رأى

“معادلة البقاء” المصرية: لا أمن غذائي بلا سيادة مائية

بقلم: أ.د.خالد فتحي سالم

أستاذ بقسم البيوتكنولوجيا النباتية بكلية التكنولوجيا الحيوية – جامعة مدينة السادات

في عالمٍ لم يعد يعترف بالكيانات المنفردة، وباتت تُرسم ملامحه عبر تكتلات اقتصادية عملاقة تعيد صياغة سلاسل الإمداد والغذاء وفقًا لمصالحها الجيوسياسية، تجد الدولة المصرية نفسها أمام تحدٍّ وجودي لا يحتمل أنصاف الحلول. لم يعد الأمر ترفًا فكريًا، بل ضرورة حتمية تفرضها لغة الأرقام والواقع؛ إذ إن ربط السياسات المائية بالزراعية، ودمج إجراءات الأمن المائي بالأمن الغذائي، هو طوق النجاة الأوحد لمصر في هذا المحيط العالمي المتلاطم.

تاريخيًا، عانت خطط التنمية في بلادنا من آفة التخطيط الجُزري المنعزل؛ حيث تعمل وزارة الري في وادٍ، ووزارة الزراعة في وادٍ آخر، وكأن المياه والزراعة خطان متوازيان لا يلتقيان! لكن في زمن الشُّح المائي وتغير المناخ وتكالب القوى الدولية على الموارد، أصبح هذا الفصل بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب.

فك الشفرة: لماذا الآن؟

التكتلات الاقتصادية العالمية الجديدة (مثل بريكس وغيرها) تفرض واقعًا يتطلب من مصر تعزيز أوراق قوتها الذاتية. فلا يمكن لبلد يستورد جزءًا كبيرًا من غذائه ويعاني من عجز مائي يقترب من 54% من احتياجاته الإجمالية، أن يفاوض من موقع قوة دون صياغة استراتيجية التكامل الشامل.

إن قطرة الماء لم تعد مجرد مركب كيميائي نروي به الأرض، بل أصبحت عملة سيادية تحدد حجم وطبيعة المحصول الذي نزرعه، وأين نزرعه، ولمن نوجهه.

خارطة الطريق: كيف ندمج المسارين؟

لتحقيق هذا الربط المصيري وتحويله من شعارات مؤتمرات إلى واقع ملموس على الأرض، تبرز عدة خطوات حاسمة:

  • إعادة هيكلة الخريطة المحصولية: التوقف فورًا عن زراعة المحاصيل الشرهة للمياه في المناطق الحرجة، والتركيز على السلالات الذكية والمقاومة للجفاف والملوحة.
  • التسعير الافتراضي للمياه في التجارة الخارجية: عند تصدير أي محصول زراعي، يجب حساب كمية المياه الافتراضية المستهلكة فيه. فلا يعقل أن نُصدّر محاصيل رخيصة الثمن تستهلك مليارات الأمتار المكعبة من مياهنا النادرة، لنستورد في المقابل قمحًا بمليارات الدولارات!
  • التحول الشامل للري الذكي والتدوير: دمج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لإدارة شبكات الري، والتوسع في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة ثلاثيًا كشريان حياة للمشروعات القومية الجديدة.
  • مجلس أعلى موحد للأمن الحيوي: إنشاء مجلس قومي يضم وزارات الري والزراعة والتموين، يعمل تحت مظلة واحدة لضمان ألا يُتخذ قرار زراعي واحد بمعزل عن الميزان المائي للدولة.

الموجز المختصر

معركة وعي وإرادة

إن الأمن المائي والأمن الغذائي هما وجهان لعملة واحدة تُسمى السيادة الوطنية.

لقد انتهى زمن الحلول المؤقتة والمسكنات؛ ومصر اليوم، وهي تقف على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة وسط تكتلات عالمية شرسة، تملك من العقول والإمكانات ما يؤهلها لصياغة نموذج يُحتذى به في الإدارة الرشيدة للموارد.

إنها معركة وعي وإرادة وتنسيق، والنجاح فيها ليس خيارًا، بل هو المسار الوحيد لضمان مستقبل الأجيال القادمة على ضفاف النيل.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى