المكملات الغذائية: بين الفوائد الصحية والمخاطر الخفية

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

أصبحت المكملات الغذائية خلال العقود الأخيرة جزءاً أساسياً من حياة ملايين الأشخاص حول العالم. فبعد أن كانت تستخدم أساساً لتعويض نقص العناصر الغذائية لدى بعض الفئات السكانية، تحولت إلى صناعة عالمية تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات سنوياً. ويستهلكها الرياضيون وكبار السن والمرضى والأصحاء على حد سواء، أملاً في تحسين الصحة العامة أو الوقاية من الأمراض أو تعزيز الأداء البدني والذهني.
وتعود فكرة المكملات الغذائية إلى اكتشاف الفيتامينات في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما أثبت العلماء أن نقص بعض العناصر الدقيقة يؤدي إلى أمراض خطيرة مثل الإسقربوط والكساح والبلاجرا. ومنذ ذلك الحين تطورت صناعة المكملات لتشمل الفيتامينات والمعادن والأحماض الأمينية والأعشاب الطبية والأحماض الدهنية والمركبات الحيوية والهرمونات الطبيعية.
واليوم تتصدر الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والصين وكندا أسواق إنتاج واستهلاك المكملات الغذائية، بينما تشهد الدول العربية نمواً متسارعاً في استخدامها، خاصة في مجالات دعم المناعة وصحة العظام والرياضيين والنوم والتحكم في الوزن.
المكملات الغذائية ودورها في الصحة
من الناحية العلمية، تُعرَّف المكملات الغذائية بأنها منتجات تحتوي على عناصر غذائية أو مركبات حيوية تهدف إلى استكمال النظام الغذائي الطبيعي، وليست بديلاً عنه. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن بعض المكملات يمكن أن تكون ذات فائدة صحية واضحة عند استخدامها وفق أسس علمية وتحت إشراف متخصصين.
فعلى سبيل المثال:
- يساهم فيتامين D في الوقاية من اضطرابات العظام لدى المصابين بنقصه.
- يساعد الحديد في علاج حالات فقر الدم الناتجة عن نقص الحديد.
- تدعم مكملات حمض الفوليك صحة الحوامل وتقلل من بعض التشوهات الخلقية.
- تسهم أحماض أوميغا-3 الدهنية في دعم صحة القلب والأوعية الدموية لدى بعض الفئات.
إلا أن هذه الفوائد ترتبط عادة بوجود حاجة حقيقية أو نقص مثبت، وليس بالاستخدام العشوائي أو الاعتقاد بأن زيادة الجرعة تعني زيادة الفائدة.
العلاقة بين المكملات الغذائية والأمراض
أدى الانتشار الواسع للمكملات الغذائية إلى ظهور اعتقاد شائع مفاده أن المنتجات الطبيعية آمنة بصورة مطلقة. غير أن الأدلة العلمية الحديثة تشير إلى أن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً دائماً.
فالمكمل الغذائي قد يتفاعل مع الأدوية، أو يؤثر في وظائف أعضاء الجسم، أو يسبب آثاراً جانبية عند الاستخدام طويل الأمد أو بجرعات مرتفعة. لذلك تؤكد الهيئات الصحية العالمية أن تقييم السلامة يجب أن يتم بنفس الدقة العلمية المطبقة على أي مادة ذات تأثير بيولوجي.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما أظهرته دراسة تحليلية واسعة نوقشت خلال الجلسات العلمية لـ American Heart Association حول مكمل الميلاتونين، أحد أكثر المكملات الغذائية استخداماً لتحسين النوم (Nnadi وآخرون، 2025؛ Cassella، 2026).
الميلاتونين: عندما لا تعني كلمة “طبيعي” أنه خالٍ من المخاطر
يُعد الميلاتونين هرموناً طبيعياً يفرزه الدماغ لتنظيم الساعة البيولوجية ودورات النوم والاستيقاظ. ولهذا السبب يُستخدم على نطاق واسع كمكمل غذائي للمساعدة على النوم وعلاج الأرق المؤقت.
وقد اعتُبر الميلاتونين لفترة طويلة آمناً عند الاستخدام قصير الأمد، والذي يتراوح عادة بين شهر وشهرين لدى البالغين غير الحوامل وغير المرضعات (Cassella، 2026).
لكن دراسة حديثة شملت أكثر من 130 ألف شخص بالغ من عدة دول أثارت تساؤلات مهمة حول سلامة الاستخدام طويل الأمد. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين استمروا في استخدام الميلاتونين لمدة تزيد على عام كانوا أكثر عرضة للإصابة بقصور القلب بنسبة بلغت 89% خلال السنوات الخمس التالية مقارنة بالأشخاص الذين لم يستخدموه. كما ارتفع خطر الوفاة لأي سبب من الأسباب إلى نحو الضعف تقريباً (Nnadi وآخرون، 2025).
وأظهرت التحليلات الإضافية أن خطر دخول المستشفى بسبب قصور القلب كان أعلى بنحو 3.5 مرات لدى مستخدمي الميلاتونين لفترات طويلة مقارنة بغير المستخدمين.
قراءة علمية حذرة للنتائج
رغم أهمية هذه النتائج، فإن التفسير العلمي الدقيق يتطلب الحذر. فالدراسة لم تثبت أن الميلاتونين هو السبب المباشر لقصور القلب أو زيادة الوفيات، بل أظهرت وجود ارتباط إحصائي فقط.
كما اعتمد الباحثون على سجلات الوصفات الطبية الإلكترونية لتقدير استخدام الميلاتونين، ولم يتم التأكد بشكل مباشر من التزام المشاركين بتناول المكمل. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون بعض أفراد المجموعة الضابطة قد استخدموا الميلاتونين دون وصفة طبية، خاصة في الدول التي يباع فيها بحرية.
لذلك فإن هذه النتائج لا تستدعي التوقف الفوري عن استخدام الميلاتونين عند الحاجة الطبية، لكنها تؤكد ضرورة إجراء دراسات مستقبلية أكثر دقة لتقييم سلامة الاستخدام المزمن لهذا المكمل.
هل المكملات الغذائية تمنع الأمراض؟
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن تناول المكملات الغذائية بصورة يومية يقي تلقائياً من الأمراض المزمنة. والحقيقة أن معظم الدراسات الحديثة تشير إلى أن الوقاية من الأمراض تعتمد أساساً على نمط الحياة الصحي الذي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني والنوم الجيد وعدم التدخين.
أما المكملات الغذائية، فهي أدوات علاجية أو وقائية محددة الاستخدام، وليست بديلاً عن الغذاء الصحي أو أسلوب الحياة السليم.
قواعد علمية لاستخدام المكملات الغذائية
يمكن تلخيص الاستخدام الآمن للمكملات الغذائية في عدة مبادئ أساسية:
- عدم استخدام أي مكمل غذائي دون وجود حاجة صحية واضحة أو توصية مختص.
- الالتزام بالجرعات الموصى بها وعدم تجاوزها.
- إبلاغ الطبيب أو الصيدلي عن جميع المكملات المستخدمة لتجنب التداخلات الدوائية.
- الحذر من الاستخدام طويل الأمد للمكملات التي تفتقر إلى بيانات سلامة كافية.
- إدراك أن كلمة “طبيعي” لا تعني بالضرورة “آمن”.
خاتمة
تمثل المكملات الغذائية أحد أهم إنجازات علوم التغذية الحديثة عندما تستخدم بصورة علمية صحيحة. وقد ساهمت في علاج حالات نقص غذائي كثيرة وتحسين صحة ملايين الأشخاص حول العالم. إلا أن الأدلة العلمية الحديثة، ومنها الدراسة الخاصة بالميلاتونين، تؤكد أن المكملات ليست خالية من المخاطر وأن الاستخدام طويل الأمد لبعضها قد يحمل آثاراً صحية غير متوقعة.
لذلك فإن المبدأ العلمي الحاكم يجب أن يكون: “استخدم المكمل الغذائي عند الحاجة المثبتة، وبالجرعة المناسبة، وتحت إشراف متخصص”، فالفائدة الحقيقية لا تأتي من كثرة المكملات، بل من الاستخدام الرشيد المبني على الدليل العلمي.
المراجع
- Cassella, C. (2026). A Common Supplement Shows a Concerning Link to Heart Failure. ScienceAlert, 23 June 2026.
- Nnadi, E. et al. (2025). Presentation at the Scientific Sessions of the American Heart Association: Long-term Melatonin Use and Cardiovascular Outcomes.
- National Institutes of Health. Dietary Supplements: What You Need to Know.
- World Health Organization. Healthy Diet and Micronutrient Supplementation Guidance.
- American Heart Association. Cardiovascular Health and Evidence-Based Nutrition Recommendations.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



