الغذاء الآمن يبدأ من الحقل: لا هرمونات مسرطنة في البطيخ والطماطم.. والخطر الحقيقي في متبقيات المبيدات
روابط سريعة :-

بقلم: أ.د.خالد فتحي سالم
أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات
شائعات موسمية تتكرر كل عام وتثير مخاوف المستهلكين: الوعي العلمي والرقابة الصارمة هما الضمانة الحقيقية لسلامة الغذاء
مع بداية كل موسم صيف، وظهور البطيخ والطماطم والمشمش والعنب بكميات كبيرة في الأسواق، تعود إلى الواجهة موجة من الشائعات التي تنتشر بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المختلفة، محملة برسائل تحذيرية ومقاطع فيديو وصور يدّعي أصحابها أن بعض المحاصيل الزراعية يتم رشها بهرمونات مسرطنة تؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة، وعلى رأسها السرطان.
وتلقى هذه الرسائل رواجاً واسعاً بين المواطنين، خاصة في ظل تنامي الاهتمام بقضايا الصحة والغذاء، فيتداولها الآلاف دون التحقق من صحتها أو الرجوع إلى المصادر العلمية المتخصصة. وبين الخوف المشروع على صحة الأسر وبين سيل المعلومات غير الموثقة، يجد المستهلك نفسه أمام حالة من الارتباك تدفعه أحياناً إلى مقاطعة بعض المنتجات الزراعية أو التشكيك في سلامة ما يتناوله يومياً.
إلا أننا كباحثين في علوم النبات والإنتاج الزراعي نؤكد أن هذه المزاعم المتكررة لا تستند في أغلبها إلى أدلة علمية حقيقية، وأن الحديث عن استخدام هرمونات مسرطنة في البطيخ والطماطم وغيرها من المحاصيل بهذا الشكل الواسع يدخل في إطار الشائعات التي تتجدد موسماً بعد آخر.
وأن القضية التي تستحق اهتمام الرأي العام ليست الهرمونات المزعومة، بل الاستخدام الخاطئ للمبيدات الزراعية وعدم الالتزام بالمعايير الفنية المنظمة لعمليات الرش والحصاد والتسويق وفترة عمر النصف لكل مبيد يُستخدم في مكافحة الآفات.
شائعة تتكرر كل موسم
خلال السنوات الأخيرة أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الأول للمعلومات لدى شريحة واسعة من المواطنين، لكن هذا الواقع صاحبه انتشار كبير للمعلومات المضللة والشائعات، خصوصاً فيما يتعلق بالصحة والغذاء.
فمع ظهور ثمار كبيرة الحجم أو ذات شكل غير معتاد، تبدأ التعليقات التي تربط مباشرة بين هذه الظواهر واستخدام مواد كيميائية مجهولة أو هرمونات خطيرة. وسرعان ما تنتشر هذه الادعاءات على نطاق واسع، لتتحول خلال أيام قليلة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان البعض.
وأن تكرار هذه الشائعات يعود إلى غياب الثقافة العلمية لدى قطاع من الجمهور، إضافة إلى الميل الطبيعي لتصديق المعلومات المثيرة للقلق والخوف، خاصة عندما ترتبط بصحة الإنسان وأسرته.
وأن أي ادعاء يتعلق بوجود مواد مسرطنة في الغذاء يجب أن يستند إلى دراسات علمية موثقة وتحاليل معملية معتمدة، وليس إلى صور متداولة أو تجارب شخصية أو استنتاجات غير مبنية على أسس علمية.
ما هي الهرمونات النباتية؟
الهرمونات النباتية ليست مواد سحرية أو مجهولة كما يعتقد البعض، وإنما مركبات طبيعية أو مشابهة للمركبات الطبيعية توجد في النباتات وتلعب دوراً أساسياً في تنظيم عمليات النمو والتزهير والإثمار.
وتستخدم بعض هذه المواد في تطبيقات زراعية محددة ووفق ضوابط علمية دقيقة لتحقيق أهداف معينة، مثل تحسين عقد الثمار أو الحد من تساقط الأزهار أو تنظيم النمو في بعض المحاصيل.
لكن الربط التلقائي بين استخدام هذه المواد وبين الإصابة بالسرطان لدى الإنسان لا يستند إلى حقائق علمية مثبتة، وأن تداول مثل هذه المعلومات دون أدلة يساهم في نشر الذعر وإرباك الأسواق الزراعية.
وأن الجهات المختصة تراقب المواد المستخدمة في القطاع الزراعي، ولا يتم السماح بتداول أي مادة أو تسجيلها إلا بعد المرور بإجراءات تقييم وفحص دقيقة وفق القواعد المعتمدة.
أين يكمن الخطر الحقيقي؟
في المقابل، نجد أن الملف الذي يستحق التركيز والمتابعة هو ملف المبيدات الزراعية.
فالمبيدات تعد جزءاً أساسياً من منظومة الإنتاج الزراعي الحديثة في مختلف دول العالم، إذ تستخدم لمكافحة الحشرات والأمراض الفطرية والبكتيرية والفيروسية والحشائش التي تهدد المحاصيل الزراعية.
ويواجه المزارعون سنوياً تحديات كبيرة نتيجة انتشار الآفات الزراعية التي قد تتسبب في خسائر اقتصادية ضخمة إذا لم تتم مكافحتها بالوسائل المناسبة.
ومن دون برامج مكافحة فعالة قد يفقد المزارع نسبة كبيرة من إنتاجه، وهو ما ينعكس على حجم المعروض في الأسواق وأسعار المنتجات الزراعية ومستوى الأمن الغذائي بشكل عام.
ولهذا فإن استخدام المبيدات ليس أمراً استثنائياً أو غير طبيعي، بل يعد جزءاً من الممارسات الزراعية المتبعة عالمياً، لكن الفيصل الحقيقي يكمن في طريقة الاستخدام ومدى الالتزام بالتوصيات الفنية المعتمدة.
المبيد ليس المشكلة
أن المشكلة لا تكمن في المبيد ذاته، وإنما في سوء الاستخدام.
فلكل مبيد جرعات محددة يجب الالتزام بها، كما أن لكل مادة فعالة تعليمات خاصة بطرق الرش وعدد المعاملات المسموح بها خلال الموسم الزراعي.
وعندما يلتزم المزارع بهذه التعليمات تكون المخاطر محدودة وتبقى ضمن الحدود الآمنة التي حددتها الجهات الرقابية والعلمية المختصة.
أما في حال الإفراط في الجرعات أو تكرار الرش بصورة غير مدروسة أو استخدام مبيدات غير معتمدة، فإن احتمالات حدوث مشكلات صحية وبيئية ترتفع بشكل ملحوظ.
وأن الوعي الزراعي والالتزام بالتوصيات الفنية يمثلان حجر الأساس في حماية المستهلك والحفاظ على البيئة وضمان جودة المنتجات الزراعية.
فترة الأمان.. كلمة السر
من أكثر المصطلحات أهمية في مجال سلامة الغذاء ما يعرف بفترة الأمان، أو عمر النصف.
ويقصد بها المدة الزمنية التي يجب أن تنقضي بين آخر عملية رش بالمبيد وبين حصاد المحصول أو طرحه للبيع للمستهلك.
وتسمح هذه الفترة بتحلل بقايا المبيد تدريجياً وانخفاضها إلى مستويات آمنة لا تمثل خطراً على صحة الإنسان.
وأن الالتزام بفترة الأمان يعد أحد أهم المعايير العالمية لضمان سلامة المنتجات الزراعية.
فحتى المبيدات المصرح بها والمسجلة رسمياً قد تتحول إلى مصدر خطر إذا تم تجاهل هذه الفترة أو تقصيرها.
ولهذا توضع تعليمات واضحة بشأن مدة الأمان الخاصة بكل مبيد وكل محصول، ويجب الالتزام بها بدقة.
عندما يتغلب الربح على الالتزام
ورغم وضوح التعليمات الفنية، فإن بعض المنتجين قد يقعون في أخطاء تتعلق بعدم الالتزام بفترة الأمان.
ويحدث ذلك أحياناً تحت ضغط الأسواق أو الخوف من الخسائر الاقتصادية أو الرغبة في تحقيق أرباح سريعة قبل انخفاض الأسعار.
وفي مثل هذه الحالات قد يتم حصاد المحصول وتسويقه قبل اكتمال فترة التحلل المطلوبة، ما يزيد من احتمالات وجود متبقيات مرتفعة من المبيدات.
وأن هذه الممارسات الفردية هي التي تستوجب الرقابة والمحاسبة، لأنها تمثل خطراً حقيقياً على سلامة الغذاء، بخلاف الشائعات المتعلقة بالهرمونات المسرطنة التي تفتقر في معظم الأحيان إلى الأدلة العلمية.
هل جميع المبيدات مسرطنة؟
ليست كل المبيدات مسرطنة، والإجابة بالنفي القاطع.
فالمبيدات ليست جميعها على درجة واحدة من الخطورة، كما أن تسجيل أي مبيد يتم بعد سلسلة طويلة من الاختبارات العلمية والتقييمات الفنية.
وتخضع المواد المستخدمة في الزراعة لرقابة مستمرة من الجهات المختصة، ويتم تحديد شروط استخدامها ومعدلات الأمان الخاصة بها.
لكن ذلك لا يعني أن سوء الاستخدام لا يسبب مشكلات، إذ إن الإفراط في الجرعات أو استخدام مواد غير مصرح بها أو اللجوء إلى منتجات مجهولة المصدر قد يؤدي إلى آثار صحية سلبية.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة الحكومية المستمرة على تداول المبيدات ومتابعة الأسواق الزراعية وضبط المخالفات.
الزراعة الحديثة والمكافحة المتكاملة
أن الاعتقاد بإمكانية إنتاج جميع المحاصيل الزراعية دون أي وسائل مكافحة ليس واقعياً في معظم الحالات.
فالزراعة الحديثة تعتمد على مفهوم المكافحة المتكاملة، الذي يجمع بين الوسائل الزراعية والحيوية والميكانيكية والكيميائية للحد من الآفات والأمراض.
ويهدف هذا النظام إلى تقليل الاعتماد على المبيدات قدر الإمكان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الإنتاج الزراعي وجودة المحاصيل.
كما أن العديد من المزارع الحديثة تطبق برامج دقيقة للمتابعة والرصد قبل اتخاذ قرار استخدام أي مبيد، ما يساهم في خفض الكميات المستخدمة وتحقيق أعلى درجات الأمان.
لماذا تظهر ثمار بأشكال غريبة؟
من أكثر الأمور التي تثير التساؤلات بين المستهلكين ظهور بعض الثمار بأحجام كبيرة أو أشكال غير مألوفة أو تغيرات في اللون والقوام.
وغالباً ما يتم ربط هذه الظواهر مباشرة باستخدام الهرمونات أو المواد الكيميائية.
أن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
فقد تنتج هذه الاختلافات عن عوامل وراثية أو بيئية أو زراعية متعددة، مثل طبيعة الصنف المزروع أو الظروف المناخية أو أساليب الري والتسميد.
كما قد يكون السبب مرتبطاً باستخدام بذور غير معتمدة أو ناتجة عن أجيال متأخرة من الهجن الزراعية.
قصة الهجن الزراعية
الهجين الزراعي هو نتاج برامج تربية نباتية متخصصة تهدف إلى إنتاج أصناف تتميز بصفات معينة مثل زيادة الإنتاجية أو تحسين الجودة أو مقاومة الأمراض.
وتتميز هذه الهجن بدرجة عالية من التجانس في الشكل والحجم والصفات الإنتاجية.
لكن عندما يقوم بعض المزارعين بزراعة بذور مأخوذة من محصول الهجين نفسه في مواسم لاحقة، تبدأ الصفات الوراثية في الانفصال أو الانعزال والاختلاف.
وعندها قد تظهر ثمار غير متجانسة في الشكل أو الحجم أو اللون أو عدد البذور.
وأن هذه الظواهر الوراثية معروفة علمياً ولا علاقة لها بالهرمونات المسرطنة التي يتم الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
دور الجهات الرقابية
أن سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية والمنتجين والمستهلكين.
فالجهات المختصة تقوم بمتابعة تداول المبيدات وفحص المنتجات الزراعية وسحب العينات وتحليلها للتأكد من مطابقتها للمعايير المعتمدة.
كما يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين عند رصد تجاوزات تتعلق باستخدام مواد محظورة أو عدم الالتزام بالاشتراطات الفنية.
وتلعب هذه الإجراءات دوراً محورياً في حماية المستهلك وتعزيز الثقة في المنتجات الزراعية المحلية.
مسؤولية المزارع
أن المزارع يمثل الحلقة الأهم في منظومة الإنتاج الزراعي.
فالتزامه بالتوصيات الفنية واستخدام المبيدات المعتمدة واحترام فترات الأمان ينعكس مباشرة على جودة المنتج وسلامة المستهلك.
كما أن الاستثمار في التدريب والإرشاد الزراعي يسهم في رفع كفاءة المزارعين وتقليل الأخطاء التي قد تؤثر على جودة الغذاء.
ولهذا تزداد أهمية البرامج الإرشادية التي تنفذها الجهات الزراعية لتعريف المنتجين بأفضل الممارسات الزراعية الحديثة.
ماذا يفعل المستهلك؟
وينصح المستهلكين بعدم الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات غير الموثقة المنتشرة عبر الإنترنت.
كما يؤكد أهمية الحصول على المعلومات من المصادر الرسمية والجهات العلمية المتخصصة.
ويظل غسل الخضروات والفاكهة جيداً قبل الاستهلاك، واتباع قواعد النظافة الغذائية العامة، من الممارسات المهمة التي تساهم في تعزيز سلامة الغذاء.
لكن الأهم من ذلك هو دعم الجهود الرامية إلى تشديد الرقابة على الأسواق وضمان الالتزام بالمعايير الزراعية السليمة.
بين الوعي والتهويل
أن الفرق كبير بين التوعية العلمية المشروعة وبين التهويل غير المستند إلى أدلة.
فالتوعية تهدف إلى حماية المستهلك عبر تقديم معلومات دقيقة وموثقة تساعده على اتخاذ قرارات سليمة.
أما التهويل فيعتمد على إثارة الخوف ونشر الشكوك دون الاستناد إلى حقائق علمية، وهو ما قد يؤدي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.
وأن مواجهة الشائعات تتطلب تعاوناً بين المؤسسات العلمية ووسائل الإعلام والجهات الرقابية لنشر المعرفة الصحيحة وتعزيز الثقافة العلمية في المجتمع.
الموجز المختصر
يحسم الجدل المتكرر حول ما يسمى بالهرمونات المسرطنة في البطيخ والطماطم والفاكهة والخضروات، وأن هذه الادعاءات لا تستند في معظمها إلى أدلة علمية موثوقة، وأنها تتكرر سنوياً في إطار موجات من الشائعات التي تجد طريقها إلى الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، يلفت الانتباه إلى أن الخطر الحقيقي الذي يستوجب المتابعة والرقابة يتمثل في سوء استخدام المبيدات الزراعية وعدم الالتزام بالجرعات الموصى بها أو فترات الأمان المحددة قبل الحصاد والتسويق.
ويظل الحل في تعزيز الوعي العلمي، وتكثيف الرقابة على الأسواق، وتدريب المزارعين على الممارسات الزراعية السليمة، بما يضمن وصول غذاء آمن وصحي إلى موائد المواطنين، بعيداً عن الشائعات والمبالغات التي تتكرر كل صيف.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


