حين يفقد الكبار هيبة الوقت.. من يُعلِّم الصغار الانضباط؟

بقلم: أ.د.مجدي السماحي
أستاذ النانوتكنولوجي ووقاية النباتات بمعهد بحوث وقاية النباتات – مركز البحوث الزراعية
في المجتمعات التي تسعى للنهوض الحقيقي، لا يُقاس التقدم فقط بما تمتلكه من موارد أو ما تحققه من إنجازات، بل يُقاس – في جوهره – بمدى احترامها لقيمة الوقت. فالوقت ليس مجرد وعاء للأحداث، بل هو معيار للجدية، ومؤشر على الانضباط، ومرآة تعكس أخلاقيات الأفراد والمؤسسات. ومن المؤسف أن نلحظ في واقعنا المعاصر تراجعًا ملحوظًا في الالتزام بالمواعيد، ليس فقط بين عامة الناس، بل – وهو الأخطر – بين بعض من يُفترض أنهم قدوة: أساتذة جامعات، ومسؤولون، وكبار في مواقع التأثير.
إن إخلال الكبار بالمواعيد لا يُعد سلوكًا فرديًا عابرًا، بل هو رسالة غير مباشرة تُبث إلى الأجيال الأصغر، مفادها أن الوقت ليس ذا قيمة حقيقية، وأن الالتزام أمر يمكن التهاون فيه. وحين تتكرر هذه الرسالة يومًا بعد يوم، تتشكل ثقافة عامة قائمة على التسويف، والتراخي، وعدم الاكتراث. وهنا تكمن الخطورة: فالشباب لا يتعلمون فقط من التوجيهات المباشرة، بل – وربما بشكل أكبر – من النماذج التي يرونها أمامهم.
لقد أصبح من المعتاد أن تبدأ المحاضرات متأخرة، وأن تتأخر الاجتماعات دون اعتذار، وأن تُهدر ساعات من الانتظار دون تقدير لقيمة الزمن أو احترام للآخرين. هذا السلوك، حين يصدر عن قيادات أكاديمية أو إدارية، يُفقد المؤسسات هيبتها، ويقوّض قيم الانضباط التي يُفترض أن تُغرس في نفوس الطلاب والعاملين.
وإذا أردنا أن نكون صرحاء، فإن المشكلة ليست في غياب المعرفة بأهمية الوقت، بل في ضعف الإرادة لتطبيق هذه المعرفة. الجميع يدرك أن الوقت مورد غير قابل للتعويض، لكن القليل فقط يتعامل معه على هذا الأساس. وهنا يظهر التناقض بين القول والفعل، وهو التناقض الذي يُربك الأجيال الجديدة ويدفعها إلى فقدان البوصلة.
إن إصلاح هذا الخلل لا يبدأ بالشباب، بل يبدأ من القمة. حين يلتزم الأستاذ بموعد محاضرته بدقة، وحين يحضر المسؤول اجتماعه في الوقت المحدد، وحين يُقدَّر وقت الآخرين كما يُقدَّر الوقت الشخصي، فإننا نؤسس لثقافة جديدة قوامها الاحترام والانضباط. فالقدوة الصادقة أبلغ من ألف محاضرة في الأخلاق.
كما أن المؤسسات مطالبة بوضع آليات واضحة تُعزز الالتزام بالمواعيد، مثل تحديد جداول زمنية دقيقة، وربط التقييم الوظيفي بدرجة الانضباط، وتفعيل مبدأ المساءلة دون مجاملة. فالانضباط لا يُترك للنوايا الحسنة فقط، بل يحتاج إلى منظومة تحفزه وتحميه.
وفي الختام، فإن معركة احترام الوقت هي في حقيقتها معركة وعي وسلوك. وإذا أردنا أن نبني جيلًا يحترم الزمن ويُحسن استثماره، فعلينا أولًا أن نُعيد الاعتبار لقيمة الوقت في سلوكنا اليومي، وأن نُدرك أن كل دقيقة نُهدرها بلا مبرر إنما نُسهم – بشكل أو بآخر – في صناعة مستقبل أقل انضباطًا وأضعف إنتاجية.
فالوقت لا ينتظر أحدًا… لكنه يُسجل على الجميع.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



