رئيس التحرير

حوار في ميكروباص يكشف انهيار العلاقات الأسرية عندما يتحول الأخ إلى خصم على الهواء مباشرة

بقلم: د.أسامة بدير

كنتُ أمس راكباً ميكروباص كأي فرد من عامة الناس، لا شيء يميز الرحلة ولا يلفت الانتباه في بدايتها، حتى حدث مشهد لم أستطع تجاهله، مشهد بسيط في ظاهره، لكنه شديد الوقع في داخله، كأنه يفتح باباً على ما وصلنا إليه من تغير في لغة الناس وطريقة تعاملهم حتى داخل الأسرة الواحدة.

فجأة، رنّ هاتف سائق الميكروباص، وبدأ يتحدث بصوت مرتفع حدّ الصراخ، بنبرة حادة توحي وكأنه في مشاجرة أو مواجهة في الشارع. ومع صوت محرك السيارة، صار صوته هو الغالب داخل المركبة، فاضطر جميع الركاب، دون اتفاق، إلى الإصغاء القسري لهذا الحوار الذي فرض نفسه علينا جميعاً. كانت كلماته تتساقط بعصبية شديدة، حتى بدأنا نفهم أن الحديث ليس عابراً ولا مهنياً، بل خلاف شخصي محتدم.

ومع استمرار الحوار، اتضح أن المتحدث ليس غريباً، بل يتحدث مع شقيقه الأكبر. كلمات قاسية، وعتاب حاد، وقطع للروابط بطريقة صادمة: “أنت لم تقف معي وقت الشدة”، “زوجتي على وشك أن تسجني وأنت تركتني”، “لا أريد أن أسمع صوتك مرة أخرى”، “سأحذف رقمك تماماً”، ثم تهديدات وانفعالات وصلت إلى حد ألفاظ لا تليق إلا في لحظات الانهيار الكامل للعلاقات. كان المشهد مؤلماً، ليس لأنه خلاف بين شقيقين فقط، بل لأنه عكس شكلًا من أشكال التصدع العميق في العلاقات الأسرية.

لم يكن في الأمر مجرد انفعال عابر، بل بدا وكأنه قطيعة تتشكل على الهواء، أمام أعيننا جميعًا داخل الميكروباص، بلا خجل من المكان أو الزمن أو وجود الغرباء. تساءلتُ في داخلي: كيف تحوّلت الروابط التي يُفترض أنها الأقوى إلى هذا القدر من القسوة والفظاظة؟ كيف صار الخلاف داخل بعض الأسر يُدار بلغة الشارع، وكأننا فقدنا المسافة الفاصلة بين البيت والطريق العام؟ إنها ليست مجرد واقعة عابرة، بل مرآة تعكس خللاً أعمق في طريقة بناء العلاقات داخل الأسرة المصرية.

وأنا احذر إذا استمر هذا التآكل الصامت في منظومة القيم، وتحوّل الخلاف إلى قطيعة، والعتاب إلى تهديد، والدعم إلى غياب، فإننا أمام خطر أكبر من مجرد مشهد في باص؛ نحن أمام تفكك بطيء للبنية الأولى في المجتمع. فالأسرة ليست تفصيلا اجتماعياً هامشياً، بل هي الخلية الأولى التي يُبنى عليها الوعي والسلوك والانتماء. وإذا انهارت هذه الخلية، فلن يكون الانهيار فردياً، بل مجتمعاً بأكمله، تتحول فيه العلاقات إلى صراعات مفتوحة بين أفراد البيت الواحد، قبل أن تمتد خارجه.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى