آخر الأخبار
الرئيسية / هموم الفلاحين / تقرير حقوقى يرصد مقتل 79 عامل زراعي وإصابة 190 آخرين

تقرير حقوقى يرصد مقتل 79 عامل زراعي وإصابة 190 آخرين

الفلاح اليوم ـ كرم صابر كشف تقرير حقوقى أصدره مركز الأرض بعنوان: العمال الزراعيون فى مصر.. المستقبل المجهول، عن مقتل 79 عاملا زراعيا ما بين عمال وعاملات بالغين، وفتيان وفتيات، وإصابة 190 آخرين وكان ذلك بسبب حوادث الطرق لسيارات ومعديات متهالكة وغير صالحة للاستخدام وحوادث أخرى ناجمة عن تسمم غذائى أو نشوب إحدى الحرائق فى بأحد المزارع.

تدنى حقوق العمالة الزراعية
تدنى حقوق العمالة الزراعية

واستعرض التقرير فى قسمه الأول، تأثير السياسات العامة والزراعية فى أوضاع العمال الزراعيين وذلك فى الفترة من يوليو عام 1952 وحتى عام 2016 عبر ثلاث مراحل الأولى تبدأ من عام 1952 وحتى عام 1975، وتبين تلك الفترة أن مجمل السياسات والتشريعات التى أصدرتها السلطة أدت بشكل عام إلى قدر من الانتعاش الاقتصادى فى الريف نتيجة التغير الجزئى فى نمط توزيع الدخول، لكن هذا الانتعاش لم يمس بشكل حقيقي أوضاع العمال الزراعيين من المعدمين التى تزايدت أعدادهم وانخفضت أجورهم بشكل واضح، ولولا عمليات التصنيع والمشروعات القومية الضخمة مثل السد العالي التى امتصت جزءاً لا بأس به من هذه العمالة طوال النصف الثانى من الخمسينيات وحتى نهاية النصف الأول من الستينيات لوصلت الأوضاع الى حد الكارثة. ومع هزيمة يوليو عام 1967 وتوقف كل عمليات التنمية والتوسع الصناعي وتوجيه أغلب موارد الدولة للمجهود الحربي عاد شبح كارثة الفقر فى الريف وفائض العمالة الزراعية مرة أخرى للتزايد، والتى أمكن الامتصاص الجزئي لنتائجها من خلال استيعاب الجيش لأعداد هائلة من المجندين لاسترداد الأرض المحتلة، لكن ومع عودة المقاتلين من حرب أكتوبر عام 1973 م إلى قراهم، وفى ظل عدم وجود بناء اقتصادي غير قادر على استيعابهم، ومع تنامي تحول قطاعات متزايدة من صغار الحائزين إلى قوة عمل أجيرة، وفى ظل الزيادة الطبيعية فى قوة العمل الناتجة عن زيادة السكان أصبحت كارثة العمال الزراعيين أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار.

وأوضح التقرير، أنه وفى الفترة من عام 1975 حتى عام 2011 سعت السلطة الحاكمة إلى تخليص الاقتصاد من السياسات السابقة التى كانت تسمح بتدخل مؤسسات الدولة فى إدارة الحياة الاقتصادية والحد من قدرتها على السيطرة على الفائض الاقتصادى وإعادة استخدامه، وإطلاق قوى السوق الرأسمالى بما يسهم فى إعادة رسم خريطة الدخل لصالح القوى الرأسمالية العالمية والمحلية، وإعادة صياغة وتشكيل هيكل الاقتصاد لكي يكون مستعدا لاستقبال الاستثمارات الأجنبية، وتعميق التحالف الاقتصادى والسياسي مع الغرب، وقد دشنت تلك السياسات بورقة أكتوبر والقانون رقم 43 لسنة 1974 والمعروف بقانون استثمار رأس المال العربي الأجنبى.

وأشار التقرير، أنه فى قطاع الزراعة تم تدعيم ذلك بإعادة تركيز الأرض فى يد الرأسمالية الزراعية وإعادة الأرض التى تم الاستيلاء عليها إليهم وتعويضهم بأسعار السوق عن أراضيهم التى انتزعت منهم خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى، وتم إطلاق حرية الاستثمار الرأسمالى فى الريف دون أدنى تدخل من الدولة، وهو ما لعب الدور الأساسى فيه بنك التنمية والائتمان الزراعي الذى وفر مصادر تمويل مناسبة للرأسمالية الزراعية  وسحب العديد من الوظائف والأدوار التى كانت تقوم بها مؤسسات تعبئة الفائض القديمة والمسماة بالجمعيات الزراعية، كما ألغيت الدورة الزراعية، وكذلك التسليم الإجبارى للمحاصيل التقليدية. وفى الوقت نفسه كبلت الحيازات الصغيرة بالديون والقروض لدى البنك وتحول أصحابها فى النهاية إلى معدمين، أو اضطروا للعمل لتغطية ديونهم لدى البنك. وخلال هذه المرحلة تم دعم مواقع الرأسمالية الزراعية فى البناء السياسى، وارتفعت نسبة تواجدهم فى البرلمان بل وبين قادة الأحزاب السياسة وفى المجالس المحلية والتى سيطرت عليها عائلات أغنياء الريف ولم يخرج مجلس الوزراء من دائرة تواجدهم حيث حافظوا على وجودهم بوزيرين على الأقل يرتبطون بمصالح مباشرة مع الرأسمالية الزراعية. وهو ما دعم فى النهاية النفوذ الاقتصادى لدى كبار الحائزين وأغنياء الفلاحين الذين استطاعوا توفير الحماية السياسية لفرض سطوتهم واستغلالهم على العمالة الزراعية المجردة من أى حماية قانونية أو سياسية.

وتابع التقرير، أنه على امتداد تلك الفترة أدت هذه السياسات إلى مزيد من الإفقار والتمايز الاجتماعى داخل الريف دفع ثمنه أفقر الفقراء من المعدمين الذين يشكلون جسم العمالة الزراعية وكتلتها الرئيسية، لكن الفجوة النفطية ووجود توجه دولي لإعادة تدوير أموال النفط باتجاه الغرب واستخدام العمالة المصرية كقاعدة لتنفيذ هذا التوجه، أسهم فى امتصاص فائض هذه العمالة إلى حد كبير عبر طوفان الهجرة (السرية وغير السرية) إلى بلدان الخليج والعراق وليبيا والذى شمل الملايين من المصريين من سكان الريف، وكان عمال الزراعة قواهم الرئيسى، بالإضافة للهجرة إلى المدن خاصة فى المهن التى تحتاج لجهد بدني وقليل من التأهيل لسد فراغ العمالة الحضرية المهاجرة لدول النفط. وأسهمت الهجرة بشكل نسبى فى الحد من مشكلة فائض العمالة الزراعية فى الريف، حتى إنه مع بداية الثمانينيات أصبحت هناك ندرة فى العمالة الزراعية، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبى فى أجورها،  إلا أن الهجرة على المدى الطويل ساعدت على الحفاظ على أوضاع بنية التخلف فى الريف وقطاع الزراعة، وبالتالى ديمومة علاقات النهب والاستغلال التى يتعرض لها العمال الزراعيون.

ونوه التقرير، إلى تفاقم الآثار الكارثية فى تلك الفترة بسبب اتساع نطاق ظاهرة البطالة على مستوى الريف / الحضر التى وصلت إلى 10,6% من إجمالى قوة العمل فى عام 2006 وزادت فى عام 2010 إلى نحو 12% وبالتالى تراجعت قدرة المدينة أو القطاعات الاقتصادية الأخرى عن امتصاص أي قدر من فائض بطالة العمالة الزراعية التى كانت تهاجر إلى المدينة، وتزايد الاعتماد على التقنيات الحديثة فى معظم الأنشطة الاقتصادية الإنتاجية وهو ما كان له أثره السلبي المباشر على عمال الزراعة الذين يعانون من انخفاض التأهيل ويعتمدون بشكل أساسى على أعمال ترتبط بالجهد البدني، وتزايد نهم الرأسمالية الزراعية لزيادة نصيبها من الأرض الزراعية وبالتالى استخدمت جميع الأساليب القانونية وغير القانونية بما فيها العنف وجيوش المجرمين فى الاستيلاء على الحيازات القزمية والصغيرة (سواء فى الأراضى القديمة أو المستصلحة) وطرد الفلاحين منها وتحويلهم إلى معدمين وقد استولت هذه الرأسمالية على عشرات الآلاف من الأراضى التى كان يديرها الإصلاح الزراعى خلاف ما يزيد على 25 ألف فدان من أراضى الأوقاف. وتم تكليل هذه المرحلة بتطبيق قانون تحرير إيجارات الأرض الزراعية وإعادة الأراضى المستأجرة لمالكيها وترتب على ذلك طرد نحو مليون مستأجر من الأراضى الزراعية وإعادتها للملاك بعد تطبيق القانون 96 لسنة 92 عام 1997 وتم على أثره تحرير قيمة الإيجار حتى وصلت من نحو 600 جنيه إيجارًا للفدان فى عام 1997 إلى نحو 10 آلاف جنيه للفدان فى الوقت الراهن.

وعلى إثر ذلك أوضح التقرير، اتسع نطاق الفقر وزادت معدلاته فى الريف خاصة مع انهيار التعليم وارتفاع تكلفته ما أدى إلى لجوء الكثير من الأسر الريفية إلى الدفع بأبنائها إلى سوق العمل وهو ما أدى إلى زيادة فائض العمالة من جهة، بالإضافة إلى أن دخول هؤلاء الأطفال لسوق العمل وعملهم بأجور أقل ضاعف ذلك من تدهور أجور العمال الزراعيين. وبدأت المرحلة الثالثة مع تفجر الأوضاع الاجتماعية عام 2011 وانتفاض الجماهير فى الشوارع، وقد أدت السياسات المتبعة منذ ذلك الحين وحتى الوقت الراهن إلى زيادة نهب الأراضى الزراعية وتدهور إنتاج بعض المحاصيل الزراعية مثل القطن وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعى إلى أكثر من 100% وتدهور أوضاع القطاع الزراعى والريف بشكل عام وتزايد نسب البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وواكب ذلك دخول وزارة الدفاع فى الكثير من الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية لدرجة بلوغ حجم هذا التدخل والأنشطة إلى نحو 30% من حجم النشاط الاقتصادى دون مراقبة من أى أجهزة شعبية أو رقابية مما أسهم فى تزايد الفساد بدرجات غير مسبوقة فى الأجهزة الحكومية ولم تشهده مصر خلال مائة عام الماضية، وقد قدرته جهات حكومية بما يزيد على 600 مليار جنيه خلال السنوات الخمس الماضية، وأثر ذلك بالسلب على كافة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع المعيشية وتدهور قطاعات الصحة والتعليم وأثر بالسلب فى دخول ملايين المواطنين خاصة العاملين بأجر ومن بينهم العاملون بقطاع الزراعة، ولا يسعنا إلا القول بأن مجمل السياسات الزراعية أو التى اهتمت بشئون العمال الزراعيين فى مصر منذ عام 1952 وحتى الآن أسقطت من اهتماماتها أى توجه فعلى نحو تحسين شروط عملهم أو تأهيلهم أو أجورهم بل إنها ساهمت فى تزايد معدلات تدهور أوضاعهم.

وفى القسم الثانى أظهر التقرير واقع العمالة الزراعية ومشاكلها حيث أكد أنهم يعانون من عدم الاستقرار في فرص العمل، نتيجة موسمية العمل الزراعي، كما يعانون من استغلال ونهب مقاولي الأنفار خاصة مع استمرار وتوسع ظاهرة عمال التراحيل الذين يبحثون عن فرصة خارج قراهم وانخفاض أجورهم الحقيقية بنحو 60%، ويعملون ساعات عمل طويلة تصل أحيانا الى 11ساعة متواصلة يتخللها ساعة للغداء ولا يتمتعون بأي تأمينات اجتماعية أو صحية أو بدلات وحوافز وعلاوات. وحتى من يعمل منهم عمالة دائمة فى المزارع الكبرى محروم من أي شكل من أشكال الرعاية الصحية أثناء العمل، بل ومن أجورهم أثناء فترة المرض أو الإصابة، كما يتدنى مستوى ونمط معيشة أسر هؤلاء العمال، وتتعرض الفئات الأضعف منهم والممثلة فى الأطفال والنساء لدرجات أعلى من الاستغلال، فمتوسط أجر المرأة والطفل يمثل نحو 35% و30,5% على التوالي من متوسط أجر الرجل. ويتعرضون لمخاطر وإصابات وأمراض كثيرة أثناء العمل وبسببه سواء أكانت تلك المخاطر والإصابات بيولوجية نتيجة الإصابة بالأمراض التى تنتقل عن طريق ملامسة الحيوانات والطيور أو التعامل معها، أم مخاطر طبيعية أم كيمائية أم ميكانيكية ونهاية بحوادث الطرق أثناء انتقالهم إلى المزارع، هذا خلاف حالات التحرش والاستغلال الجنسي التى تتعرض لها النساء على نحو خاص من أصحاب المزارع أو المقاولين أو الرجال الذين يعملون معهم خاصة عند اضطرار النساء والفتيات للعمل بعيدا عن قراهم لمدة طويلة. ورغم كل تلك المعاناة التى تعانى منها العمالة الزراعية فإنها لا تشكل كتلة واحدة متجانسة، وهو ما يعقد أساليب التعامل معها أو رصد المتغيرات الطارئة على أوضاعها، أو حتى وضع تصورات لنضالها السياسى فى المستقبل. فهي تتنوع بين رجال ونساء وأطفال ويستخدم فارق الأجر بين الرجال والنساء والأطفال مع ندرة العمل وارتفاع فائض قوة العمل فى فرض شروط عمل أكثر قسوة يعانى منها الجميع وإيجاد حالة من التنافس فيما بينهم.

ولفت التقرير الانتباه، إلى أن هذا ليس هو التنوع الوحيد بين كتلة عمال الزراعة فهناك عمال معدمون أي لا يملكون إلا بيع قوة عملهم كمصدر وحيد للدخل، وهناك عمال زراعة لديهم مصادر دخول مكملة إلا أنهم يلجأون للعمل المأجور كعمال زراعة لاستكمال احتياجاتهم النقدية، ومنهم أصحاب حيازات قزمية وصغيرة، أو أصحاب أنشطة اقتصادية صغيرة ومتناهية الصغر (دكان بقالة فى القرية)، بل إن منهم من  يعمل كعمالة دائمة فى المؤسسات الحكومية كعمال خدمات أو صغار موظفين ويستكملون أيضا احتياجاتهم النقدية بالعمل الزراعي المأجور.

واستطرد التقرير قائلا: هذا التنوع المعقد على خلفية النوع والفئة العمرية، وديمومة العمل أو موسميته، وتعدد مصادر دخل العامل أو أحاديته من العمل الزراعي المأجور، أو تنوع أنواع العمل بين زراعي وغير زراعي، واختلاف أصحاب الأعمال بين: حكومة وقطاع خاص، شركات أو أفراد، عمل مباشر أو عبر مقاول، عمل داخل القرية أو خارجها، يضعنا أمام وضع بالغ التعقيد لدراسة أوضاع العمالة الزراعية خاصة مع غياب الدراسات العلمية لتفاصيل هذه الخريطة وهو ما يؤدى فى النهاية إلى التعميم الخاطئ فى التعامل معها ككتلة واحدة متجانسة. ورغم هذا التعقد فى خريطة قوة العمل الزراعي فإنه يمكن القول بأن جميع فئاتها تعانى بشكل عام من تزايد تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وتعانى من أكثر شروط العمل قسوة والتى يغيب فى ظلها أي شكل من أشكال الحماية والرعاية، كما أنها تعانى من تزايد معدلات البطالة وتضاؤل فرص العمل، ولقد أصبح هذا القطاع المهم من قوة العمل يشكل قاعدة جيش المهمشين الذى أصبح يموج بالغضب وعدم القدرة على تحمل مزيد من تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتدهورها. إلا أنه يضاف إلى هذا الظروف والواقع الاجتماعى للعمالة الزراعية من ظروف عمل لا تسمح لها بالوجود فى جماعات كبيرة، وغياب أي منظمات نقابية فاعلة، والعمل الموسمي الذى يتغير فيه صاحب العمل ومكانه بشكل دائم، وارتفاع نسبة  الأمية والمعاناة الدائمة من ندرة فرص العمل والانشغال الدائم بالبحث عنها..إلخ كل هذه الظروف تدعم تأخر أو تراجع ظهور أي نشاط سياسي أو اجتماعي منظم لهذا القطاع من العمال دفاعا عن مصالحهم أو تحسين أوضاعهم، وبالتالى تضعف قدرتهم على التأثير فى عملية صنع السياسات أو التوازن الاجتماعى بما يسمح بتحقيق جزء من هذه المصالح، وهذه الوضعية تشير فى الحقيقة إلى مستقبل وأيام صعبة وقاسية  تنتظر هذا القطاع من قوة العمل.

وفى القسم الثالث استعرض التقرير، ظاهرة عمالة الأطفال باعتبارها أحد القطاعات النوعية داخل قطاع العمال الزراعيين، ويبين التقرير الاهتمام الزائف من الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية والمحلية والحكومة المصرية بتحسين حقوق هذا القطاع، حيث إن هذه الأخيرة تحاول إظهار نفسها أمام أسواق التجارة العالمية بأن إنتاجها يخلو من استخدام عمل الأطفال فى الأنشطة الاقتصادية الخطرة، أو محاولاتها جلب المنح الدولية باعتبار أن الأخيرة تشترط الاهتمام بقطاعات حقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق الأطفال، ولا يهدف هذا الاهتمام الدولى أو المحلى إلى تغيير السياسات أو تقوية منظمات العمال للدفاع بأنفسهم عن مصالحهم ضد رجال الأعمال وكبار الملاك الزراعيين والشركات وفساد المؤسسات ذات الصلة بالقطاع، لكنه يرتبط بنطاق ضيق من الأنشطة تعتمد على المساعدات المباشرة لعدد محدود من الأطفال.

وفى هذا السياق قدرت منظمة العمل الدولية بأن هناك نحو 250 مليون طفل بين سن الخامسة والرابعة عشرة يعملون في الدول النامية وحدها محرومون من التعليم المناسب والصحة الجيدة والحريات الأساسية، ويدفع كل طفل من هؤلاء ثمنا فادحا لهذه المعاناة حيث إن نحو 50% منهم أو مايقدر بــ120 مليونًا يعملون كل الوقت في حين يدمج العدد الباقي ما بين العمل والدراسة، ويعمل نحو 70% تقريبا من الأطفال في أعمال غبر إنسانية، وهناك من بين هذا العدد الكلي نحو 50 إلى60 طفلا بين سن الخامسة والحادية عشرة ممن يعملون في ظروف خطيرة ؛ نظرا لصغر سن هؤلاء الأطفال وهشاشة أجسادهم وهذا ما يؤثر فى حياتهم وصحتهم. ويشير التقرير العالمي لعمل الأطفال لعام 2002 إلى أن السبب الرئيسي في اختفاء الأرقام الحقيقية لعمل الأطفال في المنطقة العربية يعود لعدم اعتراف هذه الحكومات بالمشكلة، حيث لا يعلنون البيانات والإحصائيات الحقيقية حول هذه الظاهرة فى محاولة منهم لتغييب الاهتمام بحقوق الأطفال العاملين.

واستعرض التقرير فى هذا القسم الاتفاقيات الدولية العديدة مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات منظمة العمل الدولية وتوصيات الفاو، ويؤكد أنه وعلى الرغم من كل هذه الجهود التى تبذلها المنظمات الدولية فى إصدار الاتفاقيات الملزمة والرصد وتنفيذ المشاريع التى تستهدف تحسين حياة هؤلاء الأطفال أو وقف تشغيلهم فى الأعمال الخطرة، فإن الظاهرة مازالت فى تزايد مستمر نتيجة السياسات الدولية وانحيازها لمصالح الشركات الدولية الكبرى وتوافق مصالحها مع مصالح الحكومات المحلية وللأسف وبسبب هذه السياسات تتم إعادة إنتاج الظاهرة ويتم استغلال الأطفال بشكل متواصل. إضافة إلى أوضاع عمل الأطفال فى مصر ويبين أن حجم عمل الأطفال يبلغ نحو 3 ملايين طفل عامل طبقًا لتقارير غير رسمية، وطبقا للمسح  القومي لظاهرة عمل الأطفال في مصر والصادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة فإن هناك نحو 2,76 مليون طفل عامل في مصر، يمثلون نحو ٢٦% أي أكثر من خمس الأطفال في الشريحة العمرية من ١٦:١٤ سنة بينما قدرهم الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء بنحو 1,6 مليون طفل عامل. وفى هذا السياق قدرت منظمة العمل الدولية حجم الأطفال العاملين بقطاع الزراعة بنحو 2.2 مليون طفل، بنسبة تصل  إلى 26% من إجمالى العاملين فى مصر ، ورغم تباين  الإحصائيات  السابقة وعدم دقتها فإن جميعها يشير إلي ارتفاع حجم عمل الأطفال في مصر ومع ذلك يبدو التناقض واضحًا في تلك الإحصاءات حتي تلك الصادرة من جهة واحدة.

وأشار التقرير إلى مخاطر عديدة نتيجة عمالة الأطفال فى قطاع الزراعة التى يعود بعضها إلى :
– ظروف وشروط عمل شاقة مثل استخدامهم لأدوات عمل تسبب لهم الإصابات (الجروح والكسور) وتعرضهم لمخاطر التعامل مع المبيدات الزراعية (التسمم والأمراض الخطيرة) وكذلك للمخاطر الناتجة عن طول يوم العمل، والإرهاق الشديد، والمعاملة السيئة من المشرفين، وأصحاب العمل، وما يصاحب كل ذلك من أمراض مزمنة.
– الاستغلال الاقتصادى، والذى يتجلى فى عدد من الأوضاع مثل بدء العمل فى سن مبكرة (أقل من 7 سنوات)، واستمرار ظاهرة مقاولى الأنفار (يستحوذون على جزء من أجر الأطفال)، وانخفاض أجور الأطفال، وزيادة عدد ساعات العمل اليومية وحرمان الأطفال من كافة أشكال الحقوق المتعلقة بالأجازات والراحات الأسبوعية، أو حقهم فى الحصول على أجورهم عنها.
– مخاطر طبيعية مختلفة (العوامل والظروف المناخية، الحر الشديد، البرد الشديد… إلخ) ومخاطر كيميائية وبيولوجية ـ وتؤثر هذه المخاطر فى الأطفال ( إصابتهم بضربات الشمس والدوخة، والإغماء بسبب عدم توفر وسائل الحماية من الشمس). وتعد الأعمال المشار إليها سابقاً التى يقوم بها الأطفال من أسوأ وأخطر أشكال العمل التى يقوم بها الأطفال والتى تلحق أفدح الأضرار بسلامتهم وصحتهم . ويضاعف من الضرر غياب الرعاية الصحية فضلاً عن عدم توافر وسائل الوقاية والحماية وعدم قيام أصحاب العمل بإجراء الفحص الطبى الدورى على الأطفال وكذلك عدم توافر الخدمات الضرورية فى أماكن العمل (المياه النقية ، دورات مياه ، الوجبة الغذائية ، المواصلات الآمنة …إلخ).

وأوضح التقرير، بعض الملاحظات السلبية الواردة بقانون الطفل وقانون العمل وقانون النقابات العمالية وقانون التأمينات الاجتماعية التى تفتح بابا واسعا لاستغلال الأطفال العاملين وتؤدى إلى تهرب أصحاب الشركات وكبار الملاك من تحمل مسئوليتهم فى حماية حقوق هؤلاء العاملين.

وأكد التقرير أنه على الرغم من كل جهود المنظمات الدولية واتفاقياتها وتوصياتها ومؤتمراتها والتزام الحكومة المصرية بتنفيذ بنودها ومع كل أدوار المؤسسات الحكومية والأهلية فى مصر لتحسين ظروف عمل الأطفال أو وقف استغلالهم ورغم صدور التشريعات والدساتير التى تؤكد حماية حقوق الأطفال العاملين، فمازال أطفالنا يتم استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال بسبب سياسات حكومية تنحاز لمصالح رجال الأعمال والفاسدين وتعيد إنتاج هذه الظاهرة ليس لشىء إلا لأن مجهودات هذه المؤسسات لا تهدف إلى تغيير السياسات بل تهدف إلى ترميم سياسات أنظمة ثبت فشلها فى تحسين حياة البشر، كما أن معظم هذه المؤسسات تتعامل مع الأطفال العاملين كضحايا وأرقام وبالتالى تتغافل عن إنشاء وتقوية ودعم تنظيماتهم المستقلة التى يمكنها وحدها وقف استغلالهم وتحسين شروط حياتهم.، وبالتالى لم تسفر هذه المجهودات خلال عشرات السنين الماضية عن أي نتائج إيجابية لأن السياسات الدولية والمحلية تعيد إنتاج الظاهرة وهى أسباب مازالت موجودة ولن يتم تغييرها بالطرق التى تتبعها تلك المنظمات.

وفى القسم الرابع رصد التقرير، بعض الحوادث التى وقعت للعمال الزراعيين أثناء ذهابهم إلى المزارع أو العودة منها إلى منازلهم وذلك فى الفترة من يناير 2016 حتى سبتمبر 2016، وكشف التقرير عن مقتل 79 عاملا زراعيًا ما بين عمال وعاملات بالغين، وفتيان وفتيات، وإصابة 190 آخرين وكان ذلك بسبب حوادث الطرق لسيارات ومعديات متهالكة وغير صالحة للاستخدام وحوادث أخرى ناجمة عن تسمم غذائى أو نشوب إحدى الحرائق فى إحدى المزارع.

وأكد التقرير أن عدد الحوادث التى يتعرض لها العاملون بقطاع الزراعة تزيد على ذلك بكثير، لكن لأن هذه الفئات لا يهتم بها إعلام مؤسسات الدولة المشغول بدعم أصحاب الشركات وكبار الملاك، فنادرًا ما يشار إلى مثل هذه الحوادث، وإن أشار إليها فيكون على حرج وفى صفحة الحوادث وفى مكان لا يمكن رؤيته.

ونظرًا لوقوع حوادث معديات كثيرة خلال العام راح ضحيتها مئات المواطنين ومن بينهم عمال زراعة فقد اهتمت بعض الجرائد بعمل بعض التحقيقات عن حالة المعديات التى تزيد على آلاف المعديات التى تصل شطى النيل، والتى أكدت جميعها تهالك هذه المعديات وعدم صيانتها أو تجديد رخصها وعدم صلاحيتها للعمل، وعدم الرقابة أو التفتيش من الجهات الحكومية المختلفة والمسئولة عن سلامة النقل عليها، وتكشف الأخبار التى نشرت حوادث العمال الزراعيين عن الانحيازات المفضوحة للإعلام لأصحاب الشركات والمزارع الكبيرة والفاسدين بمؤسسات الدولة؛ حيث لم يشر أى خبر إلى مسئولية هؤلاء جميعا غير ضرورة توفير وسائل نقل آمنة للعمال وعلى حقوق العاملين فى تحرير عقود عمل وتأمين صحى واجتماعى وصرف تعويضات ومعاشات بسبب إصابات العمل أو الوفاة الناجمة عن العمل. وعلى جانب آخر لم تهتم أى من الأحزاب أو النقابات بأى من هذه الحوادث نظرًا لانشغال معظمهم بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية ولم يقوموا خلال هذه الفترة بتوعية العمال الزراعيين ليشكلوا تنظيماتهم المستقلة، كما لم يبذلوا جهودًا بحثية لدراسة أوضاع تلك العمالة وأماكن تواجدهم وطبيعة عملهم وحجم مشاكلهم أو يتواصلوا معهم لتمكينهم من تشكيل تلك التنظيمات التى من دونها لا يمكن لأحوال العمال الزراعيين أن تتحسن.

ورغم جهود بعض الجمعيات الأهلية والمؤسسات العاملة فى هذا المجال فى رصد مشاكل العمال والأطفال العاملين بقطاع الزراعة فإن حجم الظاهرة يتزايد وظروف عملهم تزداد سوءًا وتدهورًا ، وهذا ناتج من رؤية هذه الجمعيات لهذه القطاعات التى تعدها مادة لأنشطتهم وفى أحسن الأحوال تسعى لتحسين أوضاع بعض أفرادهم عن طريق الهبات والمساعدات المباشرة دون أن تهتم بتطوير وسائل مقاومة أسباب هذه الظاهرة.

وانتهى التقرير بعدد من الملاحظات الختامية التى يؤكد فيها المركز أن عمل الأطفال بالزراعة هو جزء من مشكلة أكبر تخص كل العاملين بالزراعة والعاملين بأجر ولن يتم وقف استغلال هؤلاء الأطفال أو تحسين شروط عملهم أو حياتهم إلا من خلال تنظيمات مستقلة للعاملين بالزراعة والتى يمكنها الدفاع عن مصالحهم فى مواجهة استغلال أصحاب المزارع ومقاولى الأنفار وأصحاب الشركات ويمكنها أيضًا مقاومة الفساد المنتشر بأجهزة الدولة.

ولن يتم ذلك إلا عبر تنظيمات نوعية تتناسب مع أوضاع هذا القطاع  (عمال زراعة موسميون – عمال زراعة دائمين – عمال زراعة بشركات زراعية ومثبتون – عمال زراعة بشركات زراعية وغير مثبتين – عمال زراعة بالأراضى القديمة – عمال زراعة بالأراضى المستصلحة الجديدة .. إلخ) ويمكن بعد ذلك التنسيق بين هذه التنيظمات النوعية فى تنظيم أكبر للعمال الزراعيين يراعى الأهداف المشتركة لمختلف هذه التنظيمات والمتعلقة بتحسين شروط العمل وحقوقهم فى الأجر العادل والتأمين الصحى والاجتماعى وكفالة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

ويجب أن تدير هذه التنظيمات قيادات عمالية فاعلة ومستقلة ولها مصلحة مباشرة فى تحقيق أهداف هذه التنظيمات عبر عملية طويلة من النضال وليس الاستجداء من أصحاب الأعمال أو السلطات، وتجب بلورة هذه الرؤية والتحركات عبر مؤتمر ينظمه المهتمون بتحسين حياة وعمل العمال الزراعيين والقيادات الواعية بحقوق ومصالح العمال الزراعيين وكل العاملين بأجر، ويجب أن يبلور المؤتمر برنامجًا ورؤية وخطط نشاط وتنسيقات للمتابعة وتذليل العقبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *