رأى

حيلة نانوية تُطيل عمر البروتينات العلاجية: ثورة قادمة في عالم الطب والتكنولوجيا الحيوية

بقلم: د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

في عالم التكنولوجيا الحيوية والطب الحديث، يُعدّ التوصل إلى طرق سريعة وآمنة لإيصال العلاجات إلى داخل الخلايا أحد أكبر التحديات التي تواجه الباحثين. وعلى الرغم من أن تقنية “الحمض النووي الريبي المرسال” (mRNA) قد أثبتت نجاحها الفائق وقدرتها على إحداث نقلة نوعية، كما رأينا في اللقاحات الحديثة، إلا أن هناك عقبة رئيسية ظلت تؤرق العلماء: تحلله السريع داخل الجسم بفعل الإنزيمات الخلوية، مما يقلل من فترة فاعليته ويستدعي إعطاء جرعات متكررة.

لكن دراسة حديثة نُشرت في دورية «سِل بيوماتيريالز» (Cell Biomaterials) كشفت عن ابتكار واعد يحمل حلًا جذريًا لهذه المشكلة، عبر دمج حيلة نانوية ذكية تتمثل في استخدام “الحمض النووي الريبي المرسال الدائري” المحمول على جسيمات نانوية دهنية متطورة.

فك لغز الاستقرار: لماذا الحمض الدائري؟

تعتمد الفكرة الأساسية للابتكار على تغيير الشكل الهندسي لجزيء الـ mRNA. في الحالات الطبيعية، يمتلك الحمض النووي الريبي المرسال الخطي “نهايات حرة” تُشبه أطراف الخيط المفكوك. تتلقف الإنزيمات الخلوية هذه النهايات بسرعة وتشرع في تفكيك الجزيء وتدميره قبل أن يتمكن من إنتاج كميات كافية من البروتينات العلاجية المطلوبة.

وهنا تكمن “الحيلة النانوية”؛ إذ طوّر الباحثون صورة دائرية من هذا الحمض (Circular mRNA). وبفضل شكله الدائري المغلق، لا يمتلك هذا الجزيء أي نهايات حرة تتيح للإنزيمات الإمساك به أو تفكيكه بسهولة. هذا الصمود الهيكلي يمنحه مقاومة أعلى بكثير ضد التحلل، مما يتيح للخلايا استخدامه كمصنع بروتيني مستمر لفترات أطول بكثير مقارنة بالنظير الخطي.

جسيمات دهنية نانوية: ناقل ذكي بفاعلية فائقة

لم تقتصر التغطية الابتكارية على جزيء الحمض فحسب، بل شملت أيضًا “مركبة التوصيل”. فتحسين كفاءة النقل إلى داخل الخلايا يتطلب غلافًا نانويًا قادرًا على عبور الغشاء الخلوي بأمان ودون إثارة الجهاز المناعي.

طوّر الفريق البحثي جسيمات نانوية دهنية (Lipid Nanoparticles) جديدة كليًا، وأظهرت النتائج أن هذه التركيبة النانوية حققت:

• نشاطًا أعلى بأكثر من 10 أمثال في توصيل الـ mRNA إلى الخلايا مقارنة بالتركيبات المرجعية المعتادة.
• استجابات التهابية أقل بكثير لدى النماذج الحيوانية، مما يعني زيادة معدلات الأمان وتقليل الأعراض الجانبية المصاحبة للعلاج.

تطبيقات واعدة: من ضبط السكر إلى لقاحات السرطان

لاختبار فاعلية هذا النظام النانوي في بيئة حية، قام الباحثون بتزويد الجسيمات بـ mRNA دائري يحمل تعليمات إنتاج هرمون GLP-1، وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم مستويات السكر في الدم والتحكم في الشهية (والذي تعتمد عليه أشهر أدوية السكري والسمنة الحديثة).

أظهرت التجارب على الفئران تحسنًا ملحوظًا ومستمرًا في تنظيم سكر الدم، مما أثبت قدرة التقنية على إنتاج الهرمون بفاعلية وللفترات المطلوبة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في المرحلة قبل السريرية، ما يعني أنها تتطلب المزيد من الاختبارات والتطوير قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام البشري، إلا أن المرونة العالية لهذه الجسيمات النانوية تفتح آفاقًا طبية لا حصر لها. فهي لا تقتصر على معالجة السمنة والسكري فقط، بل تمتد لتشمل:

  1. تطوير لقاحات للسرطان: تُحفز الجسم على إنتاج مستضدات ورامية لفترات أطول لتدريب الجهاز المناعي.
  2. إنتاج بروتينات دوائية: لعلاج الأمراض الوراثية والاضطرابات النادرة الناجمة عن نقص بروتينات معينة في الجسم.

إن هذا الاندماج بين الهندسة النانوية وعلم الأحياء الجزيئي لا يمثل مجرد خطوة إلى الأمام، بل يمهد الطريق لجيل جديد من الأدوية الذكية المستدامة التي تعمل بكفاءة أعلى وجرعات أقل.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى