رئيس التحرير

34 عاماً في مركز البحوث الزراعية عطاء للوطن وراحة ضمير

بقلم: د.أسامة بدير

عندما أتأمل اليوم مسيرتي المهنية، أجدني أمام نحو 34 عاماً قضيتها في واحد من أعظم الصروح البحثية التطبيقية في مصر والشرق الأوسط، وهو مركز البحوث الزراعية، ذلك الكيان العلمي الذي ارتبط اسمه بجهود أجيال من الباحثين في خدمة الأرض المصرية، وتطوير الإنتاج الزراعي، ودعم الأمن الغذائي. وأستطيع القول، بكل صدق وارتياح، إن هذه السنوات لم تكن مجرد فترة عمل وظيفي، بل كانت جزءاً أصيلاً من عمري، بذلت خلالها جهدي وعلمي ووقتي إيماناً برسالة البحث العلمي ودوره في بناء الوطن.

أنا أرى أن تقييم مسيرة أي مؤسسة وطنية لا ينبغي أن ينطلق من أشخاص بعينهم، وإنما من حصيلة العمل والإنجاز في ظل الظروف والإمكانات المتاحة. وخلال سنوات عملي، تعاقب على وزارة الزراعة قرابة 16 وزيراً، كما شهد مركز البحوث الزراعية تعاقب عدد من القيادات ورؤساء المركز، وكانت لكل مرحلة رؤيتها وأولوياتها وطموحاتها. وقد تعاملت مع هذه القيادات في إطار من الاحترام والتقدير، وكانت تجمعني بهم، ولا تزال، علاقات طيبة أساسها المحبة والاحترام المتبادل، بعيداً عن اختلاف المواقع والمسؤوليات وتغير الظروف.

وأعتقد أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كل وزير وكل قيادة عمل وفق رؤيته واجتهد لتحقيق ما يراه صالحاً للزراعة المصرية، وقد أصاب البعض في قرارات وتوجهات، وربما لم يحالف التوفيق البعض الآخر في بعض الملفات، وهذا أمر طبيعي في إدارة المؤسسات الكبرى. لكنني، في المجمل، أؤكد أن حجم ما تحقق في القطاع الزراعي والبحث العلمي الزراعي ليس قليلاً، خاصة إذا وضعناه في سياق الموارد الطبيعية واللوجستية المتاحة والتحديات الاقتصادية التي واجهت الدولة. والشاهد بالنسبة لي أن الباحثين في مركز البحوث الزراعية واصلوا العمل والإنتاج، وقدموا حلولاً علمية وتطبيقية أسهمت في تطوير الزراعة المصرية، ورفع كفاءة استخدام الموارد، ومواجهة مشكلات الإنتاج، ودعم جهود تحقيق الأمن الغذائي.

واليوم، بعدما انتقلت إلى مرحلة الباحث المتفرغ، أشعر براحة الضمير والرضا عما قدمته خلال أكثر من ثلاثة عقود من العمل البحثي والمهني. ولا أقول ذلك ادعاءً للكمال، فلكل تجربة ما لها وما عليها، ولكل إنسان ما يتمنى لو أتيح له إنجازه بصورة أفضل، لكن يقيني أنني أديت ما استطعت من واجب، وتحملت مسؤولياتي بقدر ما أملك من علم وخبرة وإخلاص. كما أؤكد أن علاقاتي الطيبة بالوزراء والقيادات التي عاصرتها لم تكن يوماً مرتبطة بموقع وظيفي أو منصب، وإنما قامت على التقدير الإنساني والمهني، وهو ما أعتز به وأحرص على استمراره.

وفي ختام سطور مقالي، أؤكد أن مركز البحوث الزراعية سيظل في يقيني أحد أهم أعمدة العلم التطبيقي في مصر، وركيزة أساسية في حماية مستقبل الزراعة والأمن الغذائي. وأكنّ كل التقدير للقيادات التي تعاقبت على إدارته خلال سنوات عملي، ولما بذلته من جهود في إدارة هذا الصرح الكبير والحفاظ على دوره العلمي والوطني، مع اختلاف الرؤى والأولويات من مرحلة إلى أخرى.

كما أوجه تحية اعتزاز إلى علمائه وباحثيه والعاملين فيه، الذين يمثلون ثروته الحقيقية وقوته المستدامة. فالمؤسسات العظيمة لا تُبنى بجهد فرد، ولا تُختزل في اسم مسؤول، وإنما تنهض بتراكم جهود أجيال متعاقبة، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والبحث إلى حلول، والعلم إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. وقد تتغير المواقع والمسميات الوظيفية، لكن الانتماء إلى هذا الصرح والاعتزاز برسالته سيبقيان جزءاً من هويتي، وستظل خدمة الزراعة المصرية واجباً وطنياً لا يرتبط بكرسي أو منصب أو مسمى وظيفي، بل بإيمان راسخ بأن هذا الوطن يستحق منا جميعاً أن نواصل العطاء من أجله، كلٌّ من موقعه وبما يستطيع.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى