رأى

إطار سينداي 2030/2015 في القاهرة وفي الدول النامية: هل تصمد الخطط أمام العاصفة؟

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية

حين تهبّ العواصف لا تسأل عن الحدود، ولا تفرّق بين دولة وقّعت وأخرى تلكأت، بين عاصمة مزيّنة بالندوات وقرية منسية على هامش الخريطة. الكارثة، حين تأتي، تعبر الجبال والصحارى والبحار، تتسلل إلى المدن العتيقة والمخيمات المزدحمة، تتكاثر في ثنايا العشوائيات، وتختبر صدق الخطط لا لغتها. في القاهرة كما في الرباط، في تونس كما في طرابلس، في الجزائر كما في بيروت وصنعاء، الجميع وقع على ورقة “سنداي”، والجميع أقسم، نظريًا، أن يُخفف الألم ويمنع الفقد ويمنح الناس فرصة للنجاة قبل فوات الأوان. لكن الواقع لا يُقاس بعدد التوقيعات بل بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، والمجتمعات التي صمدت، والبنى التحتية التي لم تنهَر.

ما بين النوايا الجميلة والتطبيق الشجاع مسافة تسكنها الفوضى، ويعبُرها الخطر متى شاء. نملك الكلمات، لكن لا نملك دائمًا القرار. نملك الخطط، لكن لا نمنحها الحياة في الوقت المناسب. سنداي ليس نصًا مقدسًا، بل تعهّد مفتوح على سبعة أبواب: من فهم الخطر إلى التعلّم منه بعد أن يمرّ، من الحوكمة إلى الصمود، من تعبئة المجتمعات إلى إعادة البناء بعد الدمار، من تخصيص الموارد إلى استيعاب أن المخاطر لم تعد بسيطة، ولا منفصلة، ولا قابلة للتأجيل.

في مدننا العربية، تتكرّر المأساة بوجوه مختلفة. فيضانات تغمر المدن العتيقة، وزلازل تفتت الأحلام، وحرائق تبتلع الغابات، وجفاف يخنق المزارع، وغياب للتنسيق يضاعف حجم الألم. شعوب تدفع الثمن مرتين: مرة حين تقع الكارثة، ومرة حين تكتشف أنها كانت وحيدة في مواجهتها. فهل يكفي أن نعلّق صور التوقيع على الجدران، بينما الأمهات يحملن أطفالهن على أكتاف الخوف من الشتاء المقبل؟ وهل يُجدي أن نردّد شعارات الصمود ونحن لم نزرع بذور الوقاية في مؤسساتنا، في إداراتنا، في تعليمنا، في إعلامنا، في وعينا الجمعي؟

“سنداي في القاهرة”، وفي تونس والجزائر والمغرب، في ليبيا وسوريا ولبنان واليمن، ليس سؤالًا عن ورقة موقّعة، بل عن صدق الالتزام. هل نحن مستعدّون لأن ننظر في عيون شعوبنا ونقول: نعم، وضعنا الخطط، ودرّبنا الناس، وموّلنا الوقاية، وفهمنا أن الكارثة لا تنتظر إذنًا لتبدأ؟ أم أن العاصفة القادمة، مهما كان اسمها أو نوعها، ستجدنا مجددًا نرتجل الردّ، ونرثي ضحايانا بأناشيد الأسى دون أن نغيّر شيئًا من الجذور؟

إن العاصفة لا تطرق الباب، بل تقتحمه، فإما أن نصمد بخطط حقيقية، أو نُقهر بسيناريو مكرر… لا يرحم.

المقال الأول: المعرفة التي تنقذ الأرواح — الفهم العميق لمخاطر الكوارث 

حين تتقدّم الكارثة بخطى واثقة، لا تستأذن، ولا تمهل، ولا تعبأ بعدد الشهدات المعلّقة على الجدران، بل تنقضّ على الغافل، على من لم يُصغِ لتحذيرات الريح، ولم يفهم خرائط التصدّع، ولم يقرأ ما كانت الأرض تهمس به منذ زمن. تبدأ المأساة غالبًا من لحظة جهل واحدة، من معلومة ناقصة، من خطر لم يُقدَّر كما ينبغي، من قراءة مغلوطة لتغير المناخ، أو من تجاهل نبض الطبيعة التي لطالما أنذرت، لكننا كنا مشغولين بما هو أكثر “عاجلًا” وأقل بقاءً.

الفهم العميق لمخاطر الكوارث ليس ترفًا تحليليًا يُلقى على منصّات المؤتمرات، ولا عبارة تزدان بها استراتيجيات مكتبية، بل هو أول خطوط الدفاع، وأبسط شروط النجاة، وأقوى الأسلحة في وجه المجهول. هو أن تعرف قبل أن تُفاجأ، أن تحلل قبل أن تُباغت، أن تمتلك خريطة الخطر كما تمتلك خريطة الطرق. أن تدرك أن السيل لا يُفاجئ، بل يُمهّد لزحفه بتغيّرات في التربة والسحب والرياح، وأن الزلزال لا يولد فجأة بل تتراكم شحناته في صمت الطبقات الأرضية. أن تعي أن تغيّر المناخ ليس مستقبلًا بعيدًا، بل واقعًا حاضرًا في درجات الحرارة المرتفعة، والفيضانات المتكررة، وحرائق الغابات التي تشقّ صدر الأرض دون رحمة.

في أوطاننا العربية، كم من كارثة بدأت بعبارة “لم نكن نعلم”؟ كم من حيّ سقط لأنّ لا أحد درس تضاريسه؟ كم من مزارع جرفها السيل لأنها زُرعت في مجاريه القديمة؟ كم من طفل دفن تحت أنقاض مدرسة لم تُراجع خرائط بنائها؟ وكم من بحيرة نضبت، لا لأنّ الجفاف قاسٍ فقط، بل لأنّ أحدًا لم يكترث لمراقبة مؤشراتها؟

المعرفة هنا ليست محفوظة في تقارير مخزّنة، بل يجب أن تُزرع في وعي المجتمعات، في المدارس، في الإعلام، في قرارات التخطيط العمراني، في قلوب من يسكنون الجبال والسواحل والبوادي والنجوع. الفهم العميق لمخاطر الكوارث يعني أن نسأل: من يجمع البيانات؟ من يحللها؟ من يُحوّلها إلى إنذار مبكر؟ من يُنذر؟ ومن يصدّق الإنذار حين يأتي؟

لذلك، لن يكون الطريق إلى النجاة مرصوفًا بالأماني، بل بالمعرفة الصلبة. ولن تصمد أي خطة مهما كانت مُتقنة، إن لم تُبنَ على أساس علمي، على فهم دقيق لتاريخ الأرض وتقلبات الطقس وطبيعة البيئة وسلوك البشر فيها. هنا يبدأ كل شيء… وهنا، إمّا أن نعرف فننجو، أو نجهل فندفع الثمن مضاعفًا، أرواحًا وأحلامًا ومجتمعات بأكملها تُمحى من الخارطة.

مجموعة من الأمثلة الواقعية من العالم العربي

ليست الكارثة دائمًا مفاجأة، بل كثيرًا ما تكون رسالة تجاهلنا قراءتها في وقتها. فما يبدو غضبًا من السماء، يكون في الحقيقة صدى لإهمال الأرض. في عالمنا العربي، لا تُقاس الخسائر فقط بما جرفته السيول أو ما هدمته الزلازل، بل بما لم نعرفه مسبقًا، وما لم نستعد له حين كان في الإمكان. أمثلة دامغة تحكي عن مدن غمرها الماء لأن مجاري السيول لم تُحترم، وقرى انهارت لأنها لم تُدرج يومًا على خرائط الخطر، وأرواح أُزهقت لأنها لم تتلقَ إنذارًا كان يمكن أن يُنقذها. لم يكن الغياب في الأجهزة فحسب، بل في الوعي، والتخطيط، والإرادة. وفي كل واقعة، درس صارخ يعلّمنا أن الفهم العميق لمخاطر الكوارث لا يُرفّ، بل هو الخط الفاصل بين الحياة والفقد.

1ـ سيول رأس غارب (مصر، 2016):

في تلك الليلة من أكتوبر عام 2016، لم يكن المطر في رأس غارب مجرد زخّات عابرة تهدهد نوافذ البيوت النائمة، بل كان أشبه بإنذار من الطبيعة لم يصل أحد إليه في الوقت المناسب. هطلت الأمطار بكثافة مفاجئة، وكأن السماء قد فتحت أبوابها فجأة دون استئذان، فانهمرت السيول من الجبال التي تحيط بالمدينة، لتصبّ غضبها على الشوارع والمنازل والسيارات والأرواح.

لم تكن رأس غارب مستعدة، لا بوسائل الحماية، ولا بخطة إجلاء، ولا حتى بإذاعة محلية تُنذر الأهالي بما هو آتٍ. لم تكن هناك خرائط تُظهر أن ما بدا أرضًا صالحة للبناء هو في الحقيقة مجرى سيل قديم، يعرفه الجبل جيدًا وينساه الإنسان حين يطغى العمران على الحكمة. فُقدت الأرواح لا لأن السماء كانت قاسية، بل لأن الأرض لم تُفهم جيدًا، ولأن المعلومة ماتت في مهدها.

السيول جرفت كل ما كان في طريقها: سيارات تقلبت كعلب فارغة، منازل انهارت فوق رؤوس ساكنيها، محطات كهرباء تعرّت أمام الماء، وشوارع صارت أنهارًا طينية تغمر كل شيء. والمأساة الأكبر لم تكن في قوة الماء، بل في صدمة الناس الذين لم يكن لديهم أي فكرة عمّا يجب أن يفعلوه. لا تحذير، لا خطة، لا حتى خبرة متوارثة تُخبرهم كيف يتصرفون عند أول زئير للماء.

المباني التي شُيّدت على مجاري السيول، وهي مجاري قديمة معروفة تاريخيًا، لم تُؤخذ بالحسبان عند التخطيط العمراني، وكأن المدينة نبتت فجأة فوق خريطة بيضاء بلا ذاكرة. ومع غياب نظم الرصد والتحليل الجغرافي المحدث، وافتقار أدوات الإنذار المبكر، لم يكن للناس إلا أن يواجهوا الطبيعة بصدورهم، وأن يتعلموا بالطريقة القاسية أن المعرفة ليست رفاهية، بل ضرورة للنجاة.

لو كانت هناك خرائط جيومكانية واضحة وحديثة، تُظهر مجاري السيول والمناطق عالية الخطورة، ولو أن السلطات استخدمتها فعليًا في منع البناء العشوائي أو التوسع في نقاط الخطر، لما دفعت المدينة هذا الثمن الفادح. ولو كان هناك نظام بسيط للإنذار – حتى ولو كان عبر مكبرات صوت أو رسائل قصيرة على الهواتف – لتمكن الناس من الاحتماء، من إنقاذ الأطفال، من الفرار قبل أن يُطبق الماء عليهم.

لكن ما حدث هو أن رأس غارب أصبحت مثالًا مؤلمًا على ما يعنيه غياب الفهم العميق لمخاطر الكوارث. لم يكن الأمر قدرًا لا يُرد، بل نتيجة مباشرة لغياب التخطيط، ودفن المعرفة تحت طبقات من الإهمال والارتجال.

لقد فقدت المدينة أبناءها في لحظة، فقط لأن أحدًا لم يُقرَع بابه في الوقت المناسب. وهذه ليست مأساة رأس غارب وحدها، بل مأساة كل مدينة تُبنى على النسيان، وتُدار على طريقة “ننتظر حتى تقع الكارثة، ثم نتحرك”. والطبيعة، حين تُهمل، لا تسامح… بل تُذكّرنا بأن للمعرفة ثمنًا، وللجهل فواتير تُدفع من الأرواح.

لو كنا قد قرأنا الأرض كما ينبغي، وسمعنا همسات الجبل قبل أن يصرخ، لربما بقيت البيوت في أماكنها، والأطفال في أحضان أمهاتهم، والذكريات آمنة فوق الرفوف. فالماء لا يقتل حين يُحترم مجراه، والطبيعة لا تغضب إلا حين تُهمل. لو رسمنا الخريطة على القلب قبل الورق، لما كان المطر نذير موت، بل بشارة حياة، ولما تحوّلت السيول إلى جنازات جماعية، بل إلى أنهار تسقي الأمل وتبعث الحياة في العروق اليابسة.

لكننا لم نُصغِ… لم نتعلّم من التاريخ الذي يكرر نفسه كلما أدرنا له ظهورنا. تركنا الجبال تحذر وحدها، والمجاري تُردم، والقرارات تُكتب على مكاتب لا تعرف الطين. تناسينا أن الجغرافيا لا تمزح، وأن الجهل بها لا يُغتفر. فكانت النتيجة أن دفنّا من كان يمكن إنقاذهم، ونحتنا على جدران الصمت مراثي متأخرة.

وما زال الوقت لم يفُت بعد… فالأرض مستعدة لمن يصغي، والخرائط بانتظار من يُحييها، والمطر لا يزال يحمل في هطوله احتمالين: أن يُغرق، أو أن يُنقذ. والفرق بين الاحتمالين، هو فقط… أن نعرف.

2ـ نضوب بحيرة المنزلة (مصر):

في قلب الدلتا، حيث كانت المياه تتنفس كما يتنفس الكائن الحي، كانت بحيرة المنزلة تتلألأ ذات يوم كمرآة عملاقة تعكس وجه الطبيعة وسخاءها. لم تكن مجرد امتداد مائي، بل كانت روحًا زرقاء نابضة بالحياة، تعيش في أعماقها الأسماك، وتحوم فوقها الطيور، وتُرزق من ضفافها آلاف العائلات التي اعتادت أن تجد في كل موجة مصدر رزق، وفي كل شباك تُلقى وعدًا بالخير.

لكن شيئًا فشيئًا، بدأت البحيرة تنكمش كأنها تحتضر ببطء. لم يكن هناك طوفان يُغرقها، ولا زلزال يُمزق قاعها، بل كان النزف صامتًا، يومًا بعد يوم، بفعل البشر أنفسهم. الردم بدأ كأطراف صغيرة تُقتطع من الجسد، ثم تمدّد كالطمع، لا يعرف الاكتفاء. مشاريع لم تراعِ التوازن، أيدٍ حفرت وجرفت وملأت، دون أن تسأل: ماذا بعد؟ وصرف زراعي وصناعي استمر في التسلل إليها كسمّ بطيء، يلوّث ماءها، ويقتل كائناتها، ويحوّلها إلى بقعة تختنق كل يوم أكثر، دون أن تجد من يحرّك عنها الستار أو يقرع أجراس الخطر.

لم يكن هناك فهم حقيقي لديناميكية هذا النظام المائي الرقيق. لم تُحترم القوانين البيئية، ولم تُحدّث خرائط التدفق المائي، ولم تُدرس التغيرات البيولوجية التي طرأت على البحيرة. فقط أُهملت كأنها ليست من الوطن، كأنها مجرد مساحة يمكن التنازل عنها أمام زحف الأسمنت وامتداد المصالح.

تحوّلت المنزلة من بحيرة تزخر بالحياة إلى مرآة مكسورة تعكس وجه الإهمال، وجه الجهل الذي لا يرى أن ما يُفقَد من طبيعة اليوم لن يُعوّض غدًا. ومجتمعات الصيادين التي كانت تضحك على ضفافها، أصبحت اليوم تعيش على الذكرى، تصطاد من مياه ضحلة ملوثة، وتجوب السكون بدل الغلّة، تنتظر الفرج في زمن لا يعيد ما أُهدر.

ولو كنا قد فهمنا البحيرة كما يجب، لو رصدنا تغيّر ملوحتها، وتراجع كائناتها، ومسارات تغذيتها من النيل والبحر، لو استمعنا إلى المختصين بدل أن نطمر صوتهم تحت طبقات البيروقراطية، لربما كانت البحيرة ما تزال تفيض بالعطاء، تحتضن الطيور المهاجرة، وتعلّم الأجيال معنى العلاقة الحقيقية بين الإنسان والماء.

المنزلة اليوم ليست فقط بحيرة نضبت، بل هي جرح مفتوح في ذاكرة البيئة المصرية. جرح يعلّمنا أن غياب الفهم العميق ليس مجرد خطأ إداري، بل هو كارثة مستمرة، نخسر معها كل يوم جزءًا من الطبيعة، من الاقتصاد، من الأمن الغذائي، ومن التاريخ. وكأننا نحفر بيدنا قبور ما كان يمكن أن يُخلّد.

النتيجة لم تكن مجرد انخفاض في منسوب المياه، بل انحدار كامل في مسار الحياة. ضاعت الثروة السمكية كما يتبخر الحلم في حرّ اليقظة، واختفت معها مراكب كانت تعود كل مساء محمّلة بالبركة. جفّت الشباك من الرزق، كما جفّت العيون من الدمع بعدما اعتادت أن ترى في البحيرة أمًّا حنونًا تطعم أبناءها من خيراتها. ومع كل متر يُردم، كان الصياد يردم ذكرى، ويهدم ركنًا من حياته التي بُنيت على ضفاف الماء، لا على تراب المصالح.

نزح الصيادون كأنهم غرباء عن أرضهم، تائهين بين المدن التي لا تعرف البحر، ولا تفهم حكاياته. حملوا معهم شباكًا لا تجد ما تصطاده، وخبرات لا تليق بها الأرصفة الجافة. تحوّلت المهنة إلى عبء، والحرفة إلى إرث ثقيل، والحياة إلى صراع مع المجهول. من كان يستيقظ على نداء الموج، بات يستفيق على صمت البطالة، وعلى أسئلة الأبناء التي لا تجد لها جوابًا.

أما البيئة، فبكت على طريقتها. تغيّرت ملوحة المياه، فاختل التوازن الطبيعي، وغابت أنواع من الطيور والكائنات، وأخرى هجرت المكان بحثًا عن موطن لم تُدنسه يد الردم أو التلوث. النباتات المائية تراجعت، والطيور المهاجرة لم تعد تحط كما كانت، وكأن النظام بأسره قرر أن ينسحب بصمت أمام ما لا يُحتمل من التجاهل.

هكذا، لم تكن بحيرة المنزلة مجرد مساحة مائية نضبت، بل كانت عالمًا حيًا خُلع من جذوره. وما زال صداها يرنّ في ذاكرة الطبيعة، يذكّرنا بأن الماء لا يُقدّر بثمن، وأن تجاهل النُظم البيئية لا يمرّ دون ثمن باهظ يُدفع، لا فقط من جيب الوطن، بل من روحه. ولو كنا قد فهمنا البحيرة ككائن حيّ، لربما حافظنا على أنفاسها الأخيرة، بدل أن نكون نحن من كتمها.

3ـ حرائق الجزائر(2021):

في صيف 2021، لم تكن الجزائر تحترق فقط، بل كانت تصرخ تحت لهبٍ لا يُقاوَم، وصمتٍ إداري لا يُغتفر. في منطقة القبائل، حيث الغابات تلبس الجبال كساءً أخضرَ منذ قرون، وحيث الأشجار شاهدة على حضارة ضاربة في الجذور، اندلعت النيران كما لو أن الطبيعة نفسها أصيبت بنوبة غضب، وامتدّ اللهيب كألسنة جوعى تلتهم كل ما يعترض طريقها: شجرًا، وحجرًا، وبشرًا.

الحرارة كانت غير مسبوقة، والرطوبة خذلت الأرض، والريح تواطأت مع النار. أما الغابات، فكانت كثيفة مترامية بلا فواصل، كأنها أعدّت نفسها منذ زمن لتكون فريسة سهلة حين يغيب العقل البشري عن واجبه. لم تكن هذه الحرائق مجرد نتيجة لموجة حر، بل كانت حصاد سنوات من غياب التخطيط، وسوء التقدير، والتقاعس عن صيانة الحزام الأخضر الذي يحمي الأرواح قبل الأشجار.

حين اشتعلت النيران، لم يكن في وجهها سوى السكان البسطاء، الذين لم ينتظروا نداءً رسميًا كي يخرجوا بأجسادهم، بجرادل ماء، بفؤوس ومجارف، يواجهون جحيمًا لا يرحم. رجال يركضون وسط الدخان، ونساء يبلّلن الشراشف ليحمين الأطفال، وشيوخ يحملون أغصانًا مبللة وكأنهم يقاتلون بها وحشًا أسطوريًا خرج من فم الجبل. لم تكن هناك طائرات كافية، ولا مضخات ولا خطوط مياه معدّة للطوارئ، ولا حتى تعليمات واضحة. فقط شعبٌ يحاول إنقاذ ذاكرته قبل أن تلتهمها ألسنة النسيان.

غابت الخطط الاستباقية كما غابت العدالة المناخية، وغاب التنسيق بين الجهات الرسمية كما غاب الوعي بمدى خطورة ما يحدث. المناطق كانت معزولة، والطرقات غير ممهدة لوصول فرق الإطفاء، وإن وصلت، كانت تواجه نارًا أكبر من قدرتها، وزمنًا لا يكفي لاحتوائها. صارت الجبال مقابر خضراء، وسُجلت أسماء الشهداء الذين قضوا وهم يحاولون إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه.

لم تكن الكارثة حتمية، لكنها جاءت في ظل غياب سيناريوهات وقائية، وحرائق الغابات ليست مفاجآت في منطقة تعاني من تغيّر مناخي متسارع. لو وُضعت خطوط عازلة، لو أُعدّت خطط إخلاء محلية، لو تمت صيانة ممرات الغابات، لو فُعلت برامج إنذار مبكر ومراقبة جوية، لربما كنا أمام قصة مقاومة ناجحة لا مذبحة بيئية.

وما يحزّ في القلب أن الغابات المحترقة لم تكن مجرد أشجار، بل كانت تمثّل تراثًا، وموطنًا للكائنات، وسندًا بيئيًا لأجيال قادمة. ومع كل شجرة احترقت، احترق جزء من الأمل في أن تكون لنا بيئة تحمينا بدل أن نكون دائمًا في موقع الدفاع المتأخر.

حرائق 2021 في الجزائر، كانت جرس إنذار مدوٍّ، لكنه للأسف، جاء بعد أن طُمرت صرخات الغابة تحت رمادٍ كثيف… رماد ما كان يجب أن يكون.

النتيجة لم تكن مجرد مشاهد مؤلمة تُعرض في نشرات الأخبار، بل كانت جرحًا مفتوحًا على اتساع الذاكرة الوطنية، ينزف من كل زاوية دخان، ومن كل صرخة صدرت في العراء ولم تجد مجيبًا. فقد الأرواح لم يكن خسارة عابرة، بل انطفاءًا فجائيًا لأعمدة كانت تسند البيوت وتزرع الأرض وتحرس الغابة. رجال ونساء وأطفال ماتوا وهم يحاولون النجاة، لا لضعفٍ فيهم، بل لفراغٍ في خطط الدولة، ولغياب منظومات الحماية التي لا تُختبر بالكلمات، بل بالميدان.

قرى كاملة التهمتها النيران في لحظات، لم تترك خلفها سوى جدران سوداء وأحذية محترقة ودموع لم تجف بعد. لم يكن الحريق مجرد كارثة بيئية، بل امتحانًا قاسيًا فشلت فيه المؤسسات حين تبيّن أن الخطر كان حقيقيًا، لكن الجهوزية كانت مجرد وهم. الأدوات التي وُعد بها المواطن غابت، والتجهيزات التي رُصِدت لم تظهر، وكأن الدولة لم تقتنع بعد أن الغابة مواطن، وأن الشجرة نبض من نبض الوطن.

أما البيئة، فخسارتها لا تُقاس بعدد الهكتارات التي احترقت فقط، بل بالكائنات التي اختنقت، والتربة التي احترقت خصوبتها، والهواء الذي تلوّث لسنوات قادمة. اختلت المنظومة البيئية في دقائق، وسُحبت غابات من الوجود كانت تستغرق قرونًا لتكتمل. والغابة حين تحترق، لا تعود كما كانت، بل تعود خائفة، هشّة، تنبت وفي قلبها غصة.

الحرائق لم تكشف هشاشة الغابة فقط، بل هشاشة أنظمتنا في مواجهتها. فجوة واسعة بين ما هو مكتوب وما هو موجود، بين حجم الخطر وحجم الجهوزية، بين ما نراه في البلدان المتقدمة من خطط استباقية، وما نملكه نحن من أدوات بدائية. وبين هذين العالمين، كان المواطن وحده من يدفع الثمن… حريقًا بعد حريق، وفقدًا بعد فقد، وصمتًا لا تطفئه سوى الحقيقة: أن الجهل بمخاطر الكوارث لا يعذر، وأن الإهمال فيها لا يُغتفر.

انهيار عقارات في القاهرة والإسكندرية (متكررة):

في قلب العاصمة القاهرة، وعلى ضفاف المتوسط في الإسكندرية، تتكرر المشاهد كما لو كانت لعنة تكتب نفسها في عناوين الأخبار: مبنى ينهار، صرخات تتصاعد من تحت الأنقاض، وركامٌ يغطي ما كان بالأمس بيتًا، وضحكة، وصورة معلقة على الحائط. لا زلنا نحصي الضحايا بعد كل سقوط، ولا زلنا نكتشف بعد كل مأساة أن المبنى لم يُراجع هندسيًا، وأن التربة لم تُختبر، وأن الخرائط لم تُحدّث، وكأن العمران يسبق الضمير، وكأن العشوائية صارت هي القاعدة لا الاستثناء.

الانهيار لا يحدث فجأة، بل هو زلزال بطيء تبدأ أولى ارتداداته حين يُبنى الطابق الأول فوق أنقاض قوانين مهملة، وحين يُمدّ الطابق الثاني دون أساس، وحين يُعلّق الثالث في الهواء ببركة الرشاوى والسكوت والتغاضي. في الأحياء الشعبية والضواحي القديمة، يرتفع البناء كأن الأرض لا تعترض، لكنها تعترض بصمت، تنتظر لحظة الخذلان الكبرى، حين تعجز الجدران عن حمل الخطيئة، فينهار كل شيء دفعة واحدة.

هناك مبانٍ شُيدت فوق أراضٍ رخوة، أو فوق أنابيب مياه وصرف لم تُستبدل منذ عقود، تُسرّب ما يكفي لتآكل الجذور الصلبة وتحويل الأرض إلى كمين. وهناك عمارات أضيفت طوابقها ليلاً، في غفلة من الضوء ومن القانون، بخلطات إسمنت لا تصلح لسدّ حفرة، ناهيك عن حمل عائلات وأحلام وأثاث وذكريات. لا أحد يسأل: هل يحتمل هذا البناء ما يُضاف إليه؟ ولا أحد يفكّر: ماذا لو انهار في نوم ساكنيه؟ وحدها الكارثة تُجيب، حين يصبح الجواب جثةً على حافة الإسفلت، أو طفلًا تُسحبه فرق الإنقاذ من بين الأنقاض بعد فوات الأوان.

ولا يقتصر الأمر على المساكن وحدها، بل يمتد إلى المحلات، والمدارس، والمصانع الصغيرة المتداخلة في النسيج العشوائي للمدن. ممرات ضيقة، طرق غير ممهدة، شبكات كهرباء متشابكة كالثعابين، ومجاري مفتوحة تنهش في الأساسات تحت الأرض، فيما تبدو البنايات من الخارج ثابتة، قوية، لكنها في الحقيقة معلقة بخيط واهٍ من الصمت المؤسسي.

والأخطر من ذلك أن كثيرًا من هذه الانهيارات كان يمكن تلافيها، لو وُجدت مراجعات دورية حقيقية، لا شكلية. لو كانت هناك قاعدة بيانات دقيقة للمباني الآيلة للسقوط، لجان تفتيش مستقلة لا تُسكتها مكالمة هاتفية، أو توقيع خائف في سجل رسمي. لو اعتُبر الأمن العمراني جزءًا من الأمن القومي، لما أُهملت الأحياء القديمة بهذه الطريقة، ولما تُركت الفوضى المعمارية تزحف في قلب المدن.

في النهاية، حين ينهار المبنى، لا ينهار وحده. تسقط معه ثقة الناس في الدولة، وفي العدل، وفي الحق في السكن الآمن. تسقط معه حياة بأكملها، ويُعاد طرح السؤال المؤلم في كل مرة: كم من الأرواح يجب أن تُزهق حتى نوقن أن التخطيط لا يحتمل التسويف، وأن العمران ليس حقل تجارب فوق رؤوس البشر؟

النتيجة لم تكن صدمة، بل مرآة صدئة عكست سنوات من الإهمال المزمن، وإصرار على تجاهل أصوات الأرض حين تئن تحت الأحمال الزائدة. لم يكن سقوط المباني مفاجئًا بقدر ما كان متوقعًا، كأن المدينة نفسها كانت تحبس أنفاسها كل يوم في انتظار اللحظة التي ينفلت فيها أحد أركانها. عشرات الضحايا، لا لأنهم أخطأوا، بل لأن النظام أخطأ في رؤيتهم، ولم يصغِ لتحذيرات الحوائط المتشققة، ولا لشكاوى السكان التي طمرها الروتين واللامبالاة.

كان من الممكن أن تُنجى الأرواح لو فُهمت المخاطر العمرانية كما يجب، لو خضعت التربة لاختبارات علمية قبل أن تُلقى فوقها أعمدة الباطون، لو وُضعت كل لبنة في مكانها بمعرفة لا بصدفة، وبمسؤولية لا بمجاملة. لكن الواقع كان غير ذلك… فالبناء سبق الوعي، والربح سبق السلامة، وما بين هذا وذاك، سقط البشر، وسقط معهم سؤال: هل يستحق الإنسان أن ينهار فوقه سقفه كي يُؤخذ على محمل الجد؟

. زحف التصحر والجفاف في المغرب العربي والسودان:

تحت سماء تتغير ملامحها يومًا بعد يوم، وفي أرضٍ كانت يومًا ما خضراء وواعدة، يتسلّل التصحر كعدوٍ صامت، لا يقرع الأبواب، بل يزحف من تحتها. لا يُطلق رصاصة، بل يُفرغ الحقول من الحياة، ويفكك التربة حبةً حبة، حتى تغدو الأرض التي أطْعمت الأجداد عاجزة عن إنبات عُشب صغير. في زمن تغيّر فيه المناخ، وتقلّبت فيه الرياح كما لم تفعل من قبل، لم يعد التصحر ظاهرة نائية، بل صار واقعًا يوميًا يتسلل إلى القرى من حوافها، ويهدم صبر الفلاحين حجرًا بعد حجر.

سوء إدارة الموارد يزيد الطين جفافًا. مياه تُهدر، أراضٍ تُستنزف، محاصيل تُزرع فوق قدرتها، بلا تناوب ولا رحمة. الأرض التي كانت تستريح موسمًا لتتنفس، باتت تُستغلّ حتى الإنهاك. فتتحول الحقول الخصبة إلى صحارى شاحبة، والواحات إلى أطلال، والبذور إلى أمنيات ضائعة في مهب الريح.

في هذا المشهد القاتم، تغيب الخرائط. لا أحد يراقب التغيرات الزاحفة عبر الزمن، لا صور أقمار صناعية تُقرأ كما ينبغي، ولا أرشيفات تُحدّث، ولا تحاليل تُفكك نبض الأرض قبل أن يخفت. كل شيء يُترك للصدفة، أو يُدفن في الأدراج، بينما الأرض نفسها تنادي: أنا أختنق.

غياب الخرائط ليس غياب ألوان على الورق، بل غياب رؤية، غياب استباق، غياب دولة تعرف أن التغيرات البيئية لا تنتظر خطابات رسمية، بل تحتاج أدوات تقرأ ما بين طبقات التربة، وتترجم ما تقوله التشققات، وتفهم ما تخبئه الأرقام خلف الجفاف المتكرّر. نحن لا نعرف على وجه الدقة أين بدأ التصحر، ولا إلى أين سيصل، لأن البوصلة البيئية فقدت الاتجاه، والحقول أصبحت خرائط منسية في ذاكرة وزارة لا تملك أدوات الإنذار المبكر.

ولو كانت هناك خرائط حقيقية تُظهر التغيرات الموسمية والسنوية، تُدمج فيها البيانات المناخية مع المعلومات الجيولوجية، لربما كنا استطعنا وضع سياسات استباقية، تُنقذ ما يمكن إنقاذه، وتعيد رسم العلاقة بين الإنسان وأرضه. لكننا، بدل ذلك، نكتفي بالتفرّج على الصدع وهو يتسع، وعلى الرمال وهي تبتلع الحقول، وعلى الفلاحين وهم ينسحبون بصمت من أرض لم تعد تنتمي إليهم كما كانت.

هكذا يتسلل التصحر، لا كثورة مفاجئة، بل كخيانة بطيئة، نعرف كل تفاصيلها، لكننا نتجاهلها حتى اللحظة الأخيرة، حيث لا ينفع إنذار، ولا تُجدي نُدبة على خريطة غابت عنها ملامح الحياة.

النتيجة كانت أشبه بجرحٍ مفتوح في جسد الوطن، لا يُرى من بعيد، لكنه ينزف كل يوم من عمق التربة. تقلصت رقعة الأراضي الصالحة للزراعة كما ينكمش الأمل في عيون الفلاحين، وكأن الأرض نفسها أعلنت تعبها وتراجعت إلى الظل. باتت المحاريث تجرّ خيبتها في حقولٍ شاحبة، لا تستجيب لبذرة، ولا تردّ السلام على قطرة ماء. وغادر السكان قراهم، لا بحثًا عن الرفاه، بل هربًا من أرضٍ كانت تحتضنهم، ثم طردتهم بصمت الجفاف.

نزحوا نحو المدن المُرهَقة أصلًا، فازدادت العشوائيات ازدحامًا، واشتدّت المنافسة على لقمة العيش، ولم يعد الخطر فقط في الصحراء الزاحفة، بل في الفقر الذي ينتظرهم عند أول رصيف. ومع كل هكتار يُفقد، يتراجع الأمن الغذائي خطوةً إلى الوراء، وتصبح مائدة الفقير أكثر فراغًا، وحلم الاكتفاء الذاتي مجرد سطر في وثائق السياسة الزراعية.

هكذا، لم يعد التصحر مجرد قضية بيئية، بل أزمة وجودية تمسّ الكرامة، والاستقرار، والسيادة. لأن من يفقد أرضه، يفقد حقه في القرار، ومن لا يزرع، ينتظر—وقد لا يأتيه ما ينتظر.

لم تكن الرياح وحدها من كسرت الأغصان، ولا الأمطار وحدها من أغرقت البيوت، ولا النار وحدها من ابتلعت الغابات. كانت الكارثة دومًا حصيلة تواطؤ بين الطبيعة التي تفعل ما اعتادت، والإنسان الذي لم يفهم، أو لم يُرد أن يفهم. ففي كل مرة، كان الجهل بالخطر أو تجاهله هو الوقود الحقيقي لما احترق، وهو الماء الملوث لما فاض، وهو الفأس التي حفرت تحت أساساتنا من غير أن نراها.

المأساة لا تولد من رحم الطبيعة فقط، بل من غياب الوعي، ومن كسل المؤسسات عن أن تُحذر، وتُخطط، وتُعلّم. إن الفهم الحقيقي للمخاطر ليس ترفًا أكاديميًا ولا رفًا في مكاتب الجهات المختصة، بل هو درع الحياة، وسياج المجتمعات، وبوصلة القرارات. حين يُفهم الخطر، يُحاصر قبل أن يولد. حين يُحلّل بدقة، تُبنى استراتيجيات لا تموت مع تغيير الحكومات. وحين يتحول إلى معرفة شعبية، لا يعود الطوفان مفاجئًا، ولا الزلزال مباغتًا، بل احتمالٌ مأخوذ بالحسبان، في وطنٍ يعرف كيف يصغي لنبض الأرض قبل أن تصرخ.

الإنقاذ لا ينتظر الندم — هدف سنداي الأول: خفض الخسائر في الأرواح

الإنقاذ لا ينتظر الندم، ولا يصغي لخطابات التأبين، ولا يشفع لمن تأخر عن الفعل في ساعة الصفر. الأرواح لا تُعوّض، والدماء لا تُسترد إن سالت في فجوة إدارية أو تحت أنقاض إهمال مزمن. هدف سنداي الأول لا يتحدث عن البناء، ولا عن الاقتصاد، ولا عن المساعدات، بل يبدأ من النقطة الأكثر وجعًا والأكثر صدقًا: الحياة نفسها. كيف نحميها؟ كيف نُبقي الناس أحياء في وجه الكارثة؟ كيف نحول دون أن يتحوّل كل خطر إلى نداء استغاثة متأخر؟

خفض الخسائر في الأرواح ليس وعدًا أخلاقيًا فقط، بل هو جوهر ما تعنيه فكرة “الوقاية”. أن نمنع لا أن نرثي. أن نحفظ لا أن ندفن. أن نُخطط لا أن نُباغَت. ففي كل كارثة، هناك لحظة فاصلة بين أن تُنقذ حياة وبين أن تفقدها، لحظة لا تُقاس بالساعات بل بمدى الجاهزية، بوجود خطة، بسيارة إسعاف تعرف الطريق، بطبيب مستعد، بمأوى محصن، بصوت إنذار وصل قبل أن تطرق الكارثة الباب.

في قرية تغرق في صعيد مصر، كان بالإمكان أن ينجو الأطفال لو وُجدت قوارب مطاطية جاهزة. في جبل يحتضن عشرات الأسر بريف الجزائر، كان يمكن إجلاؤهم لو وُجدت خريطة للمسارات الآمنة. في أحد أحياء دمشق، لربما بقيت امرأة حية لو أنفاسها لم تُخنق من تحت ركام بيت هشّ بُني فوق خط صدع زلزالي معروف، لكنه لم يُؤخذ على محمل الجد.

تخفيض الخسائر في الأرواح لا يتم في لحظة الكارثة، بل يُزرع قبلها بسنوات. في المدارس حين يتعلم الطفل كيف يتصرف وقت الزلزال. في المجالس المحلية حين يُجبر المقاولون على البناء وفق معايير السلامة. في الإعلام حين تتحوّل نشرات الطقس إلى أدوات إنذار لا مجرد زينة للهواء. في القرى، حين يعلم الناس أن السيول ليست لعنة، بل خطر يمكن الاستعداد له بخزانات محصنة ومصارف نظيفة ووعي جماعي لا ينهار في اللحظة الحرجة.

لكن المؤلم حقًا أن كثيرًا من الخسائر لم تكن حتمية، بل نتيجة قرارات مؤجلة، وميزانيات أُهملت، وملفات نُسيت في زحام أولويات السياسة والروتين. فماذا يُجدي بعد أن تُسحب الجثث؟ من يواسينا حين نكتشف أننا كنا نعرف الخطر لكننا لم نتحرك؟ من يجيب عن سؤال “لماذا لم تفعلوا؟” حين يُطرح علينا من عيون ثكلى وأكفّ تنتشل أحباءها من تحت الركام؟

لذلك، لا يكون الفخر في عدد الاتفاقيات التي وقّعناها، بل في عدد الأرواح التي لم نفقدها. لا في رنّة العبارات بل في صمت القبور التي لم تُحفر لأننا كنا مستعدّين. فالنجاة ليست صدفة، بل فعلٌ واعٍ ومدروس، يبدأ من أول هدف في سنداي: أن نُقلّل الألم، ونُعلي منسوب الحياة، ونضع الروح في مقدمة كل قرار، وكل خطة، وكل ميزانية. لأنّ الإنقاذ لا ينتظر الندم… بل ينتظر من يمدّ يده قبل السقوط، لا بعده.

كيف يمكن لمصر ولدولنا هذه الموقعة أن تقلل فعليًا من أعداد الضحايا في الكوارث الطبيعية والمناخية وفي حوادث الطرقات التي اصبحت كالوحش الكاسر الي يقصف بالارواح ؟

النجاة لا تُترك للمصادفة، ولا تُلقى على عاتق القدر. ففي بلادٍ تزدحم بالمخاطر كما تزدحم شوارعها، تصبح الحياة نفسها نوعًا من التحدي اليومي، ويغدو الحفاظ على الأرواح مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل ولا التراخي. إن أرادت مصر، وإن أرادت دولنا الموقعة على سنداي، أن تُقلّل من عدد الضحايا، فعليها أن تتوقف أولًا عن التعامل مع الكوارث كأحداث “استثنائية”، وتبدأ في التعامل معها كواقع دائم، كظلّ يتبع كل خطوة، ينتظر فقط لحظة الغفلة لينقض.

لا بد أن نبدأ من حيث نخطئ دومًا: البيانات. فكيف نمنع الموت ونحن لا نعرف خريطته؟ كيف نواجه خطرًا لم نحدده بدقة؟ نحتاج إلى خريطة وطنية لكل أنواع المخاطر، متاحة ومفتوحة، تُرسم فيها أعشاش السيول، وممرات الزلازل، ونقاط ضعف الجسور، ومناطق التربة غير المستقرة، ومراكز الكثافة السكانية العشوائية. فالكارثة لا تضرب من المجهول، بل من مكان معلوم تجاهلناه.

ثم نأتي إلى البنية التحتية التي تتهالك تحت وقع المطر وتنهار تحت أقدام الزمن. علينا أن نراجع، لا أن نرقي. أن نعيد بناء ما لم يُبْنَ على أسس علمية، لا أن نضع لافتة تحذير ونمضي. كم من طريق يشق الجبال دون حواجز حماية؟ كم من كوبري يحمل آلاف السيارات لكنه لا يحتمل زفرة زلزال خفيف؟ كم من قرية تعيش على سفح تآكل منذ سنوات ولا أحد أنذرها؟

أما الطرق، فصارت أشبه بحقول موت متحركة. لا لأن الطريق غادر، بل لأننا سلّمناه الأرواح طواعية. علينا أن نكفّ عن دفن الحقيقة في بيانات المرور، فالمسألة ليست فقط في السائق، بل في التخطيط، في الإنارة، في الصيانة، في غياب الإسعاف القريب، في تقاطع قاتل لم تُركب عنده إشارة ضوئية واحدة. كم من أرواح تُزهق يوميًا لأن مهندسًا اختصر المسافة، أو مسؤولًا قرّر تأجيل الإصلاح، أو سائقًا لم يتلقّ يومًا تدريبًا حقيقيًا؟

والأخطر من كل هذا هو الوعي المجتمعي، أو بالأحرى، غيابه. فلو كانت الوقاية من الكوارث مادة تُدرس من الصغر، لو كانت محاكاة الإخلاء أمرًا دوريًا لا مناسبة نادرة، لو كنا نربّي الأجيال على فهم الخطر كما نربّيهم على القراءة، لربما أصبح الشعب كله خط دفاع لا ضحية. الناس لا يخافون من الكارثة، بل من جهلهم بكيفية النجاة منها. فهل أخبرناهم يومًا كيف يتصرفون عند الزلزال؟ كيف يحتمون من السيول؟ كيف يُبلغون عن تصدعات في المباني أو تسريبات خطيرة؟ أم أننا ننتظر أن يضربهم الخطر أولًا، ثم نلومهم لأنهم لم يعرفوا كيف ينجون؟

ثم يأتي الدور السياسي والمؤسسي. فلا قيمة لأي خطة إن لم تكن مدعومة بميزانية، ولا معنى لأي بروتوكول إن لم يُدرّب عليه العاملون، ولا فائدة من إعلان الطوارئ إن لم تجهز الملاجئ، وتُفعل فرق الإنقاذ، وتُنسّق الجهود بين الوزارات لا أن تتصارع على الاختصاص. نحن بحاجة إلى دولة لا ترتبك أمام الكارثة، بل تقف واثقة، لأنها سبقتها بخطوة.

وفي ظل التغيّرات المناخية، تصبح الاستعدادات التقليدية عتيقة. فالمطر الذي كان يسقط كنعمة، قد يأتي الآن كغضب. والرياح التي كنا نستقبلها ببرودة، قد تهزّ شبكات الكهرباء والمياه والمواصلات. لهذا، يجب أن تُبنى المدن الجديدة والمعمار القادم على فلسفة “النجاة”، لا على جمال الشكل. أن تُوضع المياه في الحسبان، والحرارة في الاعتبار، والضغط البشري في قلب التصميم.

نعم، يمكننا أن نُقلل من عدد الضحايا. يمكننا أن نحمي الناس، لا بعصا سحرية، بل بإرادة سياسية، وعلم دقيق، وضمير يقظ. أن نؤمن بأن كل روح تُنقذ، هي شهادة على نجاعة النظام، ودليل أن الحياة لا تُدار بردّات الفعل بل بحكمة الاستباق. فالحياة ليست اختبارًا للموت، بل فرصة لنمنح الناس حقهم في الأمان، وكرامتهم في البقاء. والكارثة، مهما كان وجهها، لا تُهزم إلا حين نكون على أتمّ الجهوزية… لا بعد أن يُنادي المنادي أن الوقت قد فات.

غياب نظم إنذار مبكر فعالة في المناطق الفقيرة والعشوائية، وافتقار السكن الشعبي لأبسط شروط السلامة. 

في المناطق الفقيرة والعشوائية، لا يقرع الخطر الباب، بل يقتحم النوافذ الهشة ويجتاح الأسطح الصفيحية دون استئذان. هناك، لا يُسمع صوت الإنذار، لا لأن الخطر لم يأتِ، بل لأن الإنذار نفسه لم يُخلق لهم. الصرخات تأتي متأخرة، حين تنهار الأسقف على من كانوا يحلمون بلقمة في المساء، أو حين تسحب السيول أطفالًا لم يعرفوا يومًا أن الماء يمكن أن يقتل. في تلك البقاع، تغيب التكنولوجيا كما يغيب العدل، ويُختصر مصير الناس في لحظة عبثية لا تملك فيها الأم سوى الصراخ، ولا يملك الأب سوى الحفر بيديه بحثًا عن بقايا حياة تحت الركام.

غياب نظم الإنذار المبكر في تلك المناطق ليس غلطة تقنية، بل جريمة تنموية. لا شاشات تظهر، ولا رسائل تُرسل، ولا أصوات تسبق الكارثة لتنذر من لا يملكون حذاءً يُسرعون به إلى الأمان. يُكتب “خطر سيول” في تقارير رسمية توزع على الجهات المختصة، لكن لا أحد يطرق باب “سيدة من عزبة الصفيح” ليقول لها: “ارفعي أطفالك، الليلة الأرض ستفيض تحت قدميكِ”. فلا أبراج الاتصال تصل، ولا خرائط الإنذار تُرسم في جدران البيوت الطينية، ولا مكبرات صوت تحذر من كارثة تنزلق نحونا في صمت.

ثم يأتي السكن… ذاك المأوى الذي من المفترض أن يحمي، لكنه يتحوّل في لحظة إلى فخ قاتل. جدران متشققة، أسطح بلا تدعيم، نوافذ لا تُغلق، ومداخل تضيق حتى عن مرور سيارة إسعاف. مبانٍ ارتُجلت فوق أراضٍ رخوة، فوق مصارف قديمة أو حواف صخرية قابلة للانهيار. لا هندسة في التخطيط، ولا قانون يحكم البناء، ولا مراقبة تستبق السقوط. فقط الناس، وأحلامهم، وخوفهم الصامت من الشتاء القادم.

في أحياء كهذه، لا يُدرَّب أحد على الإخلاء، ولا يُجرى تمرين واحد لمواجهة خطر محتمل. حتى المدارس – إن وُجدت – لا تحوي خرائط هروب، ولا تُمارَس فيها ثقافة الوقاية. لأن الفقر حين يُحاصر الإنسان، يجعل النجاة ترفًا بعيد المنال. وكأن الأرواح الرخيصة ليست جديرة بأن يُبذل من أجلها جهد، أو تُجهّز لها خطة، أو تُصمَّم لها تقنية.

لكن من قال إن الإنذار المبكر يجب أن يكون قمرًا صناعيًا؟ أليس من الممكن أن يكون رجلًا من الحي يتلقى تدريبًا؟ أليست خريطة مطبوعة على جدار كافية لإنقاذ أسرة؟ أليست مكالمة هاتفية جماعية، أو رسالة نصية، أو مكبر صوت على سطح المسجد، أدوات قادرة على دق جرس النجاة؟

إن من يعيشون في الهامش لا يموتون لأن الكارثة أقوى منهم، بل لأننا لم نرَهم في حساباتنا. لأننا لم نجهز لهم جسرًا للفرار، ولا سلّمًا يعلو على الطوفان، ولا نافذة تطل على فرصة نجاة. ما معنى أن نملك أحدث محطات الرصد في العاصمة، إن لم نملك ضميرًا يدفعنا لنمد صوت الإنذار إلى العشوائيات؟ ما نفع أن نخطط للأبراج أن تصمد، ونحن نعلم أن أول من يُبتلع في الزلزال هم من يسكنون البيوت المتراصة، المائلة، المنسية؟

الإنذار المبكر ليس جهازًا فحسب، بل قرار. قرار بأن نرى الجميع، لا بعضهم. بأن نمنح من لا يملكون القوة نفس حق النجاة. بأن نقول بصوت واضح: لا فرق بين من يسكن فيلا وبين من يعيش في غرفة صفيح… في لحظة الكارثة، كلهم بشر، وكلهم يستحقون أن يسمعوا النداء قبل أن ينطفئ الأمل.

أحياء عشوائية مبنية على حواف الجبال أو بجوار مجاري السيول، لا خطط إخلاء، ولا تدريب مجتمعي. 

في تلك الأحياء التي تنمو في غفلة من الزمن وتحت أنقاض السياسات، تتجاور البيوت كما تتجاور الأحلام المهددة بالانهيار. مبانٍ عشوائية ترتفع فوق حواف الجبال، تتشبث بالصخور كما يتشبث سكانها بالحياة، متجاهلين أن التربة هناك لا تغفر كثيرًا، وأن المطر حين يأتي، لا يُميز بين حجرٍ هشّ وحائط من أمل. وعلى ضفاف مجاري السيول، تتوزع البيوت كأنها تحدٍ للطبيعة، كأن ساكنيها يراهنون كل شتاء على أن الغضب السماوي سيتأخر يومًا آخر، أو سيتجاوزهم صدفة.

لا أحد أتى إليهم بخريطة إخلاء، ولا أحد قال لهم أن السيول لا تطرق الأبواب بل تقتلعها، وأن الانهيارات الأرضية لا تمنح دقيقة واحدة للتفكير. هم فقط بنوا بما توفر، عششًا تتحول إلى بيوت، ثم إلى أحياء كاملة لها أسماء على الورق ولا وجود في خطط الإنقاذ. لا مراكز إيواء، ولا مخارج طوارئ، ولا نقاط تجمّع. حتى الشوارع الضيقة التي تفصل بين المنازل تُغلق مع أول هطول، وتحاصرهم لا بالماء فقط، بل بالخوف والعجز والانفصال التام عن العالم.

حين تسقط أمطار غزيرة، لا يهرع إليهم أحد. الدفاع المدني قد لا يعرف الطريق، وقد لا يملك الوسائل الكافية. الجبل ينهار على من تحته، والسيل يجرف من بجواره، والموت يحلّ كضيف ثقيل لا يمكن طرده. الناس يصرخون في العتمة، يحملون أبناءهم فوق الأكتاف، يطرقون الأبواب بحثًا عن علوّ ينقذهم، لكن لا علُو في الأحياء المبنية على الحافة، سوى السماء التي تتفرج بصمت.

وحين تهدأ الكارثة، تُحتسب الخسائر بالأرقام الباردة، يُقال: عشرون قتيلًا، ثلاثون جريحًا، ومئات من المشرّدين. لكن لا أحد يحصي كم من مرة نُبهنا أن لا نبني هناك. لا أحد يحاسب من سمح أو غض الطرف أو أدار ظهره لتلك الأحياء التي تنمو من قهر، وتُبنى من فقر، وتُهدم من أول زفرة غضب من الطبيعة.

أين خطط الإخلاء؟ أين تدريبات الاستجابة؟ لا شيء من ذلك يمر في تلك المناطق. الأطفال يكبرون دون أن يتعلموا كيف يحمون أنفسهم، والنساء لا يعرفن إلى أين يهربن إن فاض الوادي، والرجال يظنون أن شجاعتهم تكفي، لكنها لا تحمي حين تتحرك الأرض أو يعوي السيل. كل شيء مبني على العشوائية، حتى النجاة نفسها.

لو كنا صادقين مع أنفسنا، لعرفنا أن المشكلة ليست فقط في الجغرافيا، بل في الإهمال المتراكم، في غياب التخطيط الحضري العادل، في ترك الناس يبنون حياتهم فوق فوهة الخطر لأن لا بديل آخر، ولأن الدولة تأخرت كثيرًا في رؤيتهم، أو رأتهم لكنها لم تبال.

تلك الأحياء لا تحتاج إلى تعاطف بعد الفاجعة، بل إلى رؤية استباقية قبل أن تقع. تحتاج إلى خرائط، إلى نقاط إنذار، إلى تدريبات ميدانية، إلى دمجٍ كامل في خطط الطوارئ. نحتاج أن نُخرِجهم من الهامش، لأن الكارثة حين تضرب، لا تسأل عن شرعية البناء، بل تأخذ من وجدته أمامها، دون هوادة.

في قلب كل بيت هناك، تسكن قصة، وتسكن عائلة، ويسكن أمل. لكن فوق السقف، دائمًا ما تسكن الغيمة الثقيلة… والهاجس الأبدي: متى سينهار كل شيء؟

بكل امتدادها وتفاصيلها، هذه الصورة ليست خيالًا أدبيًا، بل واقع يتكرر في بلادنا عامًا بعد عام، بنفس الحدة، وبنفس الإهمال. وما هذه الكلمات سوى انعكاس مرير لقصص حقيقية، لأحياء شاهدة على غياب الدولة حين تُحتاج، وحاضرة فقط بعد أن يُرفع الغبار ويُدفن الضحايا.

في مصر، أحياء كثيرة بُنيت على حواف الخطر. منشية ناصر في القاهرة، تلك التي ارتفعت فوق جبل هشّ، حملت واحدة من أبشع الفواجع حين انهار صخور الدويقة عام 2008 على رؤوس مئات العائلات، فدفن من دفن، وبقي آخرون يبحثون عن أجساد أحبائهم بأيديهم. لم يكن هناك إنذار، ولا خطة إخلاء، ولا حتى سيارات إسعاف كافية. الكارثة لم تكن في سقوط الجبل فقط، بل في الصمت الذي سبقها، والخذلان الذي تلاها.

وفي أسوان، شهدنا منذ سنوات قليلة فيضانات مفاجئة اجتاحت المناطق العشوائية القريبة من الوديان، جرفت معها منازل من الطوب اللبن، وتسببت في مئات الإصابات والنزوح، دون أن يكون هناك تحذير مسبق، رغم أن التوقعات الجوية كانت معروفة. حتى بعد الكارثة، لم تصل المساعدات سريعًا، وتُرك الأهالي لساعات طويلة في العراء.

في المغرب، وتحديدًا في منطقة الحوز، لم تكن مأساة الزلزال الأخير في سبتمبر 2023 مجرد مأساة طبيعية، بل كانت كارثة مركّبة، تفاقمت بسبب عشوائية البناء فوق المرتفعات، وسوء البنية التحتية، وغياب أي تدريب استباقي على مواجهة الزلازل. كانت البيوت تتساقط كأوراق الخريف، لأن أحدًا لم يتدخل من قبل ليقول إن الأرض هناك تتحرك، وإن البناء التقليدي لا يقاوم غضبها.

وفي لبنان، حين ضربت السيول قرى البقاع، وجرفت معها الطرق والمزارع والمنازل، لم يكن السكان يعرفون إلى أين يهربون. لا ملاجئ، لا جسور، ولا تنسيق بين البلديات. فقط صراخ ونداءات على وسائل التواصل، ووعود تُقال بعد أن يُطوى الضحايا تحت الطين.

وفي ليبيا، كانت الكارثة الأكبر. درنة ليست فقط مدينة ضاعت، بل درس مرعب في ما يمكن أن يحدث حين تغيب خطط الطوارئ. حين انهار السدان بسبب أمطار عارمة في سبتمبر 2023، جرفت المياه المدينة بمن فيها، آلاف القتلى، وآلاف المفقودين. لم يكن هناك تحذير واضح، ولا خطة إجلاء، ولا حتى تقدير حقيقي لحجم الخطر، رغم أن السدين كانا معروفين بالهشاشة. إنها كارثة بحجم دولة، كان يمكن تفادي كثير من أضرارها لو تم تشغيل إنذار مبكر، لو طُرق باب كل بيت في تلك الليلة المظلمة، وقال لهم أحدهم: “اهربوا، المدينة تُغرق”.

هذه الأمثلة ليست لإثارة الحزن، بل لتثبيت الحقيقة: إن لم تُدمَج تلك الأحياء العشوائية والمهمّشة في الخطط الوطنية لإدارة الكوارث، فسنظل نكتب رثاءً جديدًا كل عام. فكما أنّ الخطر لا يميز بين غني وفقير، كذلك يجب أن لا تُميز الدولة في من تمنحه الحق في النجاة. كل بيت على حافة الجبل، وكل مأوى قرب مجرى السيل، وكل زقاق ضيق لا تدخل فيه سيارة إنقاذ… هو نقطة على خريطة الوطن، ويجب أن يُقرأ كأولوية، لا كهوامش تُنسى بعد العاصفة.الإنذار لا يجب أن يأتي بعد فوات الأوان. الإنذار يجب أن يكون عنوانًا دائمًا للحياة… لأن كل فاجعة تبدأ بصمت.

في مصر، كما في شقيقاتها من الدول النامية، لا تزال الحقيقة حبيسة الأدراج، والبيانات كنزًا مكنونًا لا يُفرَج عنه إلا بعد فوات الأوان، وربما لا يُفرَج عنه أبدًا. حين تلوح الكارثة من بعيد، لا نجد بين أيدينا خريطة واضحة لما نواجه، بل ظلالًا من تقديرات، وأرقامًا عتيقة لا تقرأ الحاضر ولا تنبئ بالمستقبل. نبحث عن سجلّ لضحايا السيول فنجد جداول منقوصة، نطلب خارطة زلزالية فنُقابل بالصمت، نستفسر عن البنية التحتية في القرى الجبلية فلا نُمنح سوى ملامح إنشائية مبتورة.

البيانات، وهي الأساس لكل تخطيط عقلاني وقرار رشيد، تُعامل في بعض الوزارات كما تُعامل الأسرار العسكرية. وكأن معرفة عدد الأسر المعرضة للغرق، أو نوعية التربة تحت حيٍّ شعبي، أو عدد الأبنية الآيلة للسقوط في مدينة مزدحمة، هو تهديد للأمن القومي لا أداة لإنقاذ الأرواح. تُحجَب المعلومات لا لخطورتها، بل لكسل إداري، أو خوف بيروقراطي، أو غياب كامل للرؤية التي تؤمن أن الوقاية تبدأ من العلم، وأن فهم الخطر نصف النجاة.

تتراكم الوثائق في رفوف مكاتب لا يدخلها ضوء، بينما المزارعون في الصعيد لا يعرفون إن كانت أراضيهم مهددة بانهيارات ترابية، وأهالي السواحل لا يعلمون إن كان منسوب البحر سيغمر قراهم في موسم الشتاء القادم. نُشيّد مدنًا جديدة دون مسح زلزالي حقيقي، ونمد طرقًا فوق أراضٍ رخوة بلا تقييم جيولوجي دقيق، ثم نُفاجأ إذا ما تصدّعت الأساسات أو تهدمت البنية بعد أول موجة مطر غزير.

لا يوجد إنذار بلا معلومة، ولا يوجد استعداد بلا تحليل، ولا يوجد تحليل بلا بيانات مفتوحة. ولكننا، للأسف، لا نزال في زمن تُخفى فيه مؤشرات الهشاشة بدل أن تُعلَن، وتُمنع فيه الدراسات الميدانية بدل أن تُشجّع، ويُخشى فيه من الحقيقة لأنها تفضح عمق التراخي وعراقة الإهمال.

وفي ظل هذا الغياب، يصبح كل قرار مرتجلًا، وكل تدخل متأخرًا، وكل كارثة مفاجئة رغم أنها لم تكن كذلك أصلًا. فالكوارث لا تولد من العدم، بل تتسلل بين ثغرات المعرفة، وتكبر في فراغ التنبؤ، وتضرب حين نكون مشغولين بطباعة تقارير لا تُقرأ، أو بتبادل المسؤوليات في اجتماعات لا تنتهي.

ما نحتاجه ليس أجهزة جديدة فقط، بل فلسفة جديدة: أن تكون المعلومة حقًا عامًا لا حكرًا بيروقراطيًا. أن تُفتح قواعد البيانات لكل باحث ومخطط وصانع قرار. أن تتحول الدولة من خزان معلومات مغلق، إلى مرصد نابض بالحياة، يرى قبل أن يُفاجَأ، ويُحلل قبل أن ينهار، ويُقرر قبل أن يُضطر إلى الإنقاذ تحت الركام.

فحين تصبح البيانات متاحة، تتحول الخطط إلى مسارات، والإنذارات إلى صوت يسبق العاصفة، لا أن يلحقها بندم. حين تصبح الحقيقة مكشوفة، يتراجع الظن، ويخفت الارتجال، وتبدأ الدولة في بناء جسرٍ حقيقي بين ما تعرفه وما تفعله. لأن الحياة لا تُحمى بالشعارات، بل بالأرقام التي تقود إلى الأفعال… ولا يمكننا أبدًا أن نربح معركة الخطر، ونحن نُخفي خرائطه في الأدراج المغلقة.

أين قواعد البيانات؟ من يحق له الاطلاع؟ وأين خطط التوعية المجتمعية الفعالة؟

أين قواعد البيانات؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في عمقه أشبه بنداء استغاثة أطلقه العقل الجمعي في وجه ضبابية القرار وتراكم الغموض. أين تُخزَّن تلك الأرقام التي قد تُنقذ حيًا بأكمله من الغرق؟ من يحتفظ بقوائم المنازل الآيلة للسقوط؟ من يرسم خرائط الفيضانات المتكررة؟ من يُحصي عدد السكان المقيمين فوق خطوط الصدع؟ وإن وُجدت تلك الكنوز الرقمية، فمن يملك مفتاح بابها؟ ومن يُؤمن بأن فتحه قد يُحدث فرقًا بين حياة وموت؟

في كثير من دولنا، تُعامَل البيانات كما تُعامَل التحف النادرة: محجوبة، مخزنة، بعيدة عن العيون. تحتفظ بها مؤسسات مغلقة لا لسبب سوى أنها ورثت عادة الحجب، وألفت ثقافة الاحتكار. لا يعرف الباحث كيف يصل، ولا يجد الصحفي إلا الأبواب المغلقة، ولا يُمنح المخطط الحق في رؤية الصورة الكاملة، فيضطر إلى التخمين بدلًا من البناء. نحن نُشيِّد مشاريع تنموية كبرى دون أن نعرف، فعليًا، من يسكن في محيطها، وما المخاطر المحدقة بهم، وما البنية التي تقوم عليها الأرض التي تُزرع فيها الأحلام.

قواعد البيانات، في البلدان التي تتنفس الشفافية، هي العمود الفقري للتنمية. هناك، تُتاح المنصات للجميع: للمواطن، وللباحث، وللمجتمع المدني. تُرسم بها الخطط، وتُقاس بها درجات الجاهزية، وتُضبط بها أولويات التمويل. أما عندنا، فالبيانات إما منقوصة، أو قديمة، أو محجوبة. نبحث عن أعداد المصابين بالأمراض المرتبطة بتغير المناخ، فنُواجه بجداول عمرها خمس سنوات. نطلب خريطة توزيع مخاطر الانهيارات، فيُقال لنا: “ليست محدثة بعد”، وكأن تحديثها رفاهية، لا ضرورة لإنقاذ الأرواح.

ثم ننتقل إلى سؤال آخر لا يقل إلحاحًا: أين التوعية المجتمعية؟ من يُعلّم أهل الحي العشوائي كيف يتصرفون إذا ما فاض الوادي؟ من يخبر الطفل القروي أن الزلزال لا يأتي بتحذير، لكن يمكن النجاة منه إن عرف كيف يختبئ؟ من يُدرب النساء على خطط الإخلاء؟ من يضع خريطة على جدار المدرسة تُرشد إلى نقطة الأمان؟

الحقيقة المؤلمة أننا نعوّل كثيرًا على ما بعد الكارثة، ولا نؤمن كفاية بما قبلها. نُرسل فرق الإغاثة بعد الانهيار، لكننا لا نُرسل فرق التوعية قبل المطر. نُفرغ ميزانيات على إعادة البناء، لكننا لا نُخصص ما يكفي لزرع ثقافة الوقاية. الناس لا يخافون لأنهم لا يعرفون، ولا ينجون لأنهم لم يُدرّبوا، ولا يطالبون بحقهم في المعرفة لأنهم اعتادوا التهميش، حتى في أكثر الأمور حيوية: النجاة.

من يحق له الاطلاع؟ سؤال يجب ألا يُطرح أصلًا. الحق في الوصول إلى المعلومة هو حق حياة، لا ورقة تُختم بخاتم موافقة. كل مواطن يقطن منطقة مهددة، له الحق أن يعرف حجم الخطر، وخريطة الأمان، وطريقة التصرف. كل حيّ يجب أن تُعلَّق فيه خارطة واضحة لما ينبغي فعله إن وقعت الكارثة. كل مدرسة يجب أن تُجري تمرينًا دوريًا على الإخلاء. كل قرية يجب أن تسمع رسالة إذاعية تحذر من عاصفة قادمة. هذا هو جوهر الحوكمة التي تُنقذ، لا التي تُبرر.

البيانات لا يجب أن تسكن في الرفوف. والتوعية لا يجب أن تكون مجرد شعار في حملة موسمية. المطلوب منظومة تنفتح على الناس، لا تنغلق عليهم. منظومة تؤمن أن المعرفة تُوزَّع كما تُوزع الخبز… لأنها تُشبع الجوع إلى الأمان، وتمنح الفقير في العشوائيات ذات الفرصة التي يملكها قاطن الأبراج. ربما حينها، فقط حينها، يصبح السيل مجرد ظاهرة طبيعية، لا مأساة بشرية… ويصبح الجبل مكانًا للسكن الآمن، لا فخًا ينتظر الانهيار.

غياب نظم الإنذار المبكر في أماكن الفقر والمخاطر الطبيعية، مثل سيوة، أسوان، أطفيح، وسيناء، وافتقار المدارس لمناهج تربّي على فهم البيئة. 

في سيوة، حين تهدر السماء فجأة فوق الواحة الصامتة، لا تُسمع صافرات إنذار، بل صرخات تأتي من بعيد، أو حكايات تُروى بعد أن يجف الماء ويُدفن من دُفن. في أسوان، حين يعلو النيل عن عهده، لا تسبق الفيضان رسائل إلى الهواتف، ولا خرائط توجيهية على الجدران الطينية، بل فقط حدسُ الفلاحين وخوفُ الأمهات. في أطفيح، حين تُضرب الأرض وتنهار البيوت فوق ساكنيها، لا توجد محطة تقيس الزلازل، ولا خطة تُفعل، ولا حتى تدريب في المدارس على كيفية الاتكاء على الحياة إن مالت الأرض. وفي سيناء، حيث تتقاطع الرمال مع الريح، والجبال مع السيول، يعيش الناس في مواجهة دائمة مع الطبيعة، بلا درع، بلا صوت استباقي، وكأن أرواحهم عالقة بين خريطة منسية ونشرة جوية لا تصل.

غياب نظم الإنذار المبكر في هذه المناطق ليس نقصًا في التكنولوجيا فحسب، بل فجوة في العدالة البيئية، في أولويات الدولة، في إدراك أن الأحياء البعيدة عن العواصم لا تقل قيمة عن وسط المدينة. أن الطفل في مدرسة بدوية في العريش، أو التلميذة في واحة سيوة، أو الولد الجالس في فناء طيني بأطفيح، يستحق أن يعرف كيف ينقذ نفسه إن جاء السيل، أو انهار السقف، أو غضبت الطبيعة. لكن الواقع لا يمنحهم هذا الحق، لأننا لم نمنحه لهم أصلًا.

في مدارسنا، تُدرّس البيئة كفقرة سريعة، تُختصر في تعريف عام: “البيئة هي كل ما يحيط بالإنسان”، ثم يُغلق الكتاب. لا أحد يشرح أن البيئة يمكن أن تثور، أن الجبل يمكن أن ينقلب على من يسكن سفحه، أن المطر في بعض المناطق ليس نعمة فقط، بل نذير خطر إن لم نحترس. لا أحد يُعلّم الأطفال أن للسيل لغة، وأن للزلزال علامات، وأن للتربة صرخات لا تُسمع بالأذن، بل تُفهم بالمعرفة. في مناهجنا، لا مكان لخرائط الإنذار، ولا لفنّ قراءة الخطر، ولا لأبسط مبادئ النجاة.

كيف نطلب من طالب في الصف الثالث الابتدائي أن يفهم الاحتباس الحراري، بينما لم نعلّمه بعد أن لا يبني أهله بيتًا قرب مجرى السيل؟ كيف نُحمّل المجتمع مسؤولية التكيّف مع التغير المناخي، ونحن لم نمنحه الأدوات الأساسية للفهم؟ بل كيف نخطط لبنية تحتية مرنة في أطفيح، وسيوة، وسيناء، ونحن لم نعد نعرف حتى عدد السكان هناك بدقة، ولا نمط سكنهم، ولا عدد المدارس التي تضمهم؟

غياب الإنذار ليس فقط تقنيًا، بل فكريًا وتربويًا. غياب في السياسات، في الثقافة العامة، في الإعلام، في الخيال المدرسي، وحتى في القصص التي نرويها لأطفالنا قبل النوم. لا أحد يخبرهم أن الطبيعة قد تفاجئهم، لكن يمكنهم أن يستعدوا. لا أحد يغرس فيهم أن الأمان يبدأ من المعرفة، وأن النجاة لا تُورَّث، بل تُدرّس.

ولأن الكارثة لا تميز بين من فهم ومن جهل، فهي تأتي كما هي، بلا مجاملة. تأخذ من سقط في غفلة، ومن لم يصله التحذير، ومن لم تُطرق مدرسته يومًا بخبير جيولوجيا أو ضابط حماية مدنية ليشرح له الفرق بين الموجة العادية والموجة القاتلة.

ربما حان الوقت، لا لتركيب أجهزة إنذار فقط، بل لتركيب وعي جديد. مناهج تُعيد تعريف البيئة ككائن حي له مزاج وله صبر وله لحظات غضب. مناهج تعلم أطفالنا أن حُب الطبيعة لا يكفي، بل لا بد من فهمها، وقراءة إشاراتها، والانتباه إلى تنفسها الثقيل قبل العاصفة.

ربما عندها، يصبح خبر الفيضان في أسوان مجرد إشعار يُفتح في الهاتف، لا نداء فزع في منتصف الليل. ربما عندها، يتدرب تلاميذ سيوة على إخلاء مدرستهم كما يتدرب أقرانهم في الدول المتقدمة. ربما عندها فقط، نكون قد أنصفنا أرواحًا كثيرًا ما ذهبت ضحية الجهل، لا الكارثة.

في نهاية هذا المقال، نصل إلى حقيقة لا تحتمل الجدل: أن الكارثة لا تبدأ حين تسقط الأمطار أو تهتز الأرض، بل حين نجهل أن ذلك قد يحدث. إن الأرواح لا تزهق فقط بفعل الطبيعة، بل غالبًا بفعل الصمت أمام إشاراتها، والتعامي عن قراءة ملامح الخطر في تضاريس الأرض وسلوك المناخ، وفي شروخ الجدران وصدى الريح.

الفهم العميق لمخاطر الكوارث ليس بندًا يُدرج في استراتيجية، بل هو نبضٌ حيّ، إن غاب توقف معه الإحساس بالزمن والحدود والمصير. هو عين ساهرة على تضاريس الوطن، وهو عقل يربط بين البيانات والواقع، وهو قلب يشعر بضعف الأحياء على أطراف المدن وفي قلب الصحراء.

إن أول أبواب النجاة ليس في سيارات الإسعاف، ولا في فرق الإنقاذ، بل في الوعي، في القراءة المبكرة لما تُوشك الطبيعة أن تهمس به، في نشر المعرفة لا كمادة علمية فحسب، بل كثقافة حياة. فحين يعرف الناس، يستعدّون، وحين تُفهم المخاطر، تُدار، وحين تُدار، تُمنع المآسي قبل أن تُكتب أسماؤها في قوائم الضحايا.

هكذا يبدأ طريق سنداي، وهكذا فقط يمكن أن يُترجم الهدف الأول من الاتفاقية إلى واقع: أن نحمي الحياة بالمعرفة، لا بالبكاء على ما فات.

وفي الطريق إلى المقال القادم، نفتح باب الهدف الثاني من اتفاقية سنداي، تلك الوثيقة التي وُقّعت باسم الأمل في دولنا النامية، لكنها لا تزال في كثير من الأحيان حبيسة الأدراج. سنتناول تعزيز الحوكمة في الحد من مخاطر الكوارث، لنكشف كيف يمكن للإدارة الواعية، والتنسيق المؤسسي، والتشريعات القوية، أن تُحدث الفارق بين وطنٍ هشّ ووطنٍ قادر على الوقوف بعد العاصفة. فابقوا معنا، فكل هدف من أهداف سنداي ليس مجرد شعار دولي، بل فرصة حقيقية لإعادة رسم خريطة النجاة في منطقتنا المتعطشة إلى الأمان والتخطيط والاستباق.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى