التاكسي الأبيض من وسيلة مواصلات إلى فخ للنصب بالعداد

بقلم: د.أسامة بدير
في زحام وسط البلد بالقاهرة، وتحديداً بميدان الأوبرا، كنت أقف محاولاً طلب سيارة “أوبر” للعودة إلى منطقة المنيب، لكن ضعف شبكة الإنترنت وانعدام الاتصال في تلك اللحظة دفعني لاتخاذ قرار سريع باللجوء إلى “التاكسي الأبيض”، ذلك المشروع الذي خرج للنور يوماً باعتباره خطوة حضارية لتنظيم النقل وتقديم خدمة محترمة للمواطن المصري عبر عداد إلكتروني يضمن الشفافية والعدالة.
وبالمصادفة، توقف أمامي أحد هذه التاكسيات، فسألت السائق بشكل مباشر: “توصّلني المنيب بكام؟”، فرد سريعاً: “بالعداد يا بيه زي ما يجيب”. وافقت دون تردد، باعتبار أن العداد هو الفيصل العادل بين الراكب والسائق، لكنني لم أكن أعلم أنني على موعد مع تجربة صادمة تكشف كيف تحولت بعض هذه العدادات إلى وسيلة للنصب والابتزاز في غياب الرقابة الحقيقية.
وخلال الرحلة، كنت أتابع الطريق بشكل طبيعي، حتى فوجئت عند الوصول بأن العداد يسجل نحو 260 جنيهاً، وهو رقم صادم وغير منطقي تماماً بالنسبة لمشوار من وسط البلد إلى المنيب. نظرت إلى السائق متعجباً وقلت له إن هذا المبلغ مبالغ فيه بدرجة كبيرة، ولا يمكن أن يكون حقيقيًا، خاصة أنني قطعت المسافة نفسها عشرات المرات بمبالغ أقل بكثير.
لكن السائق بدأ في تبرير الأمر قائلًا: “يا بيه الحكومة بتاخد مننا ضرائب وحاجات كتير”، وكأن المواطن أصبح مسؤولاً عن تعويض أي خسائر أو أعباء تقع عليه. وعندما أكدت له أن العداد واضح أنه “ملعوب فيه” وغير دقيق بالمرة، بدأ يحلف بأغلظ الأيمان أن العداد سليم، وهنا أيقنت أنني أمام شخص محترف في الكذب والنصب وفرض الأمر الواقع على الركاب، مستغلًا خوف البعض من الدخول في مشادات أو مشاكل في الشارع.
في تلك اللحظة، فضّلت إنهاء الموقف سريعاً حفاظًا على سلامتي وراحتي النفسية، خاصة مع ارتباطي بمواعيد مهمة، رغم أن أمين شرطة كان موجوداً بالقرب من المكان وكان بإمكاني الاستعانة به. دفعت المبلغ وغادرت السيارة سريعاً، لكن الواقعة تركت بداخلي قدراً كبيراً من الغضب والحزن على ما وصل إليه حال بعض سائقي التاكسي الأبيض الذين أساؤوا لفكرة محترمة كان الهدف منها حماية المواطن لا استغلاله.
إن ما حدث معي ليس مجرد خلاف على أجرة، بل جرس إنذار يكشف خطورة غياب الرقابة على بعض العدادات الإلكترونية التي تحولت لدى بعض السائقين إلى وسيلة لنهب المواطنين وأكل أموالهم بالباطل. ولهذا، أحذر الجميع من استقلال أي تاكسي أبيض دون الاتفاق المسبق على الأجرة أو التأكد من سلامة العداد، حتى لا يتعرضوا لعمليات نصب وابتزاز مشابهة.
وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الكبرى تقع على الجهات الرقابية والأجهزة المعنية، التي يجب عليها تكثيف الحملات المفاجئة لفحص عدادات التاكسي الأبيض والتأكد من دقتها وصلاحيتها للعمل، مع توقيع عقوبات رادعة على السائقين عديمي الضمير الذين يسيئون للمهنة ويشوّهون صورة منظومة النقل بالكامل. فالمواطن من حقه أن يشعر بالأمان والعدالة، لا أن يتحول كل مشوار بالنسبة له إلى معركة مع النصب والاستغلال.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



