آخر الأخبار
الرئيسية / تقارير / البصمة المائية.. هي الحل لتحقيق الأمن المائي

البصمة المائية.. هي الحل لتحقيق الأمن المائي

البصمة المائية لتحقيق الأمن المائي

كتب: د.محمد الشاذلى كثير من خبراء المياه يؤكدون أن الحروب القادمة بين الدول خلال هذا القرن ستكون بسب المياه، ومن هذا المنطلق نعرض أحد أهم آليات ترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها.

بداية يمكن وضع هذا التساؤل كيف يمكن ترشيد استهلاك المياه بتطبيق مفهومي البصمة المائية والمياه الافتراضية في ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة استخدام المياه عبر تحديد كمية المياه؟

ترشيد استهلاك المياه ورفع كفاءة استخدامها هو من أولويات كل دول العالم بلا استثناء، فـالمياه العذبة الصالحة للشرب في العالم في تناقص، بفعل زيادة الاستهلاك وتلوث كثير من مصادرها وأزمة المياه في تفاقم عام بعد عام.

حوالي 800 مليون انسان محرومون من المياه النظيفة وهذا يؤدي الى وفاة اكثر من 3,5 مليون انسان سنويا لاعتمادهم على مياه ملوثة، ولذا تم استحداث مفهوم البصمة المائية للمنتجات والنشاطات وحتى الدول، وكذلك مفهوم المياه الافتراضية في أي منتج، والهدف من هذين المفهومين هو الغوص الى اصل كل منتج ومعرفة كميات المياه التي استخدمت في انتاجه، كذلك معرفة استهلاك أي دولة من المياه حتى في نشاطاتها التي تقع خارج حدودها او عند استيرادها لأي منتج، وذلك لتحديد افضل الوسائل لمواجهة ازمة المياه في العالم.

البصمة المائية وتحديد كمية المياه الافتراضية

البحث عن اصل كل مشكلة بيئية هو افضل طريقة لحلها، هذه هي اقوى الطرق التي تعمل بها كافة هيئات وجمعيات حماية البيئة وتتعاون مع حكومات العالم لتطبيقها، والمياه هي عصب الحياة وتلوثها او عدم استقرار امداداتها يهدد حياة الشعوب، ويمثل خطرا حقيقيا على الأمن القومي لأي دولة، لذا فمعرفة كمية المياه اللازمة لإنتاج منتج  او تقديم خدمة هو امر ضروري لتحديد المنتجات والخدمات غير الأساسية التي يجب الاستغناء عنها لعجزها عن تقديم فائدة توازي وتفوق قيمة المياه التي استهلكت في انتاجها.

تم استنساخ مفهوم البصمة المائية من تجربة بصمة الكربون التي تم الاعتماد عليها للحد من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، وذلك في محاولة الى رفع اهتمام كافة الدول بتحسين أنظمة إدارة الموارد المائية وتقليل الهدر.

أما المياه الافتراضية فقد اقترح العالم البريطاني ”توني الن” عمل موازنة لكميات المياه المستعملة في زراعة أي محصول زراعي واتخاذ القرار بإبعاد بعض الأصناف التي تستنزف الموارد المائية، وكل ذلك في محاولة لتحقيق الأمن المائي للمناطق الجافة وذلك من خلال حساب كميات المياه اللازمة لإنتاج المواد الغذائية التي تصدرها او تستوردها تلك الدول وعمل موازنة مائية بناء على ذلك.

كيف يتم حساب البصمة المائية؟

البصمة المائية لأي منتج هي مجموع الماء العذب الذي استخدم في انتاجه، ويندرج تحت هذا المسمى كل مياه استخدمت في انتاجه سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة، وتشمل المياه التي استخدمت من لحظة البدء بإنتاج وتحضير المواد الخام المكونة للمنتج حتى وصوله الى المستهلك جاهزا، ويتم احتساب نسبة التبخر وكميات المياه الملوثة الناتجة عن عمليات الإنتاج من ضمن البصمة المائية للمنتج أيضا، وهذا يجعل البصمة المائية تتغير للمنتج نفسه حسب المنطقة الجغرافية التي ينتج فيها.

من تعريف البصمة المائية فقد تم تقسيم الماء المستخدم لإنتاج أي منتج الى ثلاثة اقسام، حيث يطلق مصطلح الماء الأزرق على كمية المياه العذبة الكلية المستخدمة في انتاج المنتج بما في ذلك المياه المتبخرة اثناء العملية، بينما يطلق مصطلح الماء الأخضر على المياه المتبخرة اثناء عملية الإنتاج او بسببها، اما الماء الرمادي فهو الماء اللازم لتخفيف الماء الملوث او تنقيته الناتج عن العملية ليكون صالحا للاختلاط مع المياه العذبة.

لا يمكن حساب البصمة المائية بدقة وذلك لكثرة العوامل المؤثرة في قيمتها لكن يمكن وضع قيم تقريبية، بحيث يتمكن صناع القرار والشركات والمؤسسات العاملة في مجال ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة المياه في العالم من تحديد افضل الإجراءات التي يجب اتخاذها للحد من هدر المياه وتوفير مياه عذبة وآمنة وصحية لجميع البشر.

اما البصمة المائية للدولة فهي كميات المياه التي يستهلكها كافة مواطنيها سواء بطريقة مباشرة او من خلال السلع والخدمات التي يحصلون عليها، ويعبر عنها بالليتر او المتر المكعب لكل مواطن في السنة، وتقسم الى قسمين هما بصمة مائية داخلية وتعني كل المياه التي يتم استهلاكها داخل الدولة، وبصمة مائية خارجية وهي مجموع البصمات المائية للسلع التي يتم استيرادها من خارج البلاد مقسوما على عدد سكانها، وتعتمد البصمة المائية لأي دولة على عاملين اساسيين هما معدل استهلاك الفرد للمياه وكفاءة نظام إدارة الموارد المائية في تلك الدولة.

المياه الافتراضية والأمن المائي والغذائي

المياه الافتراضية هي كمية المياه الكلية التي استخدمت في انتاج مادة غذائية وخاصة المنتجات الزراعية، ويهدف استخدام هذا المفهوم الى تحسين ادارة الموارد المائية من خلال تحديد المحاصيل الزراعية التي يمكن انتاجها محليا والاصناف التي يجب استيرادها من خلال إضافة حساب الجدوى المائية عند حساب الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لها.

ويمكن لهذه الطريقة ان توفر كميات مياه هائلة وذلك بعدة طرق، فمثلا يتم الاستغناء عن زراعة بعض المحاصيل ذات كميات المياه الافتراضية المرتفعة ويتم استيرادها من دول أخرى بينما يتم زراعة محاصيل بـمياه افتراضية اقل، أيضا يمكن استغلال هذه العملية في تغيير طرق الري والزراعة التقليدية واستعمال وسائل حديثة واكثر كفاءة، أيضا يمكن تقليل الاعتماد على المياه العذبة في زراعة الاعلاف واستعمال مياه رمادية.

كانت المنطقة العربية الواقعة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا المستهدف الأول في دراسات “توني الن”، اذ اقترح تغيير نمط استخدام المياه، وضبط الهدر الناتج عن استعمال وسائل ري بدائية مثل الري بالغمر، او زراعة محاصيل تستهلك كميات كبيرة من المياه مثل الموز.

وتعتبر المنطقة العربية من اكثر المناطق في العالم فقرا بموارد المياه وخاصة انها تقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة وان كثير من الأنهار التي تمثل اهم مصدر للمياه في كثير من الدول العربية تنبع من خارج تلك الدول.

وفي الآونة الأخيرة ظهرت كثير من الدعوات التي تشجع الدول العربية الى تطبيق مبادئ تجارة المياه الافتراضية وهي تقوم على حساب القيمة المائية لكل منتج وفرض ضرائب ورسوم على المنتجات ذات القيم العالية بهدف ثني المزارعين عن زراعتها، لكن ذلك صعب المنال على ما يبدو لأن كثير من الدول العربية تعاني من عزوف المزارعين أصلا عن الزراعة وهجرتهم الى المدن وبدل ان تفرض ضرائب عليهم فهي تقدم  لهم دعما ليبقوا في أراضيهم، كما ان معظم مصادر المياه التي تستخدم في الزراعة ملك خاص للمزارعين وليست للدولة وهذا يصعب عملية إدارة هذه المياه وتقنين استخدامها.

ان استخدام مفهوم البصمة المائية او المياه الافتراضية تساعد على تحقيق الأمن المائي في المناطق الجافة، وتطالب عدة هيئات دولية استخدام ملصق يوضح قيمة البصمة المائية على كل سلعة تباع في الأسواق، وذلك من اجل تشجيع المزارعين وأصحاب الشركات الصناعية على زيادة الاهتمام برفع كفاءة استخدام المياه في نشاطاتهم وذلك لتحسين صورة منتجاتهم عند المستهلكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *