البيئة

زراعة الغابات أحد الحلول لمواجهة التغيرات المناخية

كتب: د.صبحي فهمي منصور أثارت التغيرات المناخية التي تجتاح دول العالم محدثة خسائر اقتصادية وبيئية الكثير من التساؤلات حول أسباب تلك الظاهرة التي أودت بحياة الآلاف من البشر سواء بفعل ما ينتج من هذه التغيرات من أمطار وسيول وأعاصير، أو حدوث موجات من جفاف تام ونقص حاد في هطول الأمطار، أو نتيجة الإصابة بأمراض وبائية مثال ذلك انتشار فيروس كورونا المستجد حول العالم وما حدث في الأردن من ظهور مرض الكوليرا الذي لم يكن من ضمن قائمة الأمراض الوبائية بها.

أ.د/صبحي فهمي، رئيس بحوث متفرغ بقسم بحوث تحسين وصيانة الأراضي بمركز البحوث الزراعية

لقد أصبحت التغيرات المناخية من المسلمات وأن ارتفاع مستوى سطح البحر من اهم توابع التغيرات المناخية نتيجة لارتفاع درجة الحرارة وانصهار الجليد بالقطب الشمالى، حيث تتمدد المياه في المحيطات ويرتفع مستوي سطح البحر بما يتراوح بين ‏25 ـ ‏90‏ سنتيمترا علي مستوى العالم‏.‏

التغير المناخي هو اختلال في الظروف المناخية المعتادة كالحرارة وأنماط الرياح والهطول التي تميز كل منطقة على الارض، وكذا ارتفاع حرارة الغلاف الجوى المحيط بالأرض بسبب تراكم غاز ثاني اكسيد الكربون والميثان واكسيد النيتروز.

إن احد اهم الحلول لمواجهة هذه التغيرات المناخية والحد من اثارها السلبية هو اعادة زراعة الغابات التى تم ازالتها والعمل على تشجيع زراعة غابات جديدة، حيث تعمل هذه الغابات على توفير مستقبل أكثر اشراقا نحو تحقيق الأمن الغذائي والتخفيف من حدة الفقر وحفظ النظام الايكولوجى، حيث تعمل الغابات كمصدر للغذاء والدواء والوقود لاكثر من مليار شخص، بالاضافة الى هدفها الاسمى وهو الحد من الاثار السلبية للتغيرات المناخية وحماية التربة والمياه وتوفير العديد من المنتجات والخدمات التى تساهم فى التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

أهمية الغابات لكوكب الأرض

كما ان ازالة الغابات وتحويلها الى مناطق صالحة للزراعة وتربية الماشية فإنها لا تهدد سبل كسب العيش للعاملين فى الغابات فقط بل تهدد تنوع الحياة على كوكب الارض وتؤدى التغيرات فى اوجه استخدام الاراضى الى تدهورها وتأكل التربة وتراجع نظافة المياه واطلاق الكربون فى الغلاف الجوى وعلى مدى السنوات الماضية اطلقت تحذيرات عديدة بضرورة الحفاظ على التوازن والتنوع البيئى، وعدم الجور على الحياة البرية لما يشكله من اخلال بالتوازن الطبيعى للمخلوقات.

أكد علماء وباحثين مؤخرا فى سياق محاولات الكشف عن سر ظهور وانتشار فيروس كورونا المستجد حول العالم وفرضية انتشاره يرجع الى الاختلاط بالخفافيش فى الصين وتراجع مجالها الحيوى بعد الجور العمرانى على الحيز البيئى الذى تعيش فيه بازالة مساحات شاسعة من الغابات لاغراض البناء والزراعة.

لذا من المؤكد ان التعدى البشرى على المجال الحيوى للحياة البرية برا وبحرا وجوا له تبعاته الخطيرة على حياتنا جميعا، حيث تشير الابحاث الى ان دول جنوب وشرق اسيا التى تشهد ازالة مساحات شاسعة من الغابات والاشجار اكثر عرضة لظهور وانتشار اوبئة جديدة فى الفترة المقبلة بسبب الجور على مناطق الحياة البرية.

أهمية الغابات لكوكب الأرض لكى يكون صحي

1- تمثل الغابات مصدر للاخشاب لتوفير خدمات الطاقة الاساسية مثل (الطهى وتسخين المياه والتدفئة) وبوجه عام توفر الغابات حوالى 40% من الطاقة المتجدده عالميا على شكل حطب بقدر ما توفره الطاقة الشمسية والكهرومائية وطاقة الرياح مجتمعه.

2- تلعب دور حاسما فى تحديد تراكم الغازات الدفيئة فى الغلاف الجوى حيث تعمل كبالوعات للكربون فتمتص ما يعادل 2 مليار طن من ثانى اكسيد الكربون سنويا.

3- ازالة الغابات هى السبب الرئيسى الثانى لتغير المناخ بعد حرق الوقود الاحفورى وتمثل ما يقرب من 20% من اجمالى انبعاثات الغازات الدفيئة، وهناك 25 دولة تتمتع بأكبر مساحة من الغابات، لذا يجب على هذه الدول العمل على تقليل ازالة الغابات وتدهورها والعمل على الحفاظ عليها.

4- يجب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للسياحة القائمة على الغابات وفهم الفوائد التى توفرها الغابات والاشجار فى المناطق الحضرية، حيث ان السياحة المعتمدة على الطبيعة تنمو بمعدل 3 مرات اسرع من قطاع السياحة ككل وتشكل الان ما يقرب من 20% من السوق العالمية.

5- تدعم الغابات والاشجار الزراعة المستدامة عن طريق تثبيت التربة والمناخ وتنظيم تدفق المياه وتوفير المأوى للملقحات والحيوانات المفترسة للافات الزراعية ما يساعد على توفير الأمن الغذائي.

6- من خلال وقف عملية ازالة الغابات وادارتها على نحو مستدام مع استعادة الغابات المتدهورة وزيادة مساحتها يمكن ان يتجنب العالم العواقب الوخيمة التى قد يتعرض لها، لذا ينبغى على الحكومات ان تتبنى نهج شامل يشجع على فهم فوائد هذه الغابات والحكمة من تواجدها.

الغابات في مصر

مشروع إنشاء الغابات فى مصر فى غاية الأهمية، وليس صحيحا على الإطلاق الزعم بأنه ترفيهى أو «ليس فى وقته» نحن كمنطقة صحراوية نعانى الأتربة والرياح ونحتاج بشدة إلى حماية الزراعة منهما، هذا مع الأخذ فى الاعتبار الكوارث الناتجة من رياح الخماسين على الزراعة، وهنا يبرز دور الغابات كمصدات للأتربة والرياح والرمال، حيث أستطيع فى هذه الحالة أن أحمى الأراضى الزراعية بالأشجار، وأن أزيد من إنتاجية الفدان، ومن خلالها نغيرما يسمى البيئة المحيطة، وبالتالى نحتفظ بالرطوبة فى النباتات والتربة، وهو ما يؤدى إلى الإقلال من كمية مياه الرى المستخدمة.

من ناحية أخرى نحن اذ استطعنا استخدام مياه الصرف المعالج بمعالجة أولية فى زراعة الغابات على مساحات كبيرة فى الأماكن الملائمة فستتكون السحب، وبالتالى نزيد من احتمال سقوط الامطار، وبالطبع هذا جانب غاية فى الأهمية فى ظل احتياجنا لكل قطرة ماء.

تؤدي الغابات دورا كبيرا فى مقاومة التصحر وتثبيت الكثبان الرملية التى تصل الى نحو 18% من مساحة مصر، كما أن الأشجار تخفف حدة الاحتباس الحراري، وبالتالى نواجه أزمة تغير المناخ، وهى تخزن غاز ثاني أكسيد الكربون.

فى مصر يمكن تخزين كميات هائلة من ثانى أكسيد الكربون بحيث يمثل مصدرا جديدا للدخل القومي، ولا يقل أهمية عن ذلك استغلال الغابات فى انتاج الأخشاب، فإذا وضعنا فى الاعتبار أن مصر تستورد كميات من الأخشاب والورق بمبالغ كبيرة، وأنها بالتوسع فى انشاء الغابات تستطيع تخفيض قيمة صادراتنا من هذه السلع، والتوفير فى العملة الصعبة ندرك إلى أى مدى من المهم التمسك بهذا المشروع.

ثم لماذا من الأصل نتحدث عنها كفكرة جديدة أو غريبة علينا فى ظل أن مصر كانت اول دولة فى العالم قامت بإنشاء هيئة محلية لإدارة الغابات وكان ذلك فى العصر الفاطمى منذ أكثر من 1000 سنة واستخدمتها فى انتاج الأخشاب التى تم توجيهها فيما بعد إلى بناء السفن، الذى أسهم العائد منه فى بناء القاهرة الفاطمية. كما أن مصر كانت قد أنشأت فى منتصف التسعينيات المشروع القومى للاستخدام الآمن لمياه الصرف الصحى فى زراعة الغابات.

ومن هذا المنطلق يمكننا البدء بتلك الغابات بزراعة نبات الخيزران او ما يطلق عليه البامبو وذلك للاسباب الاتية:

1- البامبو هى مجموعة تتكون من اكثر من 1000 نوع وهو من النباتات الخشبية الدائمة الخضرة، حيث ينفرد البامبو باعتباره اكثر النباتات الخشبية سرعة فى النمو على الاطلاق فمعدل نمو أنواع البامبو العملاقة حوالى 60 سم فى اليوم وقد تصل فى أقصى معدلاتها الى متر فى الساعة لكن لفترات قصيرة وينتج ذلك من النظام الريزومى الفريد الذى يتمتع به ويتفاوت البامبو فى نموه اعتماداً على نوع التربة والمناخ.

ينتشر البامبو فى معظم أنحاء الأرض عدا أوروبا ويطلق عليه فى اثيوبيا (الذهب الاخضر) حيث يُستخدم نبات الخيزران على نطاق واسع في جميع أنحاء إثيوبيا كما يتجمع فى إثيوبيا 68% من نبات البامبو في أفريقيا، ويشغل مليون هكتار من أشجار البامبو التي تشكل حوالي 30% في الأراضي المرتفعة وحوالي 70% في الأراضي المنخفضة.

2- من اسرع النباتات الخشبية في العالم حيث يتم حصاده بعد 3 سنوات فقد وجد أن بعض أنواعه تنمو بمعدل (39 بوصة) في غضون 24 ساعة ومع ذلك، فإن معدل النمو يعتمد على التربة والظروف المناخية المحلية، فضلا عن النوع المزروع.

3- يتأقلم بسرعة ولا يحتاج لمتطلبات إنتاج يزداد وزن المحصول سنوياً بمعدل 30% مقارنة بالأشجار الخشبية التى يزداد محصولها السنوى بمعدل 2-3%.

4- يمكن أن يقطع لاستخدامه في الإنتاج بعد 3 – 5 سنوات، مقارنة مع 7 – 15 سنة للأشجار التقليدية. مثل الكازورينا الكافور والباولونيا وبالتالي، يمكن استخدام الخيزران كبديل للأخشاب الأخرى والذى من شأنه أن يؤدي إلى تقليل عدد الأشجار التي تقطع للاستفادة من خشبها. (وهو ما يسمي مورد استراتيجي للغابات في المعركة ضد تغير المناخ).

5- ينتج الخيزران كميات كبيرة من الأكسجين لأنه يستهلك كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون لذا يعتبر من أفضل منظفات البيئة (الخيزران يمكنه امتصاص ما يصل إلى أربعة أضعاف ثاني أكسيد الكربون أكثر من الممتص بواسطة بعض أنواع الأخشاب الصلبة).

6- فعال جدا في إزالة المعادن والمواد السامة الأخرى من التربة والماء.

7- يحسن ويسمد التربة ويعمل على تفكيكها وعلاج صلابتها.

8- يمكن ريه بمياه الصرف الصحي والتخلص الآمن منها.

9 – انتاجية الفدان تصل الى 20 طن.

10- يحمى المنحدرات وجوانب المجارى المائية من التأكل.

11- الخيزران كمورد متجدد، ليس له نظير. فهو مرن للغاية، ويتحمل الزراعة فى التربة الفقيرة، كما يتطلب مدخلات قليلة أو معدومة، ويصاب بالقليل من الأمراض. على عكس الأشجار.

12- يستخدم فى كثير من الصناعات مثال ذلك:
– صناعة ورق الطباعة.
– صناعة الأثاث المنزلي.
– صناعة ألواح خشب الكونتر.
– صناعة التحف الفنية.
– صناعة الملابس.
– صناعة الكربون النشط.
-صناعة المنشآت الهندسية والديكور (حيث تتميز نباتات البامبو بقوة ضغط أعلى من الخشب أو الطوب أو الخرسانة، بالإضافة إلى قوة شد تنافس الصلب في قوتها).
– صناعة أدوات للمطبخ.
– صناعة آلة موسيقية تسمى الـ (شينوبويه) وهي شبيهة بالناي.
– صناعة الفحم، حيث ان القيمة الحرارية من فحم الخيزران جيدة مثل السنط أو الكافور، لكنه يتميز بأنه الأنظف، وينتج كمية أقل من الدخان والرائحة.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى