الثمرة المقضومة بين الطيور والقوارض خطر خفي وقرار يحسم مصيرها
روابط سريعة :-

كتب: د.أسامة بدير تبدو ثمرة الفاكهة التي تعرضت للقضم وكأنها مشكلة بسيطة يمكن حلها بقطع الجزء المتضرر، ثم تناول باقي الثمرة، وهي عادة شائعة لدى بعض المستهلكين، خاصة عندما لا تظهر على الثمرة علامات واضحة للفساد. لكن خلف هذا التصرف سؤال مهم يتعلق بسلامة الغذاء: هل يمكن أن يكون الجزء السليم ظاهرياً قد تعرض للتلوث؟ وهل كل ثمرة مقضومة تكون الطيور هي التي أكلت منها؟
التحقيق في هذه المسألة يكشف أن الإجابة ليست بهذه البساطة، فآثار القضم قد تنتج عن الطيور أو القوارض أو غيرها من الكائنات، ولا يمكن تحديد مصدر الضرر بمجرد النظر إلى الثمرة في جميع الحالات. إلا أن وجود مؤشرات على نشاط القوارض يرفع مستوى الحذر، خصوصاً أن القوارض يمكن أن تحمل مسببات مرضية وتلوث الأغذية من خلال اللعاب والبول والفضلات.
هل العصافير هي المتهم الأول؟
يربط كثير من الناس بين الثمار المقضومة والطيور، خصوصاً عندما تظهر آثار النقر على الثمرة، لكن خبراء مكافحة الآفات الزراعية يشيرون إلى أن تحديد الكائن المسؤول عن الضرر يحتاج إلى فحص العلامات المحيطة بالثمرة والنبات.
فآثار الأسنان أو القضم، ووجود فضلات أو جحور أو مسارات حركة بالقرب من الأشجار، يمكن أن تساعد في التعرف على وجود القوارض. كما أن تكرار الأضرار في مناطق معينة من الحقل قد يعطي مؤشرات على طبيعة الآفة المسؤولة.
وبالتالي، فإن القول إن كل ثمرة مقضومة أكلتها العصافير ليس قاعدة علمية، كما أن الجزم بأن كل ثمرة مقضومة تعرضت لقضم فأر لا يكون دقيقًا من دون أدلة واضحة.
لماذا تثير القوارض القلق؟
توضح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن القوارض يمكن أن تحمل العديد من الأمراض التي قد تنتقل إلى الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال ملامسة البول أو الفضلات أو اللعاب، أو تناول غذاء ملوث بمخلفات القوارض. كما أن وجود آثار القضم والفضلات يعد من العلامات التي يمكن أن تشير إلى وجود القوارض.
وهنا تكمن المشكلة بالنسبة للثمار؛ فالقارض الذي يقضم ثمرة قد يلامس سطحها أو أنسجتها الداخلية، وإذا كان الحيوان حاملاً لمسبب مرضي، يمكن أن تصبح الثمرة مصدراً محتملاً للتلوث.
وتؤكد إرشادات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن الأغذية التي تعرضت للقوارض أو مخلفاتها قد تسبب المرض، وتوصي بالتخلص من الأغذية التي تعرضت لهذا النوع من التلوث بدلًا من المجازفة بتناولها.
هل يكفي قطع الجزء الذي أُكل؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة للجدل بين المستهلكين.
فالاعتقاد بأن إزالة الجزء المقضوم تجعل باقي الثمرة آمناً ليس قاعدة عامة يمكن تطبيقها على جميع أنواع الفاكهة. فإذا كانت الثمرة قد تعرضت بالفعل لتلوث من حيوان أو إفرازاته، فلا توجد طريقة منزلية بسيطة تضمن أن الجزء المتبقي خالٍ من التلوث.
وتزداد أهمية هذه النقطة في الفواكه الطرية والرطبة، مثل التين، لأن أنسجتها أكثر حساسية للتلف، كما أن موضع القضم يمثل كسراً للحاجز الخارجي الطبيعي للثمرة.
ولهذا، فإذا كان هناك دليل واضح على تعرض الثمرة للقوارض أو فضلاتها أو إفرازاتها، فإن التخلص من الثمرة بالكامل هو الخيار الأكثر أمانًا، بدلًا من الاكتفاء بقطع موضع القضم.
التين في دائرة الاهتمام
يُعد التين من الثمار التي يمكن أن تجذب عدداً من الآفات والحيوانات عندما تصل إلى مرحلة النضج، بسبب ارتفاع محتواها من السكريات ورائحتها الجاذبة.
ويواجه مزارعو التين، مثل غيرهم من منتجي الفاكهة، تحديات تتعلق بحماية الثمار من الطيور والقوارض والحشرات، خصوصاً خلال مراحل النضج والحصاد.
لكن المتخصصين في الإنتاج النباتي لا ينصحون بتحديد نوع الآفة اعتماداً على شكل القضم وحده؛ إذ يجب فحص الأشجار والمنطقة المحيطة بها بحثاً عن العلامات التي تساعد على تحديد مصدر الضرر.
من وجهة نظر المزارع
بالنسبة للمزارع، فإن الثمار المقضومة لا تمثل خسارة اقتصادية فقط، وإنما قد تكون أيضاً مؤشراً على وجود مشكلة تحتاج إلى التعامل معها داخل الحقل.
فإذا ظهرت أعداد متزايدة من الثمار التي تعرضت للقضم، ينبغي فحص المزرعة بحثاً عن الجحور أو الفضلات أو آثار الحركة، إلى جانب مراجعة مصادر الغذاء والمياه والأماكن التي يمكن أن تختبئ فيها القوارض.
وتوصي مبادئ المكافحة المتكاملة للآفات بعدم الاعتماد على وسيلة واحدة فقط، وإنما الجمع بين الإجراءات الوقائية والنظافة الزراعية والمراقبة المستمرة واستخدام وسائل المكافحة المناسبة وفق الإرشادات الفنية.
ماذا يفعل المهندس الزراعي؟
من الناحية الزراعية، لا تبدأ مواجهة القوارض بعد ظهور الثمار المقضومة فقط، وإنما من خلال مراقبة الحقل بصورة منتظمة.
ويشمل ذلك إزالة بقايا المحاصيل والمواد التي يمكن أن توفر مأوى للقوارض، والتخلص من الثمار الساقطة أو التالفة، وإحكام السيطرة على مصادر الغذاء والمياه، مع متابعة الأشجار والثمار خلال مراحل النمو والنضج.
كما يجب عدم استخدام الطعوم أو المبيدات بصورة عشوائية، لأن سوء استخدامها قد يؤدي إلى مخاطر على الإنسان والحيوان والبيئة، فضلًا عن احتمالات تلوث المحصول.
وماذا يقول المختصون في سلامة الغذاء؟
تؤكد إرشادات سلامة الغذاء أن مظهر الطعام ليس دائماً دليلاً كافياً على سلامته؛ فقد يكون الغذاء ملوثاً من دون أن تظهر عليه علامات واضحة بالعين أو الأنف.
ولهذا فإن التعامل مع ثمرة تعرضت لقضم مجهول المصدر يجب أن يكون أكثر حذراً، خصوصاً إذا كانت الثمرة طرية أو مفتوحة أو توجد عليها آثار فضلات أو إفرازات حيوانية.
وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن الأغذية التي تعرضت للقوارض يمكن أن تسبب المرض، وتوصي بالتخلص منها بدلاً من محاولة إنقاذها للاستهلاك.
وماذا عن الطبيب؟
من منظور الصحة العامة، لا ينبغي للمستهلك أن يتعامل مع الثمار التي يحتمل تعرضها لتلوث حيواني باعتبارها مجرد جزء تالف يمكن قطعه.
وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها إلى أن القوارض قد تنقل الأمراض من خلال البول والفضلات واللعاب، وأن تناول طعام ملوث بمخلفات القوارض يمكن أن يكون أحد طرق التعرض.
كما توصي إرشادات المركز عند التعامل مع مخلفات القوارض باتخاذ احتياطات مناسبة، وعدم التعامل معها بطريقة تؤدي إلى نشر المواد الملوثة في الهواء.
وهذا يعني أن الوقاية تبدأ من عدم استهلاك الغذاء الذي توجد أدلة معقولة على تعرضه لتلوث القوارض.
هل كل ثمرة مقضومة خطرة؟
هنا يجب التفرقة بين الاشتباه في التلوث وإثبات التلوث.
فمجرد وجود أثر قضم على ثمرة لا يعني تلقائياً أنها ملوثة أو أن شخصاً تناولها سيصاب بالمرض. كما أن أثر القضم وحده لا يثبت أن القارض هو الذي تسبب فيه.
لكن المستهلك غالباً لا يستطيع تحديد الحيوان الذي أحدث الضرر، ولا يستطيع معرفة ما إذا كانت الثمرة تعرضت للّعاب أو البول أو الفضلات أو غيرها من مصادر التلوث.
لذلك، عندما يكون مصدر القضم مجهولاً، وتوجد علامات واضحة على احتمال تعرض الثمرة للقوارض أو التلوث، فإن التخلص منها بالكامل يمثل الخيار الأكثر تحفظاً من ناحية سلامة الغذاء.
مسؤولية مشتركة من المزرعة إلى المائدة
تكشف هذه القضية أن سلامة الفاكهة ليست مسؤولية المستهلك وحده، وإنما تبدأ من الحقل.
فالمزارع مطالب بالمراقبة المستمرة للآفات، والحفاظ على نظافة المزرعة، والتخلص من الثمار التالفة والساقطة، وتقليل أماكن اختباء القوارض، بينما يجب على المستهلك فحص الفاكهة قبل تناولها وعدم المجازفة بالثمار التي تعرضت لتلوث واضح أو مجهول المصدر.
والقاعدة الأهم التي يمكن الخروج بها من هذا التحقيق هي أن الثمرة المقضومة ليست بالضرورة من فعل الطيور، لكنها أيضًا ليست بالضرورة خطرة في كل الحالات. ومع ذلك، عندما تكون هوية الحيوان مجهولة وتوجد دلائل على احتمال تلوث الثمرة، فإن التخلص منها أفضل من محاولة إنقاذها بقطع الجزء المتضرر.
ففي النهاية، قيمة ثمرة فاكهة واحدة لا تساوي المخاطرة بسلامة الإنسان، خصوصًا عندما يكون مصدر الضرر غير معروف.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



