صندوق الخسائر والأضرار: اختبار حقيقي للعدالة المناخية وفرصة استراتيجية لمصر

بقلم: د.أحمد حامد القناوي
مشرف وحدة الإنذار المناخي المبكر بمركز معلومات تغير المناخ – مركز البحوث الزراعية
لم يعد تغيّر المناخ خطرًا مؤجلًا أو سيناريو مستقبليًا، بل واقعًا يوميًا تدفع ثمنه الدول النامية قبل غيرها. فوفقًا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تزداد شدة وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتحمل الدول التي ساهمت بأقل من 10% من الانبعاثات التاريخية أكثر من 70% من الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عنها. في هذا السياق، يبرز صندوق الخسائر والأضرار كأحد أكثر الملفات حساسية في السياسة المناخية العالمية، واختبارًا حقيقيًا لمفهوم العدالة المناخية.
خسائر تتجاوز القدرة على التكيف
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الكوارث المرتبطة بالمناخ كلّفت الاقتصاد العالمي أكثر من 3.6 تريليون دولار منذ عام 2000، بينما تتركز النسبة الأكبر من هذه الخسائر في الدول النامية. كما يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ما بين 132 و216 مليون شخص قد يُجبرون على النزوح الداخلي بسبب آثار المناخ بحلول عام 2050، إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل جذري.
ولا تقتصر الخسائر على الأبعاد الاقتصادية فقط؛ إذ تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن أكثر من 50% من الخسائر المرتبطة بالمناخ في الدول الهشة هي خسائر غير اقتصادية، تشمل فقدان الأرواح، وتدهور النظم البيئية، وضياع سبل العيش، وتهديد الهوية الثقافية للمجتمعات المتضررة.
لماذا صندوق الخسائر والأضرار مهم؟
رغم وجود آليات تمويل مناخي سابقة مثل صندوق المناخ الأخضر، فإنها تركز أساسًا على التخفيف والتكيف، ولا تعالج الخسائر «التي وقعت بالفعل» أو «التي لا يمكن تجنبها». من هنا جاءت أهمية إنشاء صندوق الخسائر والأضرار خلال مؤتمر الأطراف السابع والعشرين (COP27)، في اعتراف دولي صريح بأن هناك أضرارًا تتجاوز قدرة الدول النامية على المواجهة الذاتية.
لكن المفارقة تكمن في أن حجم التعهدات المالية المعلنة حتى الآن لا يتجاوز 700 مليون دولار، وهو رقم ضئيل للغاية إذا ما قورن بالتقديرات التي تشير إلى أن احتياجات الخسائر والأضرار في الدول النامية قد تصل إلى 290–580 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2030، وفقًا لتقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP).
مصر في قلب المعادلة المناخية
تُعدّ مصر من الدول الأكثر تعرضًا لتأثيرات تغيّر المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فارتفاع مستوى سطح البحر يهدد دلتا النيل، التي يسكنها أكثر من 40% من السكان وتنتج الجزء الأكبر من الغذاء الوطني. وتشير دراسات وطنية إلى أن ارتفاعًا قدره 0.5 متر فقط في مستوى سطح البحر قد يؤدي إلى فقدان مساحات زراعية واسعة وتشريد ملايين المواطنين.
إضافة إلى ذلك، تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على مواردها المائية، حيث تقع بالفعل تحت خط الفقر المائي (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا)، بينما تؤثر موجات الحرارة المتزايدة في الإنتاجية الزراعية والصحة العامة، ما يفاقم من حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
من التعرّض إلى الفعل: ماذا تحتاج مصر؟
لكي تتحول مصر من دولة متأثرة إلى دولة فاعلة في الاستفادة من صندوق الخسائر والأضرار، لا بد من التحرك على ثلاثة مسارات متوازية:
-
تعزيز الجاهزية المؤسسية والبيانية
إذ تشترط آليات التمويل الدولية وجود بيانات دقيقة حول حجم الخسائر والأضرار. وتشير تقارير دولية إلى أن نقص البيانات يحرم الدول النامية من ما يصل إلى 30–40% من فرص التمويل المتاحة. -
مواءمة السياسات الوطنية مع آليات الصندوق
من خلال ربط الاستراتيجية الوطنية لتغيّر المناخ 2050 والمساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) ببرامج واضحة للتعامل مع الخسائر والأضرار، وليس فقط التخفيف والتكيف. -
إشراك المجتمعات المحلية والمجتمع المدني
حيث أثبتت تجارب دولية أن المشروعات التي تُنفذ بمشاركة محلية تحقق معدلات نجاح واستدامة أعلى بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بالمشروعات المركزية البحتة.
العدالة المناخية ليست شعاراً
إن صندوق الخسائر والأضرار ليس منحة ولا صدقة، بل آلية تعكس مبدأ «المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة»، الذي أُقر منذ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغيّر المناخ. غير أن نجاح الصندوق سيُقاس بقدرته على التحول من التزام سياسي إلى تمويل فعلي، ومن أرقام على الورق إلى دعم يصل إلى المجتمعات الأكثر تضررًا.
وبالنسبة لمصر، فإن التعامل مع هذا الصندوق باعتباره أداة استراتيجية — لا مجرد آلية تعويض — قد يفتح الباب ليس فقط لمواجهة آثار تغيّر المناخ، بل لإعادة توجيه مسار التنمية نحو مزيد من الصمود والعدالة والاستدامة.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



