رأى

سد النهضة: تنمية لإثيوبيا أم جفاف لمصر والسودان؟

بقلم: أ.د.قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا

بين حق التنمية وحق الحياة

لا يمكن النظر إلى سد النهضة الإثيوبي من زاوية واحدة؛ فهو في نظر إثيوبيا مشروع قومي لتوليد الكهرباء ودعم التنمية، بينما تراه مصر مصدرًا محتملًا لخطر وجودي يهدد موردها المائي شبه الوحيد، ويتعامل معه السودان باعتباره مشروعًا قد يحقق بعض المنافع، لكنه يحمل أيضًا أخطارًا جسيمة إذا غاب التنسيق وتبادل المعلومات. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في بناء سد لتوليد الطاقة في حد ذاته، بل في طريقة تشغيله، وحجم المياه المحتجزة خلفه، وكيفية إدارة سنوات الجفاف، ومدى التزام الدول الثلاث بقواعد واضحة وملزمة.

لماذا تحتاج إثيوبيا إلى السد؟

تمتلك إثيوبيا موارد مائية ومرتفعات تمنحها إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة الكهرومائية، في الوقت الذي عانى فيه ملايين الإثيوبيين طويلًا ضعف الوصول إلى الكهرباء. ولذلك، قُدِّم سد النهضة بوصفه بوابة للتصنيع، وتحسين الخدمات، وتشغيل المصانع، وتوسيع شبكات الكهرباء، وتصدير الطاقة إلى الدول المجاورة.

وتبلغ القدرة التصميمية للمحطة نحو 5150 ميجاوات، مما يجعلها أكبر منشأة كهرومائية في أفريقيا من حيث القدرة المركبة. وقد افتُتح المشروع رسميًا في سبتمبر 2025، بعد سنوات من البناء والملء وتشغيل الوحدات تدريجيًا. وتؤكد إثيوبيا أن هدفه الأساسي هو توليد الكهرباء، لا استهلاك مياه النيل في مشروعات ري واسعة؛ فالمياه المستخدمة في تشغيل التوربينات تعود إلى مجرى النهر بعد توليد الطاقة. وهذه حقيقة مهمة ينبغي الاعتراف بها عند تقييم المشروع بموضوعية.

لكن كون السد كهرومائيًا لا يعني أنه بلا تأثير في دولتي المصب؛ لأن القضية لا تتعلق فقط بكمية المياه التي تعبر السد في المتوسط، بل أيضًا بتوقيت مرورها، وطريقة تخزينها، ومعدلات إعادة ملء الخزان بعد انخفاض منسوبه.

أين يبدأ الخطر؟

تبلغ السعة الإجمالية لخزان سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب، وهي كمية ضخمة تقارب مرة ونصف الحصة السنوية المقررة لمصر وفق اتفاقية 1959. والمشكلة الأساسية ليست أن هذه المياه ستختفي كلها، وإنما أن احتجازها أو إعادة تخزينها بسرعة قد يخفض التدفقات الواصلة إلى السودان ومصر في أوقات شديدة الحساسية.

في السنوات المطيرة، قد تمر عملية التشغيل دون أضرار واضحة؛ لأن الإيراد المرتفع للنيل الأزرق يسمح بتوليد الكهرباء وتخزين المياه مع استمرار تدفقات مناسبة إلى دولتي المصب. أما الاختبار الحقيقي فيأتي عند وقوع جفاف ممتد، حين تنخفض المياه الواردة إلى الخزان، وتحتاج إثيوبيا في الوقت نفسه إلى الاحتفاظ بمنسوب مناسب لتشغيل التوربينات، بينما تحتاج مصر والسودان إلى كل متر مكعب متاح للشرب والزراعة وتوليد الكهرباء.

وتشير دراسة علمية منشورة عام 2024 إلى إمكان تشغيل السد خلال الجفاف الممتد بطريقة تسمح لإثيوبيا بإنتاج نحو 87% من طاقتها الكهرومائية المثلى من دون إحداث عجز مائي إضافي لدولتي المصب. وهذه النتيجة تكشف أن التعارض بين التنمية الإثيوبية والأمن المائي المصري والسوداني ليس حتميًا؛ لكنه يتطلب سياسة تشغيل منسقة وقواعد متفقًا عليها، لا قرارات منفردة.

مصر بين ندرة المطر وضغط السكان

تعتمد مصر على نهر النيل في معظم مواردها المائية العذبة، ولا توفر الأمطار إلا قدرًا محدودًا للغاية من احتياجاتها. كما تجاوزت البلاد بالفعل حد الفقر المائي، في ظل النمو السكاني، والتوسع العمراني، وارتفاع الطلب على الغذاء والطاقة.

وأي نقص ممتد في إيراد النيل قد ينعكس على مخزون بحيرة ناصر، وإنتاج السد العالي من الكهرباء، والمساحات الزراعية، ومستويات المياه الجوفية في الوادي والدلتا. وقد يؤدي انخفاض المياه العذبة المتدفقة شمالًا إلى زيادة تداخل مياه البحر في أراضي الدلتا، وارتفاع ملوحة التربة والمياه، وتراجع إنتاجية المحاصيل.

ولا يعني وجود السد العالي أن مصر تستطيع امتصاص أي نقص إلى ما لا نهاية؛ فبحيرة ناصر تمثل احتياطيًا استراتيجيًا لمواجهة التقلبات، لكنها ليست مصدرًا مستقلًا للمياه. فإذا تزامن جفاف طبيعي طويل مع احتجاز إضافي للمياه لإعادة رفع منسوب خزان سد النهضة، فقد يتعرض المخزون المصري لاستنزاف متسارع.

وقد حذرت نماذج بحثية من أن التشغيل المنفرد أثناء الجفاف قد يطيل آثار نقص المياه في دول المصب، بينما تؤدي الإدارة المنسقة إلى تقليل العجز وحماية إنتاج الكهرباء في إثيوبيا ومصر معًا.

السودان بين المنافع والمخاطر

يختلف وضع السودان نسبيًا عن مصر. فالسد قادر على تنظيم التدفقات، والحد من بعض الفيضانات المدمرة، وتقليل كميات الطمي الواصلة إلى الخزانات السودانية، وتحسين انتظام مياه الري، وربما إتاحة كهرباء مستوردة بأسعار مناسبة.

لكن هذه المنافع مشروطة بالتنسيق الكامل. فالسودان يقع مباشرة أسفل السد، ولذلك فإن أي تشغيل مفاجئ للبوابات أو تصريف غير معلن للمياه يمكن أن يؤثر سريعًا في السدود والمنشآت والمجتمعات السودانية. كما أن نقص الطمي، رغم فائدته في إطالة عمر الخزانات، قد يحرم بعض الأراضي الزراعية من الرواسب الخصبة التي أسهمت تاريخيًا في تجديد التربة.

إذن، سد النهضة ليس خيرًا مطلقًا للسودان ولا شرًا مطلقًا؛ بل مشروع تتوقف نتائجه على تبادل البيانات اليومية، والتنسيق بين السد الإثيوبي وسد الروصيرص، ووجود آلية مشتركة للإنذار المبكر وإدارة الطوارئ.

ما الذي لم تحسمه المفاوضات؟

وقعت مصر وإثيوبيا والسودان في مارس 2015 إعلان مبادئ نص على التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والاستخدام المنصف والمعقول للمياه، والاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي. لكن الخلاف استمر حول تحويل هذه المبادئ العامة إلى اتفاق قانوني ملزم ومفصل.

وتتركز القضايا العالقة في كمية المياه التي ينبغي تمريرها في السنوات الجافة، وطريقة تعريف الجفاف والجفاف الممتد، وقواعد إعادة ملء الخزان بعد فترات النقص، وآلية فض المنازعات، ومدى إلزامية تبادل البيانات. وفي عام 2021، دعا مجلس الأمن الدول الثلاث إلى استئناف المفاوضات بقيادة الاتحاد الأفريقي، وصولًا إلى اتفاق مقبول وملزم بشأن الملء والتشغيل.

لا تنمية على حساب العطش

العنوان الذي يضع تنمية إثيوبيا في مواجهة جفاف مصر والسودان يعبر عن خوف حقيقي، لكنه لا يجب أن يتحول إلى قدر محتوم. فالعلم يؤكد إمكان تحقيق قدر كبير من الطاقة لإثيوبيا مع تقليل الضرر المائي في دولتي المصب، شريطة أن تُدار المنظومة باعتبارها سلسلة مترابطة من الخزانات، لا سدودًا منفصلة تتخذ كل دولة قراراتها بشأنها منفردة.

ويحتاج الحل إلى اتفاق ملزم يتضمن قواعد واضحة للجفاف، وحدًا أدنى من التصريفات، وتبادلًا فوريًا للبيانات، وتنسيقًا بين سد النهضة والروصيرص والسد العالي، وآلية مستقلة لتسوية الخلافات. ويمكن دعم ذلك بتجارة إقليمية للكهرباء، بحيث تحصل إثيوبيا على عائد تنموي مستقر، وتستفيد دول الجوار من الطاقة، مقابل ضمان تشغيل تعاوني يحمي الأمن المائي.

إن حق إثيوبيا في التنمية مشروع، مثلما أن حق مصر والسودان في الماء والحياة مشروع وغير قابل للتجاهل. والنيل الأزرق لا ينبغي أن يصبح خطًا يفصل بين رابحين وخاسرين، بل شريانًا للتعاون. فالسد قد يكون أداة للتنمية المشتركة، لكنه قد يتحول، إذا أُدير منفردًا خلال الجفاف، إلى مضاعف لأزمة الندرة. والفارق بين الاحتمالين ليس في الخرسانة والتوربينات، وإنما في الاتفاق والثقة والإدارة المشتركة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى