ابتكار الأغذية المصرية: تحويل المحاصيل الحقلية إلى منتجات ذكية ومستدامة

إعداد: د.تهاني الششتاوي
باحث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية – مركز البحوث الزراعية – الإسكندرية

تعتمد مصر على المحاصيل الحقلية لتحقيق الأمن الغذائي، وتعمل على تطوير هذه المحاصيل لتحسين إنتاجيتها وجودتها. منتجات المحاصيل الحقلية المبتكرة تشمل مجموعة واسعة من المنتجات التي تتميز بالابتكار والتطوير المستمر لتلبية احتياجات المستهلكين المتغيرة. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 8.6 مليار نسمة في عام 2030، و9.8 مليار نسمة في عام 2050، و11.2 مليار نسمة في عام 2100.
من أجل ضمان توفير ما يكفي من الغذاء المناسب للجميع، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية التي تتضاءل يوماً بعد يوم، بات التحول إلى أنظمة غذائية أكثر استدامة من الضرورات الأكثر إلحاحاً. ويتطلب ذلك حلولاً استثنائية لا تقتصر على تغيير الطريقة التي يُصنع بها الغذاء، وإنما تتجاوز ذلك إلى تغيير طرائق توفير الموارد واستخدامها وتصنيعها وتغليفها، وحتى تقليل خسائر الأغذية وهدرها في السلسلة الغذائية، فضلاً عن تقليل تأثير نفايات التغليف.
المحاصيل الحقلية هي نباتات زراعية تُزرع على نطاق واسع بهدف توفير الغذاء للإنسان والعلف للحيوان، إضافةً إلى استخدامها كمصادر للمواد الخام. وتشمل هذه المحاصيل الحبوب، والبقوليات، والمحاصيل الزيتية، والمحاصيل السكرية، والمحاصيل العلفية. أما الأغذية المبتكرة فهي مجموعة من المنتجات الغذائية التي يتم تطويرها وتحسينها باستمرار باستخدام تقنيات حديثة، وذلك لتلبية احتياجات المستهلكين المتغيرة ومواكبة متطلبات السوق.
تشمل هذه الأغذية العديد من الأنواع، من بينها منتجات اللحوم المبتكرة مثل سيخ شاورما الدجاج واللحم، وأجنحة الدجاج المطبوخة، إضافةً إلى بدائل اللحوم. كما تشمل الصلصات والتوابل المبتكرة المستخدمة في تحضير الوجبات السريعة، والمنتجات الغذائية الصحية مثل الأغذية الخالية من السكر أو الدهون، والأغذية الغنية بالبروتين والألياف، إلى جانب الوجبات الخفيفة الصحية والمبتكرة التي تلبي احتياجات مختلف فئات المستهلكين.
الابتكار هو عملية تحويل الأفكار الإبداعية إلى حلول ومنتجات وخدمات جديدة أو محسنة تُضيف قيمة ملموسة، وتسهم في حل المشكلات القائمة أو تلبية احتياجات غير ملبّاة. ولا يقتصر الابتكار على مجرد الاختراع، بل يشمل أيضًا تحسين العمليات الإنتاجية ونماذج الأعمال، ويتطلب التفكير خارج الأطر التقليدية والمخاطرة المحسوبة لتحقيق التقدم في المؤسسات والمجتمعات.
وفي مجال إنتاج الأغذية الحديثة، يركز الابتكار على دمج التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والتكنولوجيا الحيوية، والتجفيف بالتجميد، مع مفاهيم الاستدامة والصحة الشخصية، بهدف تطوير منتجات غذائية جديدة ومحسنة. وتشمل هذه المنتجات الأطعمة الوظيفية، والبدائل النباتية، واللحوم المستزرعة، والتغذية المخصصة المعتمدة على التركيب الجيني (الحمض النووي) للمستهلك. ويسهم هذا التوجه في تحسين جودة الغذاء، وتقليل البصمة البيئية، والاستجابة لمتطلبات المستهلكين الصحية والبيئية المتزايدة.
ويرتبط الابتكار بتوليد أساليب جديدة لتنفيذ منهجيات ابتكارية تقوم على الفهم العميق للتحديات، وتوليد الأفكار، واختبارها وتطويرها. ويشمل الابتكار في مجال التصنيع الغذائي تطوير العمليات والمنتجات والخدمات الغذائية الجديدة التي تسهم بشكل كبير في تحسين حياة المستهلك وتحقيق استدامة الموارد. وقد أسهمت العديد من الابتكارات في مجال تصنيع الأغذية في تحسين طرق المعالجة، والمحافظة على العناصر الغذائية، ورفع مستوى الجودة والسلامة، وإطالة العمر الافتراضي للمنتجات الغذائية. فعلى سبيل المثال، ساعدت عمليات الإنتاج التي تعتمد على استخدام الضغط العالي أو المعالجة بالبخار في الحفاظ على الطعم المميز والعناصر الغذائية الموجودة في الطعام.
هناك عدد من المنهجيات الابتكارية التي يمكن اعتمادها في تطوير الحلول للتحديات الغذائية. ونستعرض فيما يلي منهجية التفكير التصميمي في تصميم الحلول للتحديات الغذائية، والتفكير التصميمي هو منهج منظم يرتكز حول الإنسان في تصميم حلول للمشكلات اليومية المعقدة في جميع مجالات الحياة. يعمل التفكير التصميمي مع المستخدم من خلال تحديد احتياجاته الحقيقية، ومن ثم ينتهي بتصميم حل يلبي احتياجاته، ويُجرى اختبار ذلك على أرض الواقع.
معززات الابتكار الغذائي: يمكن تعزيز الممارسات الابتكارية، والمساهمة في ازدهارها من خلال عدد من التوصيات تشمل ما يلي:
-
تعزيز الوعي بأهمية الابتكار: إقامة الفعاليات التعليمية والثقافية، والبرامج الثقافية لتعزيز الوعي بأهمية الابتكار، واستعراض أهم ممارساته للمعنيين ممن يعملون في الزراعة، وفي مجال تصنيع الأغذية وتوزيعها وبيعها.
-
بناء العقلية الابتكارية: يتطلب تطبيق الابتكار بناء المنظومة الفكرية اللازمة التي تساعد على فهم أهميته، والاستعداد الفكري لتعلمه وتبنيه، بحيث يكون مكوناً أساسياً مرتبطاً بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
-
توفير البيئة الداعمة: يتطلب تطبيق الابتكار بناء البيئة المادية اللازمة، والتي تشمل توفير مساحات عمل، على سبيل المثال: (innovation labs)، و(maker space) مجهزة بالأدوات والمعدات اللازمة لتبادل الأفكار، وتصميم النماذج الأولية لاختبارها، وتوفير الفرص التدريبية والتعليمية اللازمة لتطبيقها.
-
توفير الموارد المادية: وذلك من خلال العمل على تقديم بعض التسهيلات في الوصول إلى الموارد المالية المطلوبة لإعداد البيئات الابتكارية اللازمة لتطبيق ممارسات الابتكار. على سبيل المثال: توفير الموارد المادية اللازمة لتعزيز ممارسات الزراعة المستدامة.
-
تطوير السياسات والتشريعات: وذلك من خلال العمل على تطوير التشريعات والسياسات التي تدعم عملية الابتكار، وتعزز ممارساته، وتوفير التسهيلات المخصصة للشركات التي تعمل على تطبيق منهجيات الابتكار في تصميم منتجاتها الغذائية من أجل التحفيز على تطبيقه على نطاق أوسع.
إن تبني الابتكار الغذائي لا يقتصر على الشركات الغذائية، وأصحاب المطاعم والمقاهي. فنحن على المستوى الفردي يمكننا أن نتبنى الابتكار الغذائي من خلال عدد من الممارسات: يمكننا دعم المنظمات التي تمارس الابتكار الغذائي المستدام، وتحاول تقديم منتجات جديدة ومغذية ومستدامة إلى السوق، من خلال الشراء منها دون غيرها، والترويج لها، وإخبار الآخرين بوجودها، الأمر الذي يمكن أن يساعد على توسيع قاعدة عملائها، ويدعم استمراريتها في العمل، ويشجعها على الاستمرار في ممارساتها الابتكارية. حيث يتطلب تعزيز الابتكار الغذائي اتخاذ قرارات غذائية واعية على المستوى الفردي، والتفكير في الأطعمة التي نشتريها، والعلامات التجارية التي نتعامل معها، وفهم الملصقات الموجودة على العبوات الغذائية، فهذا كله يدعم مصنعي الأغذية في مواصلة مسيرتهم الابتكارية.
ومع ارتفاع معدلات الابتكار الغذائي، سيستفيد الناس في كل مكان. فالأمر بالنسبة لبعض الأشخاص يعني الوصول إلى خيارات غذائية أكثر نفعاً وأقل تكلفة، وبالنسبة لآخرين يعني حماية البيئة بممارسات أكثر استدامة، أو ربما يعني الاستمتاع فحسب بتجربة أطعمة لذيذة بجودة عالية لم يكن من الممكن الوصول إليها في السابق، ومهما كانت الأسباب والدوافع فهي تعني حتماً دعم الابتكار الغذائي.
فمع الكم الكبير من الأبحاث المنشورة في هذا المجال، إلا أنه لا يزال الكثير منها حبيس أدراج المعامل دون أن تتحول إلى تطبيقات صناعية فعلية، وذلك لضعف الربط بين الباحثين واحتياجات الصناعة، إضافة إلى افتقار العديد من الدراسات لمؤشرات تقيس قابليتها للتنفيذ. بنظرة واقعية نجد الكثير من المصنعين يلجأون إلى خفض التكلفة وتعظيم المكاسب على حساب جودة الإنتاج واستخدام بدائل أقل كفاءة، مما ينعكس مباشرة على سلامة المنتج وثقة المستهلك. في المقابل نجد اتجاه العديد من الباحثين يسير نحو ابتكار منتجات جديدة صحية وآمنة ذات أصل طبيعي ورغم قيمة هذا التوجّه، فإن الكثير منها لا تزال غير مطبقة صناعياً بسبب جدواها الاقتصادية، أو لضعف قنوات التواصل بين الباحثين والمصنعين، أو عدم إدراج خطة تسويقية ضمن الدراسة منذ بدايتها.
إن الجدوى الاقتصادية لمخرجات البحث العلمي لا تقتصر على إنتاج معرفة جديدة، بل تتمثل في قدرتها على التحول إلى حلول عملية قابلة للتطبيق بما يحقق قيمة مضافة حقيقية، ويحسن جودة المنتج ويقلل التكلفة ويخلق ميزة تنافسية مستدامة، ومن هنا تبرز ضرورة التقاء الباحثين والمصنعين عند نقطة مشتركة تُحدد من خلالها الاحتياجات الصناعية الفعلية وتُوجّه إليها الجهود البحثية لتحقيق تكامل حقيقي بين الطرفين.
إن متخذي القرار لهم دور محوري في تحويل مخرجات البحث العلمي إلى منتجات وخدمات قابلة للتطبيق، وذلك عبر دعم التمويل البحثي ووضع تشريعات ومعايير واضحة لتسجيل المنتجات الجديدة وحماية الملكية الفكرية، مع تعزيز التعاون بين المراكز البحثية والجامعات والصناعة، إلى جانب دعم ثقافة الابتكار وحاضنات الأعمال ليؤتي ثماره.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



