آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / معالي الوزير راعي الأغنام سابقاً!

معالي الوزير راعي الأغنام سابقاً!

أحمد إبراهيم

بقلم: أحمد إبراهيم

إذاعي وكاتب صحفي

وُلد لأسرة فقيرة فى قرية صغيرة بـمحافظة الدقهلية، واضطر للعمل راعى أغنام وهو طفل حتى يساعد أسرته وينفق على نفسه، كرّمه الرئيس جمال عبدالناصر فى عيد العلم مرتين.. عام 1960 حينما جاء ترتيبه الثانى على مستوى الجمهورية فى الثانوية العامة، وعام 1964 بعد تفوقه وحصوله على المركز الأول فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. حياته كلها قصص نجاح واجتهاد وكفاح حتى حينما سافر إلى كندا هو وزوجته زميلة دراسته ورحلة حياته للحصول على الدكتوراه.

تعرضا لمؤامرة من أستاذ صهيونى حتى يعودا إلى مصر فاشلين، وعمل ميكانيكى سيارات ومساعد جناينى ومنظم مرور أمام مدرسة أطفال وبائع موسوعات، وعملت زوجته مساعد طباخ وبائعة «مقشات» وموزعة إعلانات سلع، كل ذلك بكبرياء، للإنفاق على نفسيهما مع مواصلة الدراسة حتى الحصول على الدكتوراه بتفوق، ثم رفضا الاستمرار هناك رغم الإغراءات المالية مع الإقامة والجنسية الكندية، وقررا العودة للقاهرة من أجل التدريس لأبناء الفقراء اعترافاً بأفضال البلد عليهما.

فى حياته محطات مهمة.. الأولى نشأته الريفية، حيث تشكلت شخصيته على الاجتهاد وحب العمل وتحمل المسئولية، والثانية تفوقه العلمى وتكريمه من رئيس الدولة، والثالثة تعرضه للاضطهاد فى الخارج وإصراره على التفوق ثم تعيينه وزيراً للتموين خلال فترة كانت الأصعب فى تاريخ مصر، حيث أخذوه من «الميدان إلى الديوان»، وخلال 18 شهراً قضاها فى الوزارة حاول أن يطبق قوانين علم الاقتصاد ومبادئ العدالة الاجتماعية التى يؤمن بها وظل يدافع عنها طوال حياته ويُدرسها لطلابه فى الجامعة.

الدولة كرّمته هذا العام من خلال وزارة الثقافة حينما منحته جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية أعلى وسام مصرى وهى جائزة رُشح لها ولم يسعَ إليها ولكنه سعيد بالحصول عليها فى حياته لأنها ليست فقط تكريماً بل تقدير مستحق لمسيرة عطاء طويلة.

يؤمن بأنه ليس للإنسان دخل فى أن يُولد فقيراً أو غنياً ولكنه يستطيع أن يختار طريق حياته، كما يؤمن بأنه «ليس الفتى من يقول كان أبى ولكن من يقول ها أنا ذا».

و«ليس الفقير من فقد الذهب إنما الفقير من فقد الأخلاق والأدب»..

إنه الوزير العصامى د.جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ابن الطبقة المتوسطة الذى يفخر بأنه نشأ فى أسرة فقيرة جداً بـالريف وعمل صغيراً راعياً للأغنام ثم كبيراً أستاذاً جامعياً مرموقاً ومتميزاً ومناضلاً وطنياً قبل أن يكون وزيراً ناجحاً ومتواضعاً.

د.جودة حكاية مصرية هو وزوجته د.كريمة كُريم، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، رفيقة حياته، نموذج وقدوة لشبابنا وأثبت أن للمجتهد نصيباً والبقاء للأصلح حتى مع تغيير الظروف ومعايير التقييم وانتشار الفهلوة، فالناس تتذكر فقط العظماء الصادقين مع الله والنفس والوطن.

ويخطئ من يتصور أن مصر فقدت الرموز لأنه ما زال يعيش بيننا عشرات الآلاف من الشخصيات الناجحة المحترمة فى جميع المجالات، تمنحنا طاقة أمل وتفاؤل فى مستقبل أفضل، وتصلح لأن تكون قدوة تُحتذى فى العلم والعمل والإخلاص والوطنية بالإضافة إلى ملايين المواطنين الذين يعملون باجتهاد ويحملون البلد على أكتافهم.

مشكلتنا الحقيقية فى تفاهة الفن الذى يدعم ثقافة البلطجة والقيم السلبية، وفى الإعلام الذى يسلط الضوء على النماذج السيئة، وفى بعض المتصدرين للمشهد الذين ليسوا على مستوى المرحلة التى تعيشها البلاد والتحديات التى تواجهها داخلياً وخارجياً.

وتحيا مصر قوية ناهضة ومستقرة بفضل جهود أبنائها المخلصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *