رئيس التحرير

عندما يصبح العلم أقل قيمة من كرة القدم.. وداعاً للكرامة الإنسانية

بقلم: د.أسامة بدير

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن زيادات استثنائية في رواتب أو مكافآت بعض الفئات، يتجدد سؤال مشروع يطرحه آلاف المصريين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن داخل الجامعات والمعامل والمراكز البحثية والمستشفيات: لماذا تبدو العدالة الانتقائية حاضرة، بينما تغيب العدالة الشاملة؟

أنا لا أختلف على القيمة الكبيرة للرياضة ودورها في توحيد الجماهير وصناعة الفرح، كما لا ينكر أحد ما حققه الكابتن حسام حسن وجهازه الفني من إنجاز يستحق كل التقدير والإشادة. لكن القضية هنا ليست في استحقاقهم لهذه الزيادة، وإنما في اتساع الفجوة بين من يُكافأ بسخاء، ومن يظل عطاؤه العلمي والوطني بعيداً عن دائرة الإنصاف. فإذا كانت الدولة قادرة على إقرار زيادات في الرواتب تصل إلى 100% للجهاز الفني للمنتخب الوطني تقديرًا لإنجازه، أفلا يستحق علماء مصر، وأساتذة الجامعات، وباحثو المراكز البحثية، والأطباء، والمهندسون، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن وصنعوا إنجازاته العلمية والتنموية، تقديرًا مماثلًا يليق بحجم عطائهم؟ ولماذا تظل الزيادات التي يحصلون عليها محدودة، بينما تنتهي رحلة كثير منهم، بعد عقود من العمل والإبداع، إلى معاشات لا تكفل لهم حياة كريمة؟

ويؤلمني كثيراً أن أساتذة الجامعات، والأطباء، والباحثين في المراكز البحثية التابعة لوزارات الزراعة، والري، والصحة، والتعليم العالي، والإسكان، وغيرهم من علماء الدولة، يقضون عشرات السنين في البحث العلمي، والتدريس، وخدمة المجتمع، ثم يجد بعضهم نفسه بعد التقاعد يتقاضى معاشاً لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، وهو مبلغ يصعب أن يوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، فضلاً عن أن يحفظ لهم ما يستحقونه من تقدير بعد رحلة طويلة من العطاء.

والشاهد أن هؤلاء العلماء لم يكونوا يومًا باحثين عن الأضواء أو الشهرة، بل كانوا يعملون في صمت داخل المعامل، والحقول، والمحطات البحثية، يطورون أصنافاً جديدة من المحاصيل، ويواجهون تحديات التغيرات المناخية، ويبتكرون حلولاً علمية لمشكلات الأمن الغذائي، ويسهمون في زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين جودة الصادرات المصرية، وتطوير الخدمات الصحية والهندسية والتعليمية. إنها إنجازات قد لا تتصدر عناوين الأخبار يومياً، لكنها تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني وجودة حياة ملايين المواطنين.

كما أن أساتذة الجامعات هم من يخرجون الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والباحثين، ويبنون الأجيال علميًا وفكريًا، بينما يسهر الأطباء على حماية صحة المواطنين، ويواصل المهندسون تنفيذ مشروعات التنمية، ويقود الباحثون مسيرة الابتكار العلمي. وجميعهم يمثلون ركائز أساسية لبناء الجمهورية الجديدة، ومن ثم فإن توفير حياة كريمة لهم بعد سنوات الخدمة ليس منحة، بل هو استحقاق أصيل.

وأنا على يقين بأن تقدير العلماء والباحثين لا يكون فقط بالكلمات أو بمنحهم الأوسمة في المناسبات، وإنما يبدأ بسياسات عادلة تضمن لهم دخلاً ومعاشاً يتناسبان مع قيمة ما قدموه للوطن، حتى لا يشعر الباحث أو الأستاذ الجامعي، بعد عشرات السنين من العمل المخلص، بأن نهاية رحلته كانت معاشاً لا يحقق له أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وأخيراً، فإن الاستثمار الحقيقي لأي دولة يبدأ بالإنسان، وأولى الناس بالتقدير هم الذين استثمروا أعمارهم في العلم والمعرفة وبناء الإنسان المصري. فالرياضة تصنع الفرح، والعلم يصنع المستقبل، وكلاهما يستحق كل الدعم والتقدير. غير أن العدالة تقتضي ألا يشعر العلماء، بعد رحلة طويلة من العطاء، بأنهم الأقل حظًا في منظومة التكريم والرعاية، وهم الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء العقول وصناعة المستقبل.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى