آخر الأخبار
الرئيسية / تقارير / أسامة بدير يكتب: المرأة الريفية بين التهميش والتمكين

أسامة بدير يكتب: المرأة الريفية بين التهميش والتمكين

لقد خلقنا الله مختلفين.. ليس فقط فى أعمارنا وخبراتنا وتعليمنا وجنسنا، وهى اختلافات تؤثر فى سلوكنا بشكل واضح، والباطن يشير إلى أننا مختلفون فى قدراتنا العقلية وطريقة فهمنا وإدراكنا للأمور، وطريقة تعلمنا وإكتسابنا للقدرات والمهارات، وفى الاتجاهات النفسية، وفى تفضيل الأشياء، وأن هذه الاختلافات توضح كيف أن سلوكنا مختلف عن بعضنا البعض، وعلينا أن نستفيد من هذه الاختلافات فى إدارة الموارد البشرية لتنمية المجتمع.

المرأة الريفية
المرأة الريفية

لقد كانت نظرية الاستثمار البشرى فى مجال الاقتصاد ومفاهيمها أكثر عمقا للأفراد، فتحولت إدارة الأفراد إلى إدارة للموارد البشرية أسوة بالموارد الأخرى مثل الموارد المائية، ومن هنا كان من الضرورى تبنى وجهات نظر جديدة تجاه الموارد البشرية تختلف عن وجهات النظر التقليدية، والتى لم تدرك الأهمية الحقيقية والدور الأساسى الذى تلعبه الموارد البشرية فى إنجاح سياسات التنمية بصفة عامة. وإن لم تتم إدارة الموارد البشرية بكفاءة عالية فإنها تُعد من أهم التحديات والعوائق الداخلية التى تقف حائلا أمام عملية التنمية.

وبما أن الجماعات الإنسانية تتسم بالتفاعل الديناميكى بين أعضائها إضافة إلى وجود هدف مشترك، فلابد أن يكون لدى الأعضاء الإدراك بالاعتماد المتبادل بينهم لإنجاز أهدافهم، وكذلك الاعتماد المتبادل فى المسئولية الاجتماعية تجاه بعضهم البعض وكذلك تجاه مجتمعهم الذى يعيشون فيه.

الشاهد أن الإفقار والتهميش للنوع الاجتماعى فى مجتمعنا هو محصلة لإنعكاسات تطبيق سياسات اقتصاد السوق، وتفاعلها مع بعض، ومع ميراث السياسات السابقة عليه. إذ يمثل الإفقار والتهميش أبرز ملامح المجتمع فى العقد الأخير من القرن العشرين، وزادت حدتهما فى العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وفى ذات الوقت هما أصل الغالبية العظمى من المشاكل التى يعانى منها المجتمع سواء فى المجال الاقتصادى أو الاجتماعى وحتى السياسى.

من الملاحظ أنه نتيجة لتقاطع العوامل الوطنية والطبقية مع عامل النوع الاجتماعي صارت النساء من الفئات الشعبية فريسة للتمييز ضدهن، خاصة عندما تسود المجتمع قيم وعلاقات تؤسس نبرتها ضد النساء. وكان من المنطقي أن تعانين من النصيب الأكبر من تدهور الأوضاع المعيشية لهن.

ولما كانت مصادر الثروة الطبيعية والمادية تمثل قاعدة الانطلاق فى أى عملية تنموية، إلا أن العنصر البشرى ممثلا فى الخبرات والمهارات والكفاءات والقدرات الإنسانية يمثل قوة الدفع الحقيقية لعملية التنمية، ومن هنا ظهر الإتجاه الحديث فى التنمية والذى يركز على ضرورة الإهتمام بتنمية الموارد البشرية كمدخل للتنمية الحقيقية، وذلك من منطلق أن الإنسان هو غاية عملية التنمية، وفى نفس الوقت هو وسيلتها لذلك فإنه لايمكن بحال من الأحوال إغفال الدور الذى يمكن أن تلعبه المرأة بوصفها تمثل نصف القوى العاملة البشرية المتاحة فى عملية التنمية.

بالرغم من تعرض المرأة الريفية إلى ظلم مجتمعى متعنت طوال تاريخها ساعد فى هذا الظلم إعتبارات اجتماعية وعادات وتقاليد سائدة، إلا أن هذه المرأة أدت ومازالت تؤدى دورها فى تحمل المسئوليات الجسام بشجاعة وصبر منقطع النظير، ولذا يجب أن تتجة خطط التنمية الريفية نحو العمل على رفع مستوى المرأة الريفية وتطويرها ومعاونتها فى تنمية قدراتها وإمكانياتها كى تستطيع أن تقوم بمسئوليتها بالنسبة لأسرتها وعملها ومجتمعها الريفى بشكل عام. كنتيجة طبيعية للأدوار المتعددة التى تمارسها المرأة الريفية فى حياة أسرتها وبالتالى مجتمعها، فإن إدماج المرأة فى جهود التنمية الريفية وتعزيز فرص نجاحها فى أداء أدوارها سيكون حتما مضاعفا لقوة المجتمع وإستخداما أكفأ لقواه البشرية، وإستكمالا لشمول التنمية وتوازن إهتمامها فإن إستنهاض الجهود التنموية للمرأة الريفية يعنى أن مفاهيم مشاركة أفراد المجتمع ستصبح جزءا من النسيج الثقافى لأبناء القرية، وذلك من خلال ما ستنقله إليهم الأم أثناء تربيتهم وتنشئتهم، وهو ما يضمن استمرار عوائد التنمية المتواصلة والمستدامة للمجتمع كله.

تشير الكثير من الدراسات إلى أنه على الرغم من ضخامة الأدوار التى تقوم بها المرأة الريفية فى البيت والمزرعة وتعاونها مع الرجل فى شتى مظاهر الانتاج بالقرية، إلا أن دورها فى الشئون العامة بالقرية يكاد يكون معدوما، حيث أن شكل وطبيعة البناء الاجتماعى الثقافى بالقرية المصرية لا يزال يحول دون إضطلاع المرأة الريفية بدور نشط فى الشئون العامة على إعتبار أن ذلك لايخصها ولايعنيها، حيث أن الشئون العامة من اختصاص الرجال، كما تقتضى بذلك توقعات الدور الإجتماعى وقواعد تقسيم العمل بين الجنسين فى الثقافة الريفية.

لذلك أصبح من الضرورى خلق الظروف المواتية لتطلع المرأة بدورها، كما يجب العمل على إزالة المعوقات التى تحول دون تحقيق دورها، أو تحد من قدراتها على أداء هذا الدور، حيث أن هناك معوقات كبيرة تواجه قيام المرأة الريفية بهذا الدور مثل:-
1- إرتفاع مستوى الأمية، والتى ترتب عليها انخفاض القدرة على إكتساب المهارات التى تساعد على إكتساب التكنولوجيا الحديثة.
2- رفض الزوج مشاركة الزوجة فى برامج التنمية.
3- تقاليد المجتمع التى لا تسمح بمشاركة المرأة الريفية فى البرامج التنموية.
4- عدم توافر المهارات اللازمة للمشاركة فى الأنشطة.
5- صعوبة التوفيق بين العمل بالمنزل والخروج للمشاركة، ورفض قيادات المشروعات مشاركة المرأة الريفية.

وفي دراسة للبنك الدولي عام 2000 بعنوان تقييم النوع الاجتماعي في مصر،,‏ أراد فريق العمل إلقاء الضوء علي الفروق الفاصلة بين حال الرجل وحال المرأة في المجالات المختلفة،‏ ظهر بوضوح هذا الميل العام لتكدس النساء في أقل القطاعات حظا ودخلا وحقوقا،‏ فبالرغم من إرتفاع نسبة مشاركة المرأة المصرية في سوق العمل إلى 22% من قوة العمل وتضاعفها عما كانت عليه‏،‏ إلا أنها تستمر ضعيفة بالمقارنة بالعدد الكلي للإناث في الإحصاء العام‏،‏ كما تستمر غير متوازنة في توزيعها بين الريف والحضر وكذلك بين القطاعات الاقتصادية المختلفة،‏ وبالتالي تستمر المرأة تحصل علي النصيب الأصغر من الأجور والدخول التي تسمح لها بمواجهة أعبائها الأسرية المتزايدة‏.‏

تؤكد الدراسة أيضا، أنه من غير المتوقع أن تتلاشي حالة عدم التوازن هذه في التوزيع علي القطاعات‏‏ في الفترة القريبة القادمة،‏ أو حتي في الفترة ما بعد القريبة،‏ ذلك لأن سوق العمل المصرية في حالة عدم ثبات أو بمعنى أنه في حالة تغير وحركة بسبب التغيرات الهيكلية التي تجري الأن علي الاقتصاد المصري‏،‏ فالقطاع العام‏ أحد القطاعات الاقتصادية الصديقة للمرأة‏،‏ في حالة إنكماش فاسحا مكانه للقطاع الخاص الذي يتعامل مع المرأة بريبة وبحرص شديدين‏.‏

إن الأدوار المتعددة للمرأة كعاملة ومستهلكة أو مدخرة وكذلك هشاشة وضعها فى الاقتصاد الوطنى بوجه عام، وفي سوق العمل بوجه خاص يعد من أهم الأسباب التي ربما تؤثر بشكل كلى أو جزئى على تدعيم الأسرة فى ظل أزمات مالية عالمية سابقة كانت تداعياتها عليهن ثلاثة أضعاف تداعياتها علي الرجال‏، حيث بلغت نسبة البطالة بينهن نحو52%.‏

إذا كانت البطالة ستصيب المرأة المصرية في سوق العمل فإن البطالة النسائية سوف ترتفع بشكل واضح في العالم كما أعلنت مؤخرا منظمة العمل الدولية،‏ موضحة أن البطالة ستصل إلي أكثر من ‏214‏ مليون شخص بعد أن كانت ‏190‏ مليون معظمهم من النساء نتيجة ضعف وضع النساء الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في العالم كله، وسوف تعاني منها بشكل خاص النساء المصريات أصحاب المؤهلات المتوسطة لأن غالبيتهن يعملن بعقود عمل مؤقتة ونسبتهن تصل إلي 24%‏، وأن‏ %47‏ من النساء يعملن في الحكومة،‏ وبالتالي إذا تأثرت الميزانية العامة للدولة فإنها سوف تلقي بتداعياتها علي هذه الفئة‏.‏

إن نسبة الريفيين الذين تسجلهم البيانات والتي تشير إلي أن المرأة العاملة تمثل فيها كما كبيرا‏، لا تغطي بشكل كامل أو حتي جزئي واقع المرأة الريفية في مصر،‏ فالإحصاء العام أو حتي المسوح العادية لسوق العمل المصرية تتبع المعايير التقليدية في التعامل مع المرأة الريفية‏،‏ فهي لا تحتسب إلا العاملات مقابل الأجر الثابت في الزراعة أو في الخدمات أو في الصناعة،‏ ولا تدخل في معاييرها الريفيات العاملات في الزراعة العائلية الصغيرة أو في الزراعات الأخري المسماة بالزراعة للإستهلاك أو تلك المنخرطات في القطاع غير الرسمي أو العاملات الريفيات بدون أجر،‏ وعندما تسقط هذه المعايير العمالة النسائية المهمة هذه فإنها تسقط الإعتراف بدورها في الإقتصاد الزراعي وكذلك تسقط حقوقها علي المجتمع الذي تعيش فيه‏.‏

عندما نشير إلي الصعوبات التي تواجه عمل المرأة الأن وفي المستقبل القريب فإن القطاع الخاص كقطاع واسع التركيب‏,‏ يضم نسبة ‏56,5‏% من مجمل عدد العاملات في مصر‏،‏ لكن الخطورة أن 62%‏ من هذه النسبة تعمل في القطاع الخاص غير الرسمي أي القطاع الخاص العامل خارج الإطار القانوني أو المؤسسي،‏ أي القطاع الذي لا يقدم للمرأة الحقوق المكفولة لها في قوانين العمل المختلفة بدءا من الأجر والأجازات وساعات العمل إلي عضوية النقابات إلي الحقوق التأمينية المتعارف عليها،‏ والأكثر خطورة أن التوزيع الجغرافي للنساء العاملات في القطاع غير الرسمي يميل بكل الثقل نحو الريف والمناطق الزراعية‏ بنسبة 74,8% من إجمالى عدد العاملات فى مصر، حيث تتعاظم الأمية وتتجسد المشاكل الاجتماعية الأخري‏.‏

للمرأة الريفية إسهامات كثيرة ومتعددة في الانتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني من خلال ممارستها الفعلية للعمل المزرعي أو من خلال مساهمتها بالرأي في اتخاذ القرارات المزرعية بالإضافة إلى ذلك فهي تقوم بتربية الحيوانات الزراعية الصغيرة والدواجن، وتختلف مشاركة المرأة باختلاف العمليات الزراعية، حيث تنخفض مشاركتها في بعض العمليات الزراعية التي تتطلب مجهود عضلي كبير أو تدريب فني عالي.

وكشفت الدراسة العلمية التى أعدها قسم بحوث المرأة الريفية بمعهد بحوث الإرشاد الزراعى والتنمية الريفية التابع لمركز البحوث الزراعية عام 2009، عن تنمية المرأة الريفية وإكسابها مهارات علمية في إدارة المشروعات الصغيرة ودورها في العمل الزراعي بمحافظات الشرقية والدقهلية والمنيا وبني سويف أن أهم العمليات التي تساهم فيها المرأة الريفية بالوجه البحري (الشرقية وبنى سويف) هي عمليات الزراعة والترقيع وتنقية الحشائش والدراس والتذرية، حيث بلغت نسبة مساهمة النساء في عملية الزراعة والترقيع بمحافظة الشرقية نحو 32.2% ، كما بلغت نسبة مساهمتهن في عملية الدراس والتذرية نحو 45%، وفي عملية تنقية الحشائش نحو 6.6%، أما في محافظة الدقهلية فبلغت مساهمة النساء في عملية الزراعة والترقيع، والدراس والتذرية نحو 83%، 65,2%، كما بينت نتائج الدراسة تدني نسبة مساهمة النساء في الوجه القبلي (المنيا وبنى سويف) حيث اقتصرت مساهمة النساء في عملية تنقية الحشائش فقط وكانت مساهمتهن في محافظة المنيا في عملية تنقية الحشائش نحو 7,5%، بينما بلغت مساهمتهن في محافظة بني سويف 9,9%.

بدراسة مشاركة المرأة في المشروعات الصغيرة سواء المشروعات الخدمية أو التجارية أو المشروعات المختلفة اتضح أن مشاركة المرأة بلغت أقصاها في مشروعات السجاد والتريكو حيث بلغت حوالي 62.1% من إجمالي المشروعات في حين بلغت أدناها في مشروعات الأخشاب والأثاث بمقدار 12,8% من هذه المشروعات، وتبين أنه على الرغم من اختلاف مشاركة المرأة الريفية في المشروعات الصغيرة من مجال لآخر إلا أنها لا زالت مشاركة متدنية بالمقارنة بمشاركة الرجال.

وأخيرا إذا ما أردنا إحداث تنمية ريفية حقيقية فالبداية لابد وأن تكون مع المرأة الريفية التى تمثل شريك أساسى وفاعل فى كل برامج ومشروعات التنمية، بل ومكون رئيسى قادر على تحقيق معدلات نمو سريعة ومتزنة جنبا إلى جنب بجوار الرجل فى كل قطاعات الاقتصاد الوطنى خاصة القطاع الزراعى إذا ما تم تهيئة ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية التى تمكنها من أداء عملها بكفاءة.

على هذا الأساس فالقاعدة حتما فى النهوض والارتقاء بأوضاع المرأة الريفية حيث ينبغى العمل على القضاء علي أميتها‏، وتحسين ظروف العمل المحيطة بها خاصة في الزراعة، والسماح لها بالحصول علي القروض، والعمل على تنمية مهاراتها في الزراعة، وتخفيف حدة فقرها، وإدماجها في مسارات صنع القرار، والحد من كل أنواع التلوث في البيئة الريفية التى تضر بصحتها بشكل خطير‏، وتوفير الرعاية الصحية الجيدة فى الوقت والمكان المناسبين، والتأكيد على ضرورة ضمان حصولها على دخل مادى عادل يتفق مع الجهد الذى تبذله.‏

للتواصل مع الكاتب
usamabedir@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *