أسرار تمليح الأسماك وجودتها دليل علمي لحفظ آمن وجودة عالية

إعداد: أ.د.مصطفى محمد محمد إبراهيم
رئيس بحوث بقسم بحوث تكنولوجيا اللحوم والأسماك بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية
يُعتبر التمليح من أقدم الطرق المستعملة في حفظ المواد الغذائية، والتي مارسها الإنسان منذ القدم، وللآن يُعتبر الملح عامل الحفظ الرئيس في بعض المنتجات مثل الفسيخ والسردين، وكذلك الملوحة والبطارخ وأم الخلول، كما قد تُحفظ بعض شرائح الأسماك بهذه الطريقة أيضًا، وقد يُستعمل الملح بمفرده أو مصطحبًا مع طرق حفظ أخرى مثل التدخين أو التجفيف. ويؤدي التمليح إلى بعض التغيرات في الطعم قد لا يرغبها البعض، بعكس طرق الحفظ الأخرى كالتجميد أو التعليب.
تأثير استخدام الملح
يُقصد بالتمليح طريقة الحفظ التي يكون الملح فيها هو العامل الأساسي للحفظ، بينما في حالة معاملة اللحوم بالتدخين قد يُجرى تمليحها أو لا يُجرى. وأحيانًا تُجرى عملية تدخين بسيطة للمنتج المملح، والغرض منها في هذه الحالة إعطاء الطعم المدخن المميز.
وقد اتضح أن عملية التمليح لها تأثير واضح على صفات وقيمة المنتجات المملحة.
ومن المعروف أن الملح بتركيز منخفض لا يمنع نمو البكتيريا، بل إن بعض أنواع البكتيريا تحتاج إلى قليل من الملح لتشجيع نموها، ولكن التركيزات المرتفعة من الملح تمنع نمو البكتيريا وتعمل على تقليل نسبة الرطوبة في الأنسجة، فعند وضع الأسماك في طبقات متبادلة مع الملح يُلاحظ خروج جزء من رطوبة الأسماك وعصارتها، وينتج عن ذلك تكوين محلول ملحي يغمر الأسماك.
وأثناء التمليح يدخل الملح إلى الأنسجة، وعندما يصل تركيزه في الأنسجة إلى نسبة مناسبة يحدث تجمع البروتينات، كما يحدث جفاف للأنسجة (Shrinkage)، ويستمر خروج العصارة إلى أن يحدث اتزان لتركيز الملح داخل وخارج الخلية، وعندها تكون عملية التمليح قد تمت، ويُقال للسمك في هذه الحالة (Strack).
التيبس الرمي للأسماك
من المعروف أن فساد الأسماك يحدث أساسًا نتيجة التحلل الذاتي والتحلل البكتيري، ونتيجة للتحلل الذاتي تحدث تغيرات طبيعية وكيميائية نتيجة النشاط الإنزيمي للخلايا نفسها، وهذه التغيرات تبدأ بعد موت السمكة مباشرة، وتنشط على درجات الحرارة المرتفعة نسبيًا (36–37م)، ويقل التحلل الذاتي كلما انخفضت درجة الحرارة. وتنشط هذه الإنزيمات في الوسط الحامضي الخفيف، بينما يقل فعلها في الوسط القلوي. وعادة أثناء التحلل الرمي تزداد نسبة الحموضة تدريجيًا في العضلات، وبالتالي يزداد النشاط الإنزيمي للإنزيمات المحللة ذاتيًا.
ومن المعروف أن الإنزيمات لا تعمل إلا في وسط مائي، ويكون نشاطها أكثر في حالة المحاليل المخففة عن المحاليل المركزة، حيث يقف نشاطها تمامًا وقد يحدث لها دنترة (Denaturation) في المحاليل الملحية المركزة، وعلى هذا الأساس يُفسر تأثير الملح أو عملية التمليح للأسماك.
تأثير التلوث بالبكتيريا
أما البكتيريا، إذا وُضعت في البيئة الملائمة، فإنها سرعان ما تتكاثر وتفرز الإنزيمات التي تقوم بإتلاف الأنسجة وما تحتويه من مواد عضوية. وإذا لم تُتخذ الاحتياطات اللازمة والعناية الخاصة أثناء تداول وغسيل الأسماك، فإن هذه البكتيريا سرعان ما تنتشر وتؤدي إلى زيادة التلوث.
ويُلاحظ أن البكتيريا يقل نشاطها عند درجات الحرارة المنخفضة، كما أن وجود محاليل ملحية مرتفعة التركيز يقلل من نشاطها، وعندما يصل التركيز إلى 18–20% فإن كلًا من التحلل الذاتي والنشاط البكتيري يكون بطيئًا جدًا لدرجة أنه لا يمثل أي خطورة في فساد الأسماك.
تأثير تركيب الملح (كلوريد الصوديوم)
يؤثر على عملية التمليح نفسها، حيث إن أهم الشوائب التي توجد في الملح هي أملاح الكالسيوم والماغنسيوم، وتعمل هذه الشوائب على إبطاء تحلل الملح داخل الأنسجة.
وعلى ذلك يُفضل استخدام أنواع الملح النقي عند إجراء عملية التمليح، خاصة إذا كانت العملية تُجرى على درجات حرارة منخفضة، حيث إن أملاح الكالسيوم تسبب إبطاء تحلل ملح الطعام أكثر من أملاح الماغنسيوم، وإذا وُجدت أملاح الكالسيوم والماغنسيوم في الملح فإنها تؤثر على لون المنتج النهائي، كما تؤثر على صلابة الأنسجة أو قد تكسبها طعمًا مرًا.
فالأسماك التي تُملح بملح نظيف تكون لينة القوام، ذات لون أصفر أو كريمي، ويكون مظهرها عند إعدادها للأكل مشابهًا للأسماك الطازجة، وذلك في حالة نقاء الملح المستعمل. وإذا وُجدت أملاح الكالسيوم والماغنسيوم بنسبة 1% من ملح الطعام، فإن ذلك يسبب بياض الأنسجة وصلابتها، كما تكتسب طعمًا مرًا.
توجد طرق رئيسية لتمليح الأسماك:
- طريقة التمليح الجاف: ومنها تُدعك الأسماك جيدًا بالملح الخشن، فيتخلل الملح لحومها ويخرج منها الماء الذي ينساب إلى الخارج.
- التخليل: وهي طريقة شبيهة بالطريقة الأولى، ولكن مع ترك السائل داخل البرميل، بحيث تصبح الأسماك مغمورة في سائل ملحي شديد التركيز مكوَّن من السوائل الناضحة.
إجراء عملية التمليح:
تتم عملية التمليح إما بطريقة جافة أو الطريقة الرطبة (المحلول الملحي).
الطريقة الجافة:
- يعمل الملح الجاف على سرعة تخلل الملح للأنسجة، كما يكون تأثيره في منع الفساد أكبر من تأثير الملح الرطب.
- في عملية الملح الجاف يظل المحلول الملحي المتكون قريبًا من درجة التشبع.
- إجراء التمليح بتوزيع الملح الجاف بين طبقات الأسماك يكون أسهل من استخدام المحلول الملحي.
الطريقة الرطبة:
أما استخدام المحلول الملحي فيتعرض للتخفيف نتيجة خروج جزء من عصارة الأسماك التي يجري تمليحها، وعلى ذلك يحتاج الأمر إلى مداومة رفع التركيز، مع استمرار تقليب الأسماك حتى لا يحدث تخفيف في المحلول الملحي.
كمية الملح المستخدمة:
تتراوح كمية الملح الجاف المستخدم في عملية التمليح بين 10–35% من وزن الأسماك المملحة، وذلك تبعًا لنوع الأسماك والطقس ومدى تعود المستهلك على المنتج.
طريقة التمليح:
- الإسراع في عملية التنظيف والغسيل بعد صيد الأسماك مباشرة (يتم إزالة الأحشاء في الأسماك الكبيرة، أما الأسماك الصغيرة فلا تزال).
- بصفة عامة، إذا رُغب في تقليل التحلل للأسماك المملحة بقدر الإمكان، فيُنصح بإزالة الرأس والأحشاء الداخلية وكذلك الدم وجميع آثاره الداخلية.
- يُغسل السمك جيدًا أكثر من مرة، ويفضل استعمال ماء مثلج.
- في حالة الأسماك كبيرة الحجم، قد تُشق طولياً، وقد يُنزع الجلد الخارجي (ليُستخدم في صناعة أخرى)، كما تزال العظام والأشواك، وتُقطع السمكة إلى قطع مناسبة.
- تُجرى عملية التمليح برص الملح في طبقات مع الأسماك، وفي حالة تمليح قطع الأسماك الكبيرة تُمسح القطع كلٌّ على حدة من كل وجه قبل رصها.
- توضع كمية من الملح على الطبقة السطحية، ويُلاحظ بعد مدة تكوُّن محلول ملحي من رطوبة الأنسجة والملح الجاف.
- يُغطى الوعاء ويُترك حتى تتم عملية التمليح.
وبصفة عامة، إذا ما وُضعت الأسماك مع الملح أو مع محلول ملحي (تمليح جاف أو رطب) وعلى درجة حرارة منخفضة، فإن عملية التمليح تتم قبل حدوث الفساد، أما إذا ارتفعت درجة الحرارة فإن التحلل الذاتي يكون أسرع من عملية التمليح، مما يؤدي إلى فساد الأسماك، وهي نقطة مهمة جدًا في صناعة الفسيخ أو الملوحة.
وسوف نتكلم عن صناعة الفسيخ:
يتم تمليح الأسماك في صناعة الفسيخ بالطريقة القديمة، بأن يُترك السمك البوري لمدة 24–48 ساعة أو حتى يصل إلى درجة من التحلل يُستدل عليها من الرائحة المميزة، وكذلك حدوث انتفاخ بسيط، ثم بعد ذلك يُضاف الملح بنسبة تتراوح ما بين 15–25% من وزن السمك. وعادة يُستخدم مخلوط من الملح بنسبة 50% ملح ناعم و50% ملح خشن، وذلك بأن يُرص السمك في براميل، وقد تُستخدم الأحواض الإسمنتية أو الرخامية أو الصفائح، مع مراعاة وضع الملح داخل الخياشيم بكمية كبيرة، ويوضع البوري في طبقات متبادلة مع الملح، ويُترك السمك على هذه الحالة لفترات مختلفة.
ويُعرف الفسيخ الناتج بعد فترة تمليح قصيرة (قد تصل إلى 10 أيام) بالفسيخ الحلو، ويتميز بانخفاض نسبة الملح في الأنسجة.
وبصفة عامة لا يُؤكل الفسيخ قبل انقضاء هذه المدة على الأقل، إلا أن المتبع عادة أن فترة التخليل حوالي شهرين، وفي هذه الحالة يُعرف بالفسيخ العادي (أي بعد انتهاء مدة شهرين).
أما الطريقة الإفرنجية، ففيها تزال الأحشاء والرأس أولًا، ثم يُنظف السمك جيدًا ثم يُملح (أي لا يتم تركه 24–48 ساعة)، ويُترك لإتمام عملية التمليح.
بصفة عامة، العوامل التي تؤدي إلى فساد الأسماك المملحة هي نفسها التي تؤدي إلى فساد الأنسجة الطازجة، بمعنى أن وجود الرطوبة والهواء والضوء مع ارتفاع درجة الحرارة هي عوامل رئيسية في حدوث الفساد في الأسماك المملحة، وعلى ذلك فإن الأسطح المكشوفة للأسماك تكون معرضة عادةً للتأكسد والتحلل، كما يجب تخزين الأسماك المملحة على درجة حرارة منخفضة مع غياب الهواء.
بعد هذا الاستعراض لعملية التمليح للأسماك يجب مراعاة الآتي:
- اختيار أصناف الأسماك الجيدة والمرغوبة لدى المستهلك، وأن تكون في حالة طازجة، ويفضل عند تمليحها استخدام الطريقة الإفرنجية التي يتم فيها إزالة الرأس والأحشاء الداخلية.
- غسيل السمك بماء مثلج مرتين على الأقل لتنظيف الأسماك.
- يتم إجراء عملية التمليح بنسب مناسبة من الملح حسب ظروف الطقس (15–25% من وزن السمك)، ويُترك للمدة المناسبة للتمليح.
- يُغطى السطح الخارجي للأسماك منعًا من حدوث التأكسد.
- تُخزن على درجة حرارة منخفضة، مع ملاحظة التغطية المناسبة لأماكن تمليح الأسماك حتى لا يدخل الهواء بقدر الإمكان إلى داخل الصناديق.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



