيل التسع، بما فيها إثيوبيا.

في حين ترفض إثيوبيا الاعتراف بهذه الاتفاقيات، باعتبار أنها أبرمت دون تدخلها. وبحسب مسؤولين إثيوبيين “السماح بمرور كمية محددة من المياه يعد تأكيدا لامتيازٍ منحه الاستعمار لمصر، وهو ما سيبدو كما لو كان نوعا جديدا من الاستعمار”.

تصعيد سوداني ضد إثيوبيا

أكدت السودان أنها لن تقبل بسياسة الأمر الواقع الذي تحاول أن تفرضه إثيوبيا، وستلجأ لخيارات أخرى في حال استمرار تعثر المفاوضات.

وكانت إثيوبيا قد أعلنت البدء في الملء الثاني لـسد النهضة في يوليو 2021 القادم، وذلك بعد دخول مفاوضات سد النهضة دائرة مغلقة، إثر فشل المباحثات التي رعتها جنوب إفريقيا، لعدم حدوث تقدم في جلسة المفاوضات التي دارت خلال الأسبوع الماضي بين الدول الثلاث.

سد النهضة يهدد 20 مليون سوداني

حذرت السودان إثيوبيا من الملء الثاني لـسد النهضة، قبل أن يتم التوصل لاتفاق ملزم ومرض للدول الثلاث “مصر، إثيوبيا، والسودان، مؤكدة أنها لن تقبل بسياسة الأمر الواقع التي تحاول إثيوبيا أن تفرضها على دولتي المصب.

وأشار مجلس الوزراء السوداني، في بيان، إلى أن سد النهضة الإثيوبي يهدد 20 مليون مواطن سوداني، تعتمد حياتهم بشكل أساسي على النيل الأزرق، مؤكدا أنه لن يقبل بتهديد سلامة 20 مليون مواطن سوداني.

وقال مجلس الوزاء السوداني، إن اللجنة العليا لمتابعة ملف سد النهضة قد اجتمعت لبحث سير المفاوضات والمشاورات خلال الفترة الماضية، والخيارات البديلة في حال استمرار تعثر المفاوضات مع مصر وإثيوبيا.

وشدد المجلس على أن السودان تتمسك بالعودة للمفاوضات ولكن وفق اشتراطات جديدة مع إثيوبيا ومصر وصولا إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ ويراعي مصالح الأطراف الثلاثة، لافتا إلى أنه ربما يلجأ لخيارات أخرى في حال فشل المفاوضات.

الحرب ليست خيارا

من جانبه، رجح الباحث في قضايا منطقة القرن الأفريقي، عبدالمنعم أبو إدريس، أن يذهب السودان إلى مجلس الأمن الدولي وأن تتدخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل أكبر لحل الخلاف.

وأضاف أبو إدريس لصحيفة “العرب” اللندنية أن “الحرب لن تكون خيارا للسودان في أوضاع سياسية واقتصادية لا تسمح له بالدخول في أي معركة غير مأمونة العواقب”.

ورغم رفع حدة اللهجة الرسمية للسودان في مفاوضات سد النهضة مؤخرا، وصف الخبير السياسي والاستراتيجي اللواء أمين إسماعيل مجذوب، ذلك بـ”المناورة السياسية”. وقال مجذوب “السودان ومصر ليس لديهما أي خيارات حيال منع بناء أو تشغيل السد الإثيوبي، كما أن خيار الحرب غير مفيد للأطراف الثلاثة”.

وأضاف “معظم الخيارات تنحصر في تسخين الجبهة الداخلية في إثيوبيا، لاسيما مع الإثنيات التي تعمل ضد رئيس الوزراء آبي أحمد، إضافة إلى محاولة تشويه صورة أديس أبابا لخلق عزلة دولية حول موقفها من السد”.

وأشار مجذوب إلى أن الخرطوم تملك الآن ورقة ضغط على أديس أبابا، من خلال إقليم تيجراي الحدودي، كما يستطيع السودان منع المزارعين لإثيوبيين من الدخول إلى مناطق الفشقة الصغرى والكبرى، وإغلاق حدوده مع إثيوبيا ومنع التجارة البينية، في ظل مضاعفة اعتماد إثيوبيا على المحاصيل والمواد البترولية السودانية.

خرق للقانون

وسبق أن صرح وزير الري والموارد المائية السوداني، الإثنين الماضي، بأن تنفيذ إثيوبيا للملء الثاني لـسد النهضة، يعد خرقا للقانون الدولي، معتبرا أن التفاوض هو الحل حاليا لمواجهة هذه الأزمة بالتوصل لاتفاق يحفظ حقوق الدول الثلاث.

وكانت وزارة الخارجية السودانية قد قدمت، الثلاثاء الماضي، اشتراطات جديدة للعودة إلى مفاوضات “سد النهضة” مع إثيوبيا ومصر، قائلة :”لا يمكنا الاستمرار في دورة مفرغة من التفاوض حول سد النهضة“.

وأعربت الخارجية السودانية عن احتجاجها على إعلان إثيوبيا الاستمرار في تعبئة سد النهضة، مؤكدة إنه سيكون لديها خيارات أخرى إذا لم يقم الاتحاد الأفريقي بدوره حول سد النهضة.

موازين القوى بين مصر وإثيوبيا

القدرات البشرية، في صالح إثيوبيا لأنها أكثر سكاناً، إذ تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بإفريقيا تليها مصر في المرتبة الثالثة.

من الناحية الاقتصادية، يبلغ إجمالي الناتج المحلي المصري – وفقاً للقيمة الأسمية – 302 مليار دولار مقابل 91.66 مليار دولار لإثيوبيا، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2019، أي إن الناتج المحلي المصري 3 أضعاف الإثيوبي.

وتصنف التقديرات الجيش المصري كجيش قوي بالشرق الأوسط. لكن بحسب التصريحات المعلنة، فإن القيادة المصرية تلتزم بالتوصل لحل عبر المفاوضات.

ورغم التفوق العسكري المصري، إلا أن استخدام القوة مستبعد في ظل تعقد الأوضاع الإقليمية والدولية في ليبيا وغزة وسيناء، ويتفق شبانة في استبعاد الخيار العسكري، في ظل التحصينات الأمنية بمنطقة السد، وارتباط أديس أبابا باتفاقات أمنية مع إسرائيل وتركيا، كما أن إثيوبيا تشارك في المفاوضات، الأمر الذي قد يظهر مصر في صورة الدولة المعتدية إذا أقدمت على عمل عسكري.

القوى الإقليمية الفاعلة في سد النهضة

إن حل الأزمة ليس فقط في المفاوضات وإنما في يد القوى الدولية تحديدا السعودية والإمارات والكويت التي يُمكنها الضغط على إثيوبيا وتقديم حوافز اقتصادية لها بهدف حلحلة موقفها “المتعنت”.

أما الاتحاد الأفريقي برئاسة جنوب أفريقيا فلا يعول عليه كثيرا، إذ أن موقفه متحيز لإثيوبيا، كما أن أغلـب دول حوض النيل تقف إلى جانب إثيوبيا، إما بتأييد بناء السد أو الحياد مع عدم الممانعة في إنشائه، بما في ذلك إريتريا التى انتقلت من دعم مصـر إلى مربع الحياد بتوقيع اتفاق مصالحة مع إثيوبيا في يوليو 2018.

والولايات المتحدة، من مصلحتها دعم إثيوبيا، فإثيوبيا شريك لواشنطن لمواجهة الإرهاب في شرق أفريقيا، وموازنة استثمارات الصين فيها وفي القرن الأفريقي، الأمر الذي جعل واشنطن غير مهتمة بالضغط لحل الأزمة وأفشل جهودها في الوساطة مطلع هذا العام.

تماهيا مع هذا الموقف قدمت إسرائيل القروض والخبرات الهندسية لإثيوبيا، فضلا عن مشـاركة إحـدى الشـركات الإسرائيلية في توزيع الكهرباء التى سينتجها السد، كذلك أشارت التقارير إلى أن اسرائيل قدمت صواريخ دفاع جوي لإثيوبيا لحماية السد، وهو ما نفته اسرائيل لاحقا لكنه أمر غير مستبعد.

كما تؤكد التقارير أن تعثر الوضع يحقق مكسبا كبيرا لإسرائيل، يتمثل في خلق “عدو جديد” لمصر يستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، مما يُفرغ اسرائيل لمواجهة “التموضع الإيراني” بسوريا، وحزب الله في لبنان، بالإضافة لمواجهة أثار تفشي فيروس كورونا الذي أنهك اقتصادها ورفع نسبة البطالة لـ21%. أما الهدف الأكبر، بحسب المحلل السياسي المصري، قد يكون الضغط على القاهرة لتبيع إثيوبيا لاسرائيل المياه عبر مصر.

ماذا سيحدث إذا أخفقت المفاوضات؟

إذا فشلت المفاوضات، سيكون أمام الاتحاد الإفريقي خياران: تحويل القضية إلى إحدى اللجان الخاصة التابعة للاتحاد لاستمرار التفاوض، كلجنة الأمن والسلم أو لجنة الحكماء. وهذا يضر مصر والسودان و”مضيعة للوقت”.

أما الخيار الثاني، فهو إحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي حيث يمكن للمجلس نقل تعامله مع الأزمة من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة إلى الفصل السابع، ليطالب إثيوبيا بوقف ملء السد لحين توقيع اتفاق، كما يمكن أن يحيل القضية إلى محكمة العدل الدولية. ورغم أن قرار محكمة العدل لن يكون له حجية قانونية.

لكن ليحدث هذا على القاهرة والخرطوم الحصول على دعم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ما يبدو غير مضمون إذ تشير التقارير إلى أن الصين وروسيا ستعارضان الخطوة، لأنهما لا تريدان إرساء سابقة فكلتاهما لديها نزاعات نهرية مع جيران المصب.

كذلك بنوك الصين تشارك في تمويل السـد، وتتولى إحدى الشركات الصينية توزيع الكهرباء التي سينتجها السد. لكن إذا حدث تحرك أمام العدل الدولية فالموقف القانوني لمصر والسودان سيكون أقوى من إثيوبيا استنادا للاتفاقيات التاريخية، إلى جانب ذلك هناك معركة دبلوماسية وقانونية يمكن لمصر والسودان خوضها أمام منظمات أخرى كاليونيسكو باعتبار أن الآثار في شمالي السودان وجنوبي مصر ستكون معرضة للخطر حال انهيار السد، كذلك المنظمات المعنية بالبيئة لأن نقص المياه سيوثر بالضرورة على المزروعات والحيوانات في القارة بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *