أنقذوا مرتبات أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية قبل أن تنهار منظومة العلم في مصر

بقلم: د.أسامة بدير
أكتب اليوم للمرة الثالثة، وربما ليست الأخيرة، مناشداً الحكومة ضرورة التدخل العاجل لزيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية. لم تعد القضية مطلباً فئوياً، بل أصبحت صرخة إنقاذ لما تبقى من منظومة العلم والمعرفة في هذا الوطن. في ظل موجات التضخم المتلاحقة، وما لحق بالقوة الشرائية للجنيه المصري من تآكل واضح، باتت هذه الفئة تعاني معاناة بالغة تمس كرامتها واستقرارها وقدرتها على أداء رسالتها.
يقيني إن أعضاء هيئة التدريس ليسوا مجرد موظفين، بل هم صناع العقول ومهندسو المستقبل. على أيديهم يتخرج الأطباء والمهندسون والعلماء والمعلمون، وهم من يتحملون عبء تأهيل أجيال كاملة لسوق العمل في الداخل والخارج. إنهم خط الدفاع الأول عن جودة التعليم، وأي خلل في أوضاعهم المعيشية ينعكس مباشرة على مستوى الخريجين، ومن ثم على مستقبل الدولة بأكملها.
كما أن دورهم لا يتوقف عند حدود التدريس، بل يمتد إلى البحث العلمي، الذي يمثل العمود الفقري لأي نهضة حقيقية. من داخل المعامل والمراكز البحثية تخرج الحلول للمشكلات الزراعية والصناعية والبيئية، وتتولد الأفكار القادرة على تحويل التحديات إلى فرص. إنهم ينتجون معرفة قابلة للتطبيق، تسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتدعم نمو الاقتصاد الوطني.
وفي ظل عالم يتسارع نحو الابتكار والتكنولوجيا، تصبح قيمة الباحث والأستاذ الجامعي مضاعفة. الدول التي تقدمت لم تفعل ذلك إلا بالاستثمار في عقول علمائها، وتوفير بيئة كريمة تحفظ لهم الاستقرار وتحفزهم على العطاء. أما إهمال هذه الفئة، فهو بمثابة إهدار لأهم مورد تمتلكه أي دولة: المورد البشري المؤهل.
لكن الواقع اليوم يكشف عن فجوة مؤلمة بين حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبين ما يتقاضونه من دخول لم تعد تكفي لمتطلبات الحياة الأساسية. هذا الوضع لا يهدد فقط جودة التعليم والبحث العلمي التطبيقي، بل يدفع البعض إلى البحث عن بدائل خارجية، ما يفتح باباً جديداً لهجرة العقول التي نحن في أمس الحاجة إليها.
لذلك، فإن الاستجابة لمطلب زيادة المرتبات لم تعد رفاهية أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن تجاهل هذه الأزمة سيؤدي حتماً إلى تآكل المنظومة العلمية والبحثية، وانعكاس ذلك على كافة قطاعات الدولة. أما التحرك العاجل، فهو استثمار مباشر في حاضر وصر ومستقبلها.
إنني أوجه هذه المناشدة بوضوح وقوة: أنقذوا أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية قبل أن نفقد قدرتنا على إنقاذ أجيال كاملة. فالعواقب لن تكون فئوية أو محدودة، بل ستمتد إلى المجتمع كله، وستظهر آثارها في المستقبل القريب بشكل لا يمكن تداركه بسهولة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


