تلاميذ مصر في خطر!

بقلم: د.أسامة بدير
لم يعد مشهد تمزيق الكتب الدراسية عقب انتهاء امتحانات نهاية العام مجرد تصرف عابر من بعض التلاميذ، بل أصبح ظاهرة غريبة تستدعي التوقف والتأمل والرصد والتحليل، لأنها تكشف عن خلل عميق في علاقة أبنائنا بالعلم والمعرفة والمدرسة والكتاب. فحين يخرج التلميذ من لجنة الامتحان ليمزق كتابه، أو يطأه بقدميه، فهو لا يعبر فقط عن فرحة بانتهاء عام دراسي، بل يعلن ـ دون أن يدري ـ أن الكتاب كان عبئاً ثقيلاً لا مصدراً للفهم والوعي والبناء.
هذه الظاهرة المؤلمة لا يمكن اختزالها في سلوك فردي أو “شقاوة أطفال”، لأنها تعكس أزمة أوسع في منظومة التعليم والتربية والثقافة العامة. فالطالب الذي يرى الكتاب مجرد أداة للحفظ والامتحان، لا وسيلة للتعلم واكتشاف العالم، من الطبيعي أن يتعامل معه بعد انتهاء الاختبار وكأنه حمل يريد التخلص منه بأي صورة، حتى لو كانت بالتمزيق والإهانة.
إن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول التعليم في ذهن التلميذ إلى سباق درجات، لا رحلة معرفة، وحين يصبح الكتاب رمزاً للضغط النفسي والخوف من الامتحان، لا بوابة للفهم والنجاح. وهنا تتحمل الأسرة والمدرسة والمجتمع مسؤولية مشتركة في إعادة تشكيل وعي الأبناء بقيمة العلم، وغرس احترام الكتاب في نفوسهم منذ السنوات الأولى.
الأخطر من تمزيق الورق هو تمزيق المعنى. فالكتاب ليس كراسة مؤقتة تنتهي بانتهاء الامتحان، بل هو رمز للمعرفة، وذاكرة للتعلم، واحترامه جزء من احترام العقل والجهد والمعلم والوطن. ومن لا يتعلم احترام كتابه صغيراً، قد لا يدرك قيمة المعرفة كبيراً.
إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالعقاب وحده، بل ببناء علاقة جديدة بين الطالب والتعليم، علاقة تقوم على الفهم لا الحفظ، والتحفيز لا الترهيب، وحب الاكتشاف لا رعب الدرجات. كما ينبغي أن تتحول المدارس إلى بيئات جاذبة للتعلم، وأن تقدم الأسرة صورة إيجابية عن الكتاب والمعرفة، لا أن تردد أمام الأبناء عبارات تزرع فيهم كراهية الدراسة والامتحانات.
وأتوجه هنا، بكل وضوح وشدة، إلى كل أسرة ترى أبناءها يمزقون كتبهم أو يهينونها ثم تكتفي بالضحك أو التصوير أو الصمت: أنتم شركاء في صناعة هذا الخلل. التربية ليست طعاماً وملبساً ودروساً خصوصية فقط، بل هي بناء قيمة واحترام ومعنى، ومن واجبكم أن تعلموا أبناءكم أن الكتاب لا يُهان، وأن العلم لا يُداس بالأقدام.
كما أتوجه إلى كل مسؤول رسمي في منظومة التعليم: هذه الظاهرة جرس إنذار لا يجوز تجاهله. يجب أن تكون هناك برامج توعية حقيقية داخل المدارس، وأنشطة تربوية تعيد للكتاب مكانته، وتربط التلاميذ بحب القراءة والبحث والاطلاع، لا أن يظل العام الدراسي مجرد رحلة مرهقة تنتهي بتمزيق الكتب أمام أبواب المدارس.
وأقولها بصرامة: إن الأمة التي لا تغرس في أبنائها احترام المعرفة لن تبني مستقبلًا قوياً. فالمعرفة هي أساس بناء الأوطان وتنميتها، والكتاب هو أول طريق الوعي. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة ليست رفاهية تربوية، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن الأوطان لا تنهض بأقدام تطأ الكتب، بل بعقول تقدس العلم وتبحث دائماً عن كل جديد.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



