الحداثة والعولمة: الاندماج بين الفاعلية والتبعية

بقلم: أ.د.أشرف سليمان
أستاذ الاجتماع الريفي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية، وأستاذ الأمن الغذائي والسياسات الزراعية بجامعة كيوتو باليابان سابقًا
مفهوم الحداثة مفهومٌ مراوغ؛ إذ يُقدَّم غالبًا بوصفه عنوانًا للتقدم والعقلانية والتطور العلمي، لكنه يخفي في طياته، في كثير من الأحيان، ارتباطه التاريخي بالرأسمالية بوصفها منظومة عالمية للإنتاج والتراكم والهيمنة. وكما يجري الاحتفاء بالحداثة في صورتها المجرّدة، تُحجب كذلك تناقضات الرأسمالية وآثارها: الاستغلال، واتساع الفوارق الاجتماعية، ونهب الموارد، وإخضاع اقتصادات الأطراف لحاجات المراكز الرأسمالية.
ومن هذا المنظور، يثير الحديث عن «الاندماج في منظومة العولمة» سؤالًا جوهريًّا: أيّ اندماج نقصد، ومن أي موقع؟ هل نندمج بوصفنا فاعلين نمتلك القدرة على الإنتاج والتأثير وصياغة القواعد، أم بوصفنا مفعولًا بهم، نتلقى آثار المنظومة ونخضع لشروطها؟ فالولايات المتحدة مندمجة في الاقتصاد العالمي، لكنها مندمجة من موقع القوة؛ فهي تشارك في تحديد القواعد والمعايير، وتمتلك أدوات التأثير في حركة المال والتجارة والتكنولوجيا، وتدافع عن مصالحها القومية. أما دولنا، في كثير من الحالات، فتندمج من موقع التابع: تستورد قدرًا كبيرًا من احتياجاتها الإنتاجية والتكنولوجية، وتستهلك التكنولوجيا بدل امتلاك القدرة على إنتاجها، وتعتمد على الأسواق والمؤسسات المالية الخارجية، وتبقى خياراتها التنموية مقيدة بشروط لا تضعها هي. وشتّان بين اندماجٍ يصنع القواعد واندماجٍ تُفرض عليه القواعد.
لذلك، لا يبدو مفهوم الاندماج في العولمة مفهومًا إيجابيًّا في ذاته، ولا يمكن التعامل معه بوصفه طريقًا مضمونًا للتقدم. فالاندماج الذي لا يستند إلى قاعدة إنتاجية مستقلة نسبيًّا، وإلى امتلاك المعرفة والتكنولوجيا، وإلى قدرة الدولة على حماية أولوياتها الاجتماعية والتنموية، يتحول إلى شكل من أشكال التبعية، ويؤدي إلى تعميق التخلف بدل تجاوزه.
ولا تتحدد هذه المسألة فقط بطبيعة السلطة الحاكمة، عسكرية كانت أم مدنية؛ لأن هامش استقلال القرار السياسي والاقتصادي يرتبط، بدرجة كبيرة، بموقع الدولة داخل النظام العالمي وبمدى تبعيتها له. وقد تختلف أشكال الحكم، لكن التبعية تظل قائمة حين تصبح الموارد الأساسية والقطاعات الاستراتيجية والقرار الاقتصادي خاضعة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمصالح خارجية تتجاوز قدرة الدولة والمجتمع على التحكم فيها. ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق بشكل السلطة وحده، بل بطبيعة الاقتصاد، والجهة التي تسيطر على فائضه، وكيفية توجيه هذا الفائض: هل يُعاد توظيفه في الإنتاج والمعرفة والتنمية، أم يُستنزف لخدمة مراكز القوة خارج البلاد؟
ولم يكن خروج الاستعمار المباشر نهايةً لعلاقات الهيمنة والاستغلال، بل كان، في كثير من الحالات، انتقالًا إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا من التبعية. فمع انسحاب الاستعمار سياسيًّا وعسكريًّا، لم يترك وراءه فراغًا، وإنما خلّف بنى اقتصادية ومؤسسية وسياسية أُنشئت أصلًا لخدمة مصالحه. كما ترك اقتصادات تعتمد على تصدير المواد الأولية واستيراد السلع المصنّعة والتكنولوجيا، وأسواقًا مرتبطة بالمستعمر السابق، ونخبًا محلية تتشابك مصالحها مع القوى الخارجية.
وهكذا تحولت السيطرة من الاحتلال والإدارة المباشرة إلى أدوات أكثر خفاءً: التبادل غير المتكافئ، والديون، وشروط التمويل، وهيمنة الشركات الأجنبية، والاعتماد التكنولوجي، والتأثير في السياسات العامة. وبذلك لم ينتهِ الاستغلال بخروج المستعمر، بل تبدّلت آلياته وأشكاله. واستمر استنزاف الفائض الاقتصادي، واستمر التخلف في إعادة إنتاج نفسه، لا باعتباره نتاجًا داخليًّا محضًا، بل باعتباره نتيجة تفاعل بين بنى داخلية وعلاقات قوة عالمية تجعل «الاندماج» في كثير من الأحيان اسمًا آخر للتبعية.
غير أن استمرار هذه العلاقات لا يُفسَّر بالعوامل الخارجية وحدها. فالتبعية، لكي تستمر، تحتاج في كثير من الأحيان إلى شروط داخلية تعيد إنتاجها، وإلى بنى اجتماعية وسياسية وفكرية تجعل مقاومتها أكثر صعوبة. ومن هنا، فإن نقد التبعية لا يعني فقط تحليل آليات الهيمنة الخارجية، بل يقتضي أيضًا النظر في الكيفية التي تتحول بها هذه الهيمنة إلى علاقات ومصالح ومؤسسات وأفكار داخل المجتمع نفسه.
العقلية الثيوقراطية وإعادة إنتاج التبعية والتخلف
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى سيطرة العقلية الثيوقراطية، حين تتحول من مجرد تصور ديني إلى نمط في التفكير والتنظيم الاجتماعي والسياسي، بوصفها إحدى البنى الداخلية التي قد تساعد على تثبيت هذه العلاقات وإعادة إنتاجها. فهذه العقلية لا تُفهم هنا بوصفها تدينًا فرديًّا أو التزامًا أخلاقيًّا، بل بوصفها توظيفًا للقداسة في المجال العام، بما يمنح تصورات أو مؤسسات أو سلطات بشرية حصانةً ضد المساءلة والنقد.
وعندما تسود هذه العقلية، يتراجع التفكير في الأسباب التاريخية والبنيوية للتخلف، ويجري تفسير كثير من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية تفسيرًا غيبيًّا أو أخلاقيًّا مجردًا، بدل تحليلها من خلال علاقات الإنتاج والملكية والقوة والتبعية. كما تُضعف هذه البنية الفكرية قدرة المجتمع على إنتاج معرفة نقدية مستقلة، وعلى مساءلة النخب الحاكمة، وعلى بناء مؤسسات حديثة تستند إلى المواطنة والقانون والعقل العام. وبهذا المعنى، لا تكون العقلية الثيوقراطية مجرد ظاهرة ثقافية منفصلة، بل يمكن أن تتحول إلى عامل يساعد على الحفاظ على البنى التابعة، لأنها تعطل الوعي النقدي الضروري لتفكيكها.
ومن ثمّ، فإن الاندماج التابع في النظام العالمي لا يستمر بفعل الضغوط الخارجية وحدها، وإنما يجد في الداخل شروطًا فكرية وسياسية واجتماعية تساعد على استمراره. وحين تتضافر التبعية الاقتصادية مع عقلية ترفض النقد وتؤجل الفعل التاريخي إلى خارج إرادة البشر، تتفاقم ظاهرة التخلف، ويتحوّل الاستقلال السياسي إلى استقلال شكلي محدود الأثر.
التفكيك والاستقلال
لذلك، لا يمكن تصور استقلال فعلي أو تقدم مستدام دون تفكيك مزدوج: تفكيك علاقات التبعية الخارجية، وتفكيك البنى الداخلية التي تمنحها قابلية الاستمرار. ولا يعني ذلك الانعزال عن العالم أو رفض التفاعل معه، بل يعني الانتقال من اندماج مفروض وتابع إلى علاقة أكثر استقلالًا وقدرةً على الاختيار، تقوم على الإنتاج والمعرفة والتخطيط والسيادة على الموارد.
ويتقاطع هذا التصور مع مفهوم «فك الارتباط» لدى سمير أمين. ولا يعني فك الارتباط عند أمين الانعزال أو القطيعة المطلقة مع الاقتصاد العالمي، بل إعادة تنظيم العلاقة به وفق أولويات التنمية الوطنية والشعبية، بدل إخضاع هذه الأولويات لمقتضيات السوق الرأسمالية العالمية. ومن ثمّ، فإن التحرر من العقلية الثيوقراطية، بما تعنيه من تحرير العقل والمؤسسات من الوصاية والقداسة السياسية، يمكن النظر إليه بوصفه أحد الشروط الداخلية الضرورية لإنجاح عملية فك الارتباط. فلا يمكن لمجتمع أن يحدد أولوياته التنموية، أو يراقب سلطاته، أو يعيد توجيه فائضه الاقتصادي، ما لم يمتلك فضاءً عامًا حرًّا، وعقلًا نقديًّا، ومؤسسات تسمح بالمحاسبة والمشاركة وصناعة القرار.
وعليه، فإن تجاوز التخلف ليس مسألة اقتصادية فحسب، ولا صراعًا مع الخارج وحده؛ إنه عملية تحرر متعددة الأبعاد، تبدأ باستعادة القدرة على التفكير النقدي، وتمر بإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات، وتنتهي إلى امتلاك إرادة جماعية مستقلة تجعل العلاقة بالعالم أداةً للتنمية والتحرر، لا امتدادًا للتبعية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



