أولى خطوات بناء جينوم بشري اصطناعي تبدأ الآن… ثورة علمية أم مغامرة محفوفة بالأسئلة؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
إذا كان فك شيفرة الجينوم البشري إنجازًا علميًا بالغ التعقيد، فإن ما يحاول العلماء القيام به اليوم يبدو أكثر جرأة:
إعادة بناء الحمض النووي للإنسان من الصفر.
هذا هو جوهر مشروع طموح ومثير للجدل يحمل اسم الجينوم البشري الاصطناعي (SynHG)، وقد بدأت بالفعل أولى خطواته العملية فيما يُعرف بمرحلة إثبات المفهوم.
ما الذي يحاول العلماء فعله تحديدًا؟
الهدف في هذه المرحلة الأولى ليس بناء إنسان اصطناعي، بل:
تصميم نسخة رقمية كاملة من الشفرة الوراثية.
ثم تصنيع سلسلة واحدة فائقة الطول من DNA تمثل جزءًا من أحد الكروموسومات البشرية.
هذا الجزء لا يتجاوز 2% من الجينوم البشري الكامل، لكنه خطوة حاسمة لفهم ما إذا كان من الممكن “كتابة” الشفرة الوراثية كما نكتب برنامجًا حاسوبيًا.
لماذا يُعد هذا المشروع ثوريًا؟
أنصار المشروع يرون أن النجاح فيه قد:
يغيّر جذريًا فهمنا لوظائف الجينات وتنظيمها.
يمهّد الطريق لعلاجات خلوية مصممة بدقة غير مسبوقة.
يتيح تطوير أنسجة بشرية مقاومة للفيروسات للزرع الطبي.
بمعنى آخر، قد نكون أمام تحول عميق في الطب الحيوي والتقنيات الجينية.
تمويل ضخم… وطموح بلا سقف
هذا الطموح لفت أنظار المؤسسات الكبرى.
فقد أعلنت مؤسسة ويلكوم ترست – إحدى أكبر الجهات الممولة للبحث العلمي في العالم – عن دعم المشروع بمبلغ 10 ملايين جنيه إسترليني.
ويقود المشروع فريق بحثي من جامعات مرموقة، منها:
أكسفورد، كامبريدج، مانشستر، كِنت، وإمبريال كوليدج لندن.
ويأمل الباحثون في بناء كروموسوم بشري اصطناعي كامل خلال 5 إلى 10 سنوات.
هل هذا ممكن فعلًا؟
هنا يبدأ الجدل.
حتى اليوم:
لم ينجح العلماء في تصنيع جينومات كاملة إلا لكائنات وحيدة الخلية.
أكبر هذه الجينومات لا يتجاوز 12 مليون زوج قاعدي موزعة على عدد محدود من الكروموسومات.
واستغرق إنجاز ذلك نحو عشر سنوات من العمل المضني.
أما الإنسان:
فيملك 46 كروموسومًا.
وأكثر من 3 مليارات زوج قاعدي.
ونحو 30 تريليون خلية في جسم واحد.
فهل يمكن التعامل مع هذا المستوى من التعقيد؟
حماس علمي… وتحفظ واقعي
عالم الوراثة الشهير روبن لوفيل-بادج يرى أن المشروع ملهم من حيث المبدأ:
“لا يمكنك أن تفهم شيئًا فهمًا كاملًا إلا إذا استطعت بناءه من الصفر.”
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن:
بناء جينوم بشري كامل لا يزال بعيد المنال.
ولا توجد أي نية أو قدرة علمية على تصنيع بشر اصطناعيين.
مثل هذا السيناريو سيكون غير آمن تمامًا في حال حدوثه.
الأسئلة الأخلاقية لا تقل تعقيدًا عن الجينات
حتى لو نجح المشروع علميًا، تبقى الأسئلة الكبرى:
من يملك حق استخدام هذه التقنية؟
هل نفتح الباب لفكرة “الأطفال المصممين وراثيًا”؟
أين يقف الحد الفاصل بين العلاج الطبي والهندسة البشرية؟
لهذا يؤكد القائمون على المشروع أنهم يعملون بالتوازي مع:
خبراء أخلاقيات
صانعي سياسات
ممثلي المجتمع المدني
لمناقشة الآثار القانونية والاجتماعية والأخلاقية منذ الآن، لا بعد فوات الأوان.
الخلاصة
مشروع الجينوم البشري الاصطناعي ليس محاولة لصناعة إنسان جديد،
بل محاولة جريئة لفهم ما الذي يجعلنا بشرًا على المستوى الجيني.
إنه علم يقف على تخوم المعرفة،
حيث تتقاطع العبقرية البشرية مع الحذر الأخلاقي.
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل نستطيع؟
بل: كيف، ولماذا، وإلى أي حد ينبغي أن نفعل؟
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.


