إنذار من المجاري: الصرف الصحي يكشف مخزوناً خفياً قد يشعل موجة مستقبلية من مقاومة المضادات الحيوية

بقلم أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في الوقت الذي يؤدي فيه تفشّي البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية بحياة أكثر من مليون شخص سنويًا، يكشف بحث علمي دولي جديد عن مصدر مقلق للخطر المستقبلي: شبكات الصرف الصحي حول العالم.
الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Communications، تشير إلى أن مياه الصرف لا تحتوي فقط على بكتيريا مقاومة معروفة، بل تخفي أيضًا مخزونًا عالميًا ضخمًا من جينات مقاومة «كامنة» قد تتحول في أي لحظة إلى أسلحة فعّالة بيد الميكروبات.
جينات نائمة… لكنها ليست بريئة
حلّل فريق دولي من الباحثين 1240 عينة صرف صحي جُمعت من 351 مدينة في 111 دولة، بحثًا عن جينات مقاومة المضادات الحيوية (ARGs) التي تمكّن البكتيريا من النجاة من العلاجات الدوائية.
وإلى جانب الجينات المعروفة، استخدم العلماء تقنية متقدمة تُعرف بـ«الميتاجينوميات الوظيفية» للكشف عن جينات «كامنة» – أي جينات موجودة في الحمض النووي للبكتيريا لكنها غير نشطة حاليًا.
الخطر؟
هذه الجينات يمكن أن تنشط فجأة في ظروف معينة، وتتحول إلى مقاومة فعّالة، ما يجعلها وقودًا محتملاً لموجة جديدة من «البكتيريا الخارقة».
مكتبة عالمية للمقاومة المستقبلية
تشير النتائج إلى أن هذه الجينات الكامنة أكثر انتشارًا من جينات المقاومة المعروفة حاليًا، وتشكل ما يشبه «مكتبة عالمية خفية» لمقاومة المضادات الحيوية.
تقول الباحثة الرئيسية هانا-ماري مارتيني من الجامعة التقنية في الدنمارك إن هذه النتائج تعني أننا نواجه تهديدًا أوسع بكثير مما كنا نتصور، مؤكدة أن تطور المقاومة لا يعتمد فقط على انتشار البكتيريا، بل على الانتقاء والتنافس داخل البيئة الميكروبية.
لماذا الصرف الصحي مهم؟
يرى الباحثون أن مراقبة مياه الصرف تمثل وسيلة:
• عملية.
• أخلاقية.
• ومنخفضة التكلفة.
لرصد تطور مقاومة المضادات الحيوية، لأنها تجمع مخلفات:
• البشر.
• الحيوانات.
• والبيئة المحيطة.
ويؤكد باتريك مونك، أحد المشاركين في الدراسة، أن برامج الرصد الحالية يجب أن تتوسع لتشمل الجينات الكامنة، وليس فقط المقاومة النشطة، «حتى نستعد لمشكلات الغد، لا مشكلات اليوم فقط».
تهديد مؤجل… لكنه حتمي لبعض الجينات
لا تعني النتائج أن جميع هذه الجينات تشكل خطرًا وشيكًا، لكن العلماء يحذرون من أن بعضها سيتحول حتمًا إلى مشكلة صحية مستقبلية.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه قد يساعد العلماء على:
• التنبؤ بأنواع المقاومة القادمة.
• معرفة أي بكتيريا ستكون الأخطر.
• وتطوير مضادات حيوية أكثر ذكاءً قبل فوات الأوان.
كما يشير الباحثون إلى مفارقة قاتمة: بحلول الوقت الذي يُطوَّر فيه دواء جديد – وهي عملية تستغرق سنوات – قد تكون البكتيريا قد اخترعت بالفعل أدواتها الجينية لتدميره.
الرسالة الأهم: المعركة بدأت قبل ظهور العدو
تكشف هذه الدراسة أن الحرب ضد مقاومة المضادات الحيوية لا تُخاض فقط في المستشفيات والمختبرات، بل تحت أقدامنا مباشرة، في شبكات الصرف الصحي.
والسؤال لم يعد: هل ستظهر مقاومات جديدة؟ بل: هل سنرصدها مبكرًا… قبل أن تتحول من جينات نائمة إلى أزمة صحية عالمية؟
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



