رئيس التحرير

أساتذة الجامعات والباحثون يستحقون حياة كريمة وهذه رؤيتي لزيادة مرتباتهم

بقلم: د.أسامة بدير

إذا كانت الدولة المصرية تراهن على بناء “الجمهورية الجديدة” القائمة على العلم والابتكار واقتصاد المعرفة، فإن أول ما يجب أن تراهن عليه هو الإنسان الذي يصنع هذا العلم وينتج تلك المعرفة. ولا أتصور أن دولة تطمح إلى المنافسة إقليمياً ودولياً يمكن أن تترك أساتذة الجامعات والباحثين في المراكز البحثية يواجهون أعباء الحياة برواتب لا تتناسب مع مكانتهم العلمية ولا مع حجم الرسالة الوطنية التي يحملونها.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار تاريخي برفع مرتبات أساتذة الجامعات والمراكز البحثية بنسبة لا تقل عن 400%، بما يضمن لهم حياة كريمة تليق بمكانتهم، ويتيح لهم التفرغ للإبداع والبحث العلمي، بعيداً عن الضغوط الاقتصادية التي تستنزف وقتهم وجهدهم.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه دائمًا هو: من أين يأتي التمويل؟ وهل تستطيع الموازنة العامة للدولة تحمل هذه الزيادة؟

في اعتقادي، الإجابة هي نعم، ولكن ليس من خلال تحميل الموازنة العامة أعباءً إضافية، وإنما عبر إنشاء آلية تمويل مستقلة ومستدامة. وأقترح في هذا الإطار تأسيس “صندوق تنمية مرتبات أساتذة الجامعات والمراكز البحثية”، يتولى توفير الموارد المالية اللازمة بعيداً عن الموازنة العامة، من خلال مصادر تمويل متعددة ومتنوعة.

وأرى أن يكون في مقدمة هذه المصادر استقطاع نسبة محدودة من قيمة الرسائل التصديرية للخضر والفاكهة الطازجة والمصنعة، وكذلك التقاوي والشتلات المصدرة، باعتبار أن هذه القطاعات استفادت على مدار عقود من جهود البحث العلمي وما أنتجه الباحثون من أصناف وتقنيات وممارسات زراعية رفعت الإنتاجية والجودة والقدرة التنافسية للمنتج المصري في الأسواق العالمية.

كما يمكن تخصيص نسبة من أرباح المصانع والشركات العاملة في الصناعات الغذائية التي تعتمد بصورة أساسية على المحاصيل الحقلية والبستانية، باعتبار أن نجاح هذه الصناعات يرتكز في الأساس على ما يقدمه البحث العلمي من تطوير للأصناف وتحسين للإنتاج الزراعي.

ومن المقترحات العملية أيضاً، تحصيل رسم بسيط ضمن إجراءات استخراج أو تجديد جميع التراخيص الخاصة بالأنشطة الزراعية، سواء النباتية أو الحيوانية أو الداجنة أو السمكية، ليصبح أحد الموارد الدائمة للصندوق.

ولا ينبغي أن تتوقف مصادر التمويل عند القطاع الزراعي فقط، بل يمكن توسيعها لتشمل قطاعات أخرى تستفيد من الاستقرار والتنمية التي يقودها العلم. ومن هنا أقترح إصدار طابع يحمل اسم “تنمية موارد الجامعات والمراكز البحثية”، يستخدم في مختلف المعاملات والخدمات الحكومية، بحيث يوفر مورداً مالياً مستداماً دون أن يشكل عبئاً حقيقياً على المواطنين.

كما يمكن تخصيص نسبة محدودة من قيم صفقات انتقال لاعبي كرة القدم داخل مصر أو احترافهم خارجها، وهي صفقات تقدر بملايين الجنيهات، فضلاً عن تخصيص نسبة من أجور الفنانين في الحفلات الكبرى، وفرض رسم رمزي على تذاكر المسارح ودور السينما والنوادي والفعاليات الفنية والترفيهية، لتصبح جميعها روافد تمويل دائمة لهذا الصندوق.

إن هذه المقترحات لا تستهدف فرض أعباء كبيرة على أي قطاع، وإنما تقوم على توزيع مسؤولية دعم العلم والبحث العلمي على المستفيدين من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يحقق العدالة والاستدامة في الوقت نفسه.

إنني أؤمن بأن أساتذة الجامعات والباحثين ليسوا مجرد موظفين يتقاضون رواتب من الدولة، بل هم العقول التي تصنع المعرفة، وتطور التكنولوجيا، وتقدم الحلول العلمية لمشكلات المجتمع، وتخرج الأجيال القادرة على قيادة المستقبل. وإذا كان المجتمع بأكمله يجني ثمار العلم، فمن الطبيعي أن يشارك الجميع، كلٌّ وفق قدرته، في توفير حياة كريمة لمن ينتجون هذا العلم ويضعونه في خدمة الوطن.

ويبقى هذا الطرح، في النهاية، مجرد رؤية قابلة للنقاش والتطوير، ولن يتحول إلى واقع إلا إذا توافرت الإرادة السياسية والتنفيذية الجادة، والإيمان الحقيقي بأن الاستثمار في الأستاذ الجامعي والباحث هو استثمار مباشر في مستقبل مصر. فالدول لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما تنهض بالعقول التي تُحسن استثمار تلك الموارد، وكل جنيه يُنفق على الباحث وأستاذ الجامعة سيعود حتماً على الوطن أضعافاً مضاعفة في صورة علم، وابتكار، وإنتاج، وتنمية، ورفاه اقتصادي واجتماعي يليق بالجمهورية الحديثة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى