آخر الأخبار
الرئيسية / تحقيقات / بلاغ عاجل لمن يهمه الأمر.. النحل يموت من الجوع!

بلاغ عاجل لمن يهمه الأمر.. النحل يموت من الجوع!

موت 600 خلية نحل بسبب الجوع والموز القاتل
موت 600 خلية نحل بسبب الجوع والموز القاتل

صناعة النحل والعسل تتعرض للتدمير بسبب نقص السكر 

2 مليون نحّال يواجهون شبح الحبس بحثا عن السكر في السوق السوداء

استخدام مبيد “تيمك” المحظور دوليا في مزارع الموز قتل النحل

300 جنيه ثمن كيلو العسل الخليجي لأنه يتربى على عُشبة التبر بدلا من البرسيم المصري

تحقيق: هيثم خيرى ما الذي يجري في خلايا النحل المصرية ويجعلها توشك على الانقراض؟ وما الذي جعل أسواق الخليج العربي التي كانت تستورد من مصر النحل بما يقارب ملياري جنيه سنويا تبدأ في التململ والاتجاه إلى مصادر أخرى للاستيراد؟

بينما تقرؤون هذه السطور، تأكدوا من أن مئات الأزواج من النحل قد ماتت، وحين تنتهوا من قراءة هذا التحقيق ستكون أعدادا أكبر قد نفقت بسبب نقص السكر وغياب التخطيط.

تواجه سلالة النحل المصرية الموت يوميا الآن.. هذه حقيقة لا مبالغة فيها، فأكثر من 10 من كبار المنتجين الذين استطلعت “الفلاح اليوم” آراءهم في هذا التحقيق دعمونا بالمعلومات والأرقام التي تؤكد نفوق ما بين 20% إلى 30% من إنتاجهم بالكامل.

أصحاب مناحل وبائعون وتجار جملة وتجزئة ومصدرون وتجار مستلزمات إنتاج المناحل ونجارون و”صنايعية” وعمال في المناحل، ومصنعو البرطمانات.. قائمة العاملين في هذه الصناعة تطول، ومن يعملون فيها بشكل مباشر يتراوحون بين مليون إلى مليون ونصف مواطن، يواجه معظمهم الإفلاس أو في أقل الأحوال أضرارا مادية فادحة، والسبب أن وزارة الزراعة لم تعد تدون أسماء “النحالين” في كشوف الجمعيات الزراعية لصرف كميات من السكر كما كان في السابق.

“الفلاح اليوم” اقتربت كثيرا من عالم النحالين ومنتجي العسل، وتعرض في هذا التحقيق المشاكل التي تواجه صناعة وإنتاج العسل وتربية النحل، كما تضع حلولا على لسان أصحاب الصناعة للخروج من الأزمة، والأهم الجدوى الاقتصادية من إنتاج المناحل، في حال اهتمام الدولة بها، والبدائل المتاحة لإطعام النحل عوضا عن السكر ولو بشكل مؤقت لحين انتهاء الأزمة.

سوق السوداء للسكر فجرت الأزمة

تمتلك محافظة المنوفية وحدها أكثر من 6 آلاف خلية نحل، ويعيش الكثير من أهالي قرية البتانون ومليج على العمل في مجال المناحل.

ريحان ميلجي، صاحب مناحل في قرية مليج، يؤكد حقيقة صادمة قائلا: “النحل مات من الجوع، من سوء حظنا أن أزمة السكر تزامنت مع فترة عدم إزهار البرتقال والبرسيم والزهور بصفة عامة.. ومن استطاع تخزين أطنان السكر اللازمة لتغذية النحل نجا بخلاياه، ومن فشل في التخزين مات نحله”.

يتداول النحالون في مصر، على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات وبعض ممن تحدث “الفلاح اليوم” معهم، أخبار السكر أولا بأول، وأدى النقص الشديد فيه إلى خلق سوق سوداء بينهم، حيث أصبح يباع بكميات بين 50 كجم إلى 200 كجم في الخفاء إن وجد، بعيدا عن أعين الشرطة ومسئولي وزارة التموين، حيث تعرض بعضهم للحبس خلال الأسابيع الماضية.

ويملك ريحان مليجي أكثر من 1000 خلية نحل، مات منها 600 خلية وأصبحت خاوية تماما بسبب نقص السكر، ومع عدم توافر بدائل للسكر وعدم اهتمام الحكومة بالنحالين أصبح يواجه خطر القضاء على تجارته وإنتاجه بالكامل خلال عدة أسابيع، منذ مارس الماضي إلى الآن.

مزارع الموز وراء تدمير صناعة النحل والعسل

لجأ مليجي إلى حيلة غريبة، حيث توجه بخلايا النحل إلى مزارع الموز في مدينة السادات كما كان يفعل في مواسم سابقة، وبعد أن أطلق النحل هناك اكتشف أن المزارعين يخلطون مادة “التيمك” مع مياه الري لقتل دودة النيماتودة في الأراضي والحشرات والآفات، وبعد عدة أيام من إطلاق النحل واستنشاق الزهور في حقول الموز تبين لمليجي أنها تنزل ميتة على الأرض، وحين فهم السبب كانت خلاياه قد تعرضت للتدمير.

ومن المعروف أن مبيد “تيميك” شديد السمية ومحظور دوليا، حيث أصدر وزير الزراعة الأسبق يوسف والي قرارا في عام 1996 بحظر استيراد وتداول مبيد التيمك شديد السمية للإنسان وشديد المكوث في التربة، فضلا عن تأثيره الضار بالمياه الجوفية إذا تسلل إلى داخل التربة. كما حظر القرار 719 لسنة 2005 “تجريب أو استيراد أو تداول أو استخدام أو تجهيز المبيدات سواء كانت مواد خام أو مستحضرات تجارية في أية صورة” لـ 47 مبيد زراعي من بينها التيمك، الذي ثبت أنه يسبب الأمراض السرطانية.

سامي رياض، أحد منتجي خلايا النحل ويقوم بتصديرها إلى دول الخليج، يؤكد أن المنتجين أوشكوا على تصدير النحل عقب يناير المقبل إلى الخارج، وهم الآن بحاجة شديدة إلى السكر اللازم لإطعام النحل لحين بدء التزهير، ومن المتوقع انخفاض صادرات مصر من النحل إلى الكويت والإمارات وعمان ومعظم دول الخليج بنسبة كبيرة ستعود بالخسارة على مصر بملايين الدولارات.

2 مليار جنيه استثمارات صناعة النحل والعسل تغرق

ويشرح سامي رياض الأمر أكثر قائلا أن معظم النحالين يتجهون إلى مزارع الموالح في الربيع، وإلى الأراضي المزروعة بالبرسيم بداية من شهر مايو، ويلجؤون إلى السكر بعد موسم القطن مباشرة، في أكتوبر من كل عام. وأضاف: نستهلك سكر بكميات كبيرة في هذا التوقيت وخلال فصل الشتاء حيث نقوم بتغطية الخلايا لفترة طويلة حتى لا تموت اليرقات الصغيرة، ويتم مد النحل بالسكر من المغذيات كل 15 يوما تقريبا يتم مده بـ “غذوة”، حتى يبدأ موسم الزهور ويتجدد الشجر والزهور ونعيد إطلاق أسراب النحل في المزارع.

ويتابع أن أكثر من ملياري جنيه استثمارات في هذا المجال تموت الآن بسبب تافه وهو نقص السكر، رغم ما يتميز به النحل المصري من قوة تحمل مقارنة بالنحل في الدول الأوروبية ودول الخليج، وما تتميز به صفات النحل المصري من إنتاج جيد وسهولة في التربية، ما جعل دول الخليج تقبل على النحل المصري وتربيته في مناحلها.

أما الاختلافات الكبيرة بين جودة العسل الخليجي الجبلي والمصري فتكمن ـ بحسب كلام سامي رياض ـ في أن المربي السعودي أو الخليجي يقوم بإطلاق النحل في حقول مزروعة بعشبة التبر، لذا يباع كيلو العسل الخليجي بـ 300 جنيه، بينما نغذي النحل المصري في مزارع البرسيم والموز والموالح وعباد الشمس والقطن.. وبالمناسبة فالقطن المصري لم يعد يجدي أبدا في تغذية أو تربية النحل لأنه فقد جودته وصفاته.

ويحتل المنحل الواحد مساحة قيراط، وتبلغ سعته 150 خلية نحل، ومن المفترض أن تتراوح المسافة بين المنحل والآخر 2 كم، ويتوجه الكثير من فلاحي المنوفية والدلتا إلى كفر الشيخ والبحيرة، حيث يتفق المربي مع المزارع صاحب الأرض على إطلاق نحله في الأرض مقابل مبلغ نقدي هو جزء من مكسب المربي أو مقابل إعطاء المزارع نسبة من الإنتاج وهو العسل والشمع، وفي الوقت الذي تزهر فيه حدائق الموالح يتوجه الكثير من مربي النحل إلى مراكز بدر والنوبارية الجديدة ووادي النطرون ومناطق جبلية أخرى بحثا عن حدائق البرتقال.

منظومة تصدير النحل والعسل

يقول محمد فرج جودت، صاحب مناحل، إن منظومة إنتاج العسل في الخليج والدول الأوروبية مختلفة تماما عن مصر، حيث يعاملونها مثل الثروة الحيوانية والداجنة، بينما الحكومة المصرية لا تدعم المنتجين رغم أنهم يصدرون النحل والعسل بالدولار.

وحول كيفية تصدير النحل للخارج، يفيد فرج جودت بأن كل خليتين نحل يشكلان طرد واحد، ويباع الطرد الواحد بسعر 160 جنيه، فضلا عن مكاسب العسل، ويتم شحنها عبر الطيران ويحقق مكاسب للمربي تقدر بـ 30% أما المصدر فيحصل على صافي ربح بنحو 20% وتحقق الدولة مكاسب عبر الشحن والضرائب ودخول العملة الصعبة للبلاد.

ويدخل العسل في صناعة الأدوية وكريمات البشرة وعلاجات القلب والشعر، كما يستخدم غذاء ملكات النحل وحبوب اللقاح من مشتقات تربية النحل كأدوية، بعضها يتم إنتاجه محليا والنسبة الأكبر تذهب في التصدير.

ويصف فرج جودت حال مناحله الآن قائلا: بأمانة الله مات ثلث إنتاجي تقريبا أمام عيني وأنا عاجر عن توفير الغذاء له.

بدائل السكر لتغذية النحل

لا يكف هاتف هاني مينا، صاحب شركة لبيع مستلزمات النحل، عن مهاتفته ليل ونهار بحثا عن مصادر أخرى لتغذية النحل بدلا من السكر، حيث استورد هو  غيره من أصحاب الشركات ومحلات بيع مستلزمات النحل “عجينة” يمكن للمنتجين الاستعاضة بها عن السكر مؤقتا وفقا له. ويقول هاني مينا إن التغذية الجافة عبارة عن عجائن يتم وضعها في الخلية وتجعله يأكل لفترة بين 25 يوما إلى 30 يوم، وكانت تباع في الماضي بـ 8 جنيه والآن أصبحت تباع بـ 12 جنيها، وهذا البديل آمن وصحي والكثير من الدول الأوروبية تعمل به.

على شبكات التواصل الاجتماعي لا سيرة لأصحاب المناحل والمنتجين إلا البحث عن بدائل للسكر، مثل التغذية على العسل الأسود وسكر الفركتوز ومصاصة القصب والتغذية الجافة وغيرها من الوسائل.

إهمال مربى النحل

الغريب بالنسبة لهاني مينا أن الحكومة لا تتعامل مع النحل على أنه ثروة مثل الثروة السمكية والداجنة يجب الانتباه لها، وبحسب تعبيره فهي “لا تسأل في المربين” والنحال مظلوم في كل مستلزمات الإنتاج وفي عدم التفات المراكز البحثية له، ففي الخارج إذا مرضت خلية نحل يتصل المربي بمسئول المجلس المحلي الذي يأتي على الفور ويقوم بعمل حفرة ويحرق النحل المريض حتى لا ينتقل إلى خلايا أخرى، ويتم تعويض المربي، أما في مصر فالنحال أصبح يزج به إلى الحبس بسبب شيكارة سكر.

يصدّر هاني مينا إلى لبنان مستلزمات الإنتاج والنحل أيضا، ويقول إن هذه الدولة الصغيرة تعرف قيمة النحل وتهتم به وبإكثاره، حيث تمنح وزارة الزراعة اللبنانية الدواء رخيصا للمنتجين، ولديها شبكة تواصل مع جميع المربين بلا استثناء وتقدم لهم النصح والمشورة والإرشاد أولا بأول، وتتابع أحوال المناحل حتى تحافظ على الصناعة، أما وزارة الزراعة المصرية فلا تعترف بوجودنا.

دراسة عن صناعة النحل والعسل

محمد هجرس، أحد كبار المنتجين في مجال المناحل في المنوفية، قدم مؤخرا دراسة لوزير الزراعة ويأمل في أن تلتفت الوزارة إلى المنتجين، ويعرف حقائق كثيرة عن هذه الصناعة.

يقول هجرس إن نحو 20% من النحالين يعملون لإنتاج العسل أما النسبة الغالبة فتعمل في إكثار النحل وتصديره للخارج، مؤكدا في الوقت نفسه أن صناعة النحل تم تدميرها منذ سنوات، ولا يوجد لدى المستهلكين قوة شرائية لشراء العسل، حيث يبلغ متوسط استهلاك الفرد من عسل النحل ربع كيلو سنويا، بينما في الخليج يزيد عن 5 كجم سنويا، وهذا ما دعانا للاتجاه مبكرا إلى التصدير للخارج، وتحديدا إلى الخليج الذي أصبح يستورد النحل المصري بدلا من الاسترالي غالي الثمن منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، حتى أصبح لدينا صناعة يدخل فيها الكثير من الشباب، لكن الوضع الآن تدهور حتى إن معظم المربين يصفون تجارتهم ويبيعون المناحل.

 الحلول بسيطة ويطرحها محمد هجرس لإعادة إنعاش الصناعة، وتتلخص في حلول عاجلة بتوفير 2 مليون كيلو سكر شهريا لـ 2 مليون خلية نحل في مصر، وتوزيعها عبر منافذ وزارة الزراعة والجمعيات الزراعية أسوة بما يحدث في الماضي. مضيفا أن المنتجين توجهوا من قبل للشركة القابضة للصناعات الغذائية، فطلب المسئولون هناك منحهم أوراق تفيد بأنهم منتجين من وزارة الزراعة، ولما توجهوا إلى الزراعة التقى بهم مسئولو الإرشاد الزراعي ووعدوهم بتقديم طلب بهذا الأمر لوزير الزراعة، وحتى الآن لم يلمسوا أي نتائج.

ووفقا لدراسة محمد هجرس التي تقدم بها لوزير الزراعة، تأتي في مقدمة مشاكل قطاع تربية النحل المصري عدم توافر ملكات من سلالات جيدة ومنتجة، وعدم توافر العلاجات الأصلية لأمراض النحل المختلفة، ونقص برامج التدريب واعتماد النحالين العاملين في هذا المجال، وضعف المواصفات المصرية للعسل وعدم وجود مواصفات للطرود ومنتجات النحل الأخرى، وعدم وجود نظام لتسجيل الخلايا ومتابعتها والتفتيش عليها من قبل وزارة الزراعة، وعدم تفعيل قانون الحجر الصحي ورقابة الصادرات المصرية على الطرود والعسل، مع عدم دعم الصادرات، وتوفير برامج تمويل للنحالين لتحديث معداتهم وخلايات وتوسيع إنشطتهم، والتقاعس عن فتح أسواق عالمية جديدة للنحل المصري، والاعتماد فقط على التصدير للخليج بأسعار متدنية، والأهم عدم تسويق الاستثمار في مجال تربية النحل وإنتاج الملكات، وعدم وجود كيان منظمة قوي يتحدث باسم النحالين.

علم وراثة النحل

في هذا السياق، يطالب هجرس بأن تتبنى وزارة الزراعة برامج استنباط وتهجين سلالات جديدة منتجة وتوزيعها على النحالين، بالتعاون مع جهات حكومية بألمانيا أو الدنمارك أكبر الدول في إنتاج السلالات الجديدة وعلم الوراثه للنحل، تفعيل دور المناطق المعزولة وإعادة هيكلتها، لتؤدي لإمداد النحالين بملكات مختبرة ومتحكم في تلقيحها، وممكن أن يتم تطوير هذه المحطات لتعمل في التصدير، فأسعار الملكات الملقحة في جزر أو مناطق معزولة يفوق الملكات الملقحة في أماكن مفتوحة بعشر أضعاف السعر، فيجب استثمار هذه المناطق في مد السوق بملكات وأيضا التخطيط للتصدير منها.

كما يدعو محمد هجرس لتعديل قانون منع استيراد الملكات وصياغة قانون جديد يقنن من استيرادها ويكون تحت رقابة واعتماد وزارة الزراعة من موردين معتمدين بعد زيارتهم واعتمادهم من قبل وزارة الزراعة، والعمل على صياغة قانون يحد من عشوائية إنشاء محطات لتربية الملكات، وأن يحدد القانون الشروط اللازمة لإصدار تراخيص المحطة لتربية الملكات، لأن الملكات أخطر شيء في منظومة النحل ويضع العقوبات الرادعة لمن ينشئ محطة بدون ترخيص، لأن إنتاج ملكات رديئة بعشوائية يدمر هذة الثروة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *