اكتشاف فطر عملاق في الصين يعود إلى عهود الديناصورات: أسرار تطورية وتطبيقات حيوية في تحليل الأخشاب

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في إطار السعي المتواصل لاستكشاف التنوع الحيوي وإماطة اللثام عن أسرار التطور الجزيئي للكائنات الحية، تواصل الأبحاث الفطرية والدراسات البيئية تقديم اكتشافات استثنائية تعيد تشكيل فهمنا لديناميكيات العلاقات التكافلية والتحليلية في المنظومات البيئية.
وفي اكتشاف علمي فريد من نوعه، نجح فريق بحثي من معهد كونمينغ النباتي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في الكشف عن فطر عملاق في غابات مقاطعة يوننان، وأطلقوا عليه الاسم العلمي (Dianjunus rex). ويُعد هذا الفطر المكتشف ضخمًا بامتياز؛ إذ يمكن أن يصل ارتفاع جسمه الثمري إلى 50 سم، ويتجاوز وزن العينة الواحدة 2 كجم، مسجلًا بذلك أكبر نمو وثمار على الإطلاق بين مجموعة الفطريات الكيسية (Ascomycetes).
تتأكد الأهمية العلمية والتطورية الاستثنائية لهذا الفطر من خلال التحليلات الجينومية والتاريخية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن السلالة التطورية لهذا النوع نشأت منذ ما يقرب من 65 مليون سنة، أي بالتزامن مع فترة الانقراض الجماعي للديناصورات في أواخر العصر الطباشيري. ويمتلك هذا الفطر نمطًا حياتيًا فريدًا؛ حيث يرجح العلماء أنه يعيش أولًا كفطر داخلي محايد (Endophyte) داخل أنسجة الأشجار السليمة دون إحداث أي ضرر فسيولوجي، وعقب موت الشجرة، يتحول فورًا إلى فطر رمي يبدأ في تحليل مادة الخشب، مما يمنحه ميزة تنافسية وحيوية كبرى على باقي الفطريات والمحللات.
تتكشف أبعاد هذا الاكتشاف البيولوجي المتقدم عبر ثلاثة محاور جوهرية:
• الديناميكية المزدوجة للنمط الحيوي: القدرة على التحول الفسيولوجي المذهل من التعايش الداخلي الآمن مع العائل النباتي إلى النمط الرمي النشط فور حدوث الإجهاد أو الموت الخلوي للشجرة.
• الكفاءة الإنزيمية المتقدمة لتحليل اللجنين والسليلوز: امتلاك ترسانة من الإنزيمات المحللة للأخشاب والمكونات الجدارية الصعبة، مما يتيح له تفكيك المركبات السليلوزية والجدارية بكفاءة عالية وفائقة السرعة.
• البصمة الوراثية والتطور التاريخي: تمثيل سلالة حفرية حية عاصرت التحولات البيئية الكبرى على كوكب الأرض، مما يوفر مادة جينومية غنية لدراسة تطور الفطريات الكيسية وآليات تكيفها.
تتقاطع هذه المعطيات العلمية والوراثية بشكل مباشر مع رؤيتنا وتوجهاتنا البحثية في قسم بحوث دراسة الخلية بمركز البحوث الزراعية؛ حيث يمثل التحري عن الإنزيمات الفطرية والمحللات الحيوية والتفاعلات الخلوية بين النبات والميكروبيوم حجر الزاوية لتطوير تطبيقات التكنولوجيا الحيوية الزراعية، وإعادة تدوير المخلفات الحقلية، ودراسة مناعة الخلايا النباتية.
وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذا الاكتشاف في بيئتنا البحثية والإنتاجية عبر:
1. دراسة الإنزيمات الفطرية المحللة للسليلوز (Lignocellulolytic Enzymes): استكشاف جينات هذا الفطر واستغلال إنزيماته في إثراء أبحاث تحويل المتبقيات والمخلفات الزراعية الحقلية إلى سماد عضوي عالي الجودة أو طاقة حيوية.
2. فهم آليات التعايش الداخلي الفطري (Fungal Endophytes): دراسة كيفية تعايش الفطريات داخل الأنسجة النباتية دون إضرار بالخلايا، لتوظيف سلالات مشابهة في تعزيز نمو المحاصيل الاستراتيجية ومقاومتها للإجهادات.
3. التوصيف الجينومي للإنزيمات والمترشحات: إجراء أبحاث للتوصيف البيوكيميائي والخلوي للمركبات الثانوية التي يفرزها الفطر لاستكشاف خواصها مضادات للميكروبات أو محفزات للنمو.
إن الكشف عن مثل هذه الكائنات الحية العملاقة والتاريخية، كفطر Dianjunus rex، يؤكد أن البيولوجيا الجزيئية وسيرورة التطور لا تزالان تحتفظان بأسرار حيوية قادرة على رفد البحث العلمي بابتكارات واعدة تخدم الزراعة المستدامة والتكنولوجيا الحيوية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



