رئيس التحرير

حين يُحاكم “كيس فول” داخل فصل دراسي تسقط كرامة التعليم

بقلم: د.أسامة بدير

في دولةٍ تقول إن التعليم حق، وإن كرامة الطالب خط أحمر، تأتي واقعة طالبة الصف الأول الثانوي من قرية نزلة المشارقة بمركز إهناسيا لتصفع هذه الشعارات صفعة موجعة. فتاة بسيطة تبدأ يومها بثلاثين جنيهاً من والدٍ موظف محدود الدخل؛ نصفها يذهب للمواصلات، والنصف الآخر تقاتل به جوع يومٍ طويل بين مدرسة ودروس. وجبتها؟ رغيفان وكيس فول… لقمة كرامة، لا أكثر.

ثم يدخل مسؤول رفيع في التربية والتعليم إلى الفصل. كان يمكنه أن يكون أباً، أو سنداً، أو حتى عابراً محترماً. لكنه اختار أن يكون قاضياً وجلاداً في مشهد واحد. لم يسأل بهدوء، لم يستوضح بإنسانية، لم يراعِ فقراً ولا حياء. بل أمر بفتح درج الطالبة أمام زميلاتها، وانتزع لقمتها على مرأى الجميع، وبدأت التعليقات الساخرة: «إيه الفول ده؟»… «هتاكليه إزاي؟» ضحكات مكتومة، وقلوب مرتجفة، وطفلة تُسحق كرامتها في صمت.

الأخطر ليس السخرية وحدها، بل تحويل “كيس فول ورغيفين” إلى مضبوطات! تحريز، ومذكرة، واستعراض سلطة، وتهديد لأخصائي اجتماعي أمام الطلاب. أي رسالة هذه؟ أن الفقر جريمة؟ أن الجوع مخالفة؟ أن المدرسة لم تعد مكاناً للتعلم بل منصةً للإذلال؟

في تلك اللحظة، انحنت الطالبة على درجها، وانهارت دموعها بلا صوت. لم تدافع، لم تحتج، فقط اختارت الاختفاء. هذا ليس مشهداً عابراً؛ هذه لحظة تُكسر فيها نفس، وقد لا تُجبر بسهولة. كيف نطالب أبناءنا بالذهاب إلى مدارس تُهدر كرامتهم؟ كيف نزرع الثقة في نفوسهم ونحن نقتلعها بهذه القسوة العلنية؟

ثم يأتي صوت الأب… صوت أكثر إيلاماً من كل ما سبق: «أنا موظف في التربية والتعليم وبخاف على نفسي… وحق بنتي فوضت أمري فيه لربنا». أي منظومة هذه التي تدفع أباً لأن يختار الصمت خوفاً على لقمة عيشه؟ حين يخاف الأب من المطالبة بحق ابنته، فاعلم أن الخلل لم يعد فرديًا، بل أصبح مجتمعياً.

هذه الواقعة ليست مجرد “خطأ فردي” يمكن تجاوزه باعتذار بارد. إنها اختبار أخلاقي سقط فيه مسؤول يفترض أنه حارس القيم التربوية. المدرسة ليست ثكنة، والطلاب ليسوا متهمين، والفقر ليس مادة للسخرية. ما حدث هو انتهاك صريح لكرامة طالبة، وإساءة لمهنة التعليم قبل أن يكون إساءة لشخصها.

السؤال الآن:
هل تقبل الجهات المعنية أن تُهان طالبة بهذه الصورة؟ هل يرضى صناع القرار أن تتحول الزيارات الميدانية إلى استعراض قوة على حساب أضعف حلقة في المنظومة؟ أين التحقيق العاجل؟ أين المحاسبة الرادعة؟ وأين الاعتذار الصريح الذي يعيد بعضاً من حقٍ سُلب أمام فصل كامل؟

أنا لا أطلب المستحيل. أطلب فقط ما يجب أن يكون بديهياً:
مدرسة تحمي كرامة طلابها، ومسؤولين يعرفون أن السلطة تكليف لا أداة إذلال.

أما تلك الطالبة، فهي ليست “قصة ترند”، بل مرآة لواقع يجب أن يتغير. وكرامة أبيها الذي فوّض أمره لله ليست ضعفًا، بل اتهامٌ صامت لمنظومةٍ لم تنصفه.

إن لم تُنصف هذه الفتاة اليوم، فمتى؟ وإن لم تُحاسَب هذه القسوة، فكيف نأمن على أبنائنا غداً؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى