عجائب أعماق البحار.. من المدينة المفقودة إلى مملكة الشعاب المرجانية الخفية
روابط سريعة :-

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في أعماق المحيط الأطلسي، وعلى عمق يزيد على 700 متر تحت سطح الماء، تقع واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارةً للدهشة على كوكب الأرض. إنها “المدينة المفقودة” (Lost City)، وهي ليست مدينة بناها البشر، بل تكوين جيولوجي فريد يشبه الأبراج والقلاع الحجرية التي ترتفع من قاع المحيط في مشهد يبدو وكأنه من عالم آخر.
وقد أثارت هذه المنطقة اهتمام العلماء منذ اكتشافها عام 2000؛ لأنها تمثل بيئة لا تشبه أي مكان آخر معروف على الأرض، وقد تحمل أدلة مهمة حول كيفية ظهور الحياة لأول مرة قبل مليارات السنين.
أبراج شاهقة تحت الماء
تقع المدينة المفقودة بالقرب من سلسلة جبال وسط المحيط الأطلسي، حيث ترتفع عشرات الأبراج والأعمدة البيضاء، الكريمية اللون، من قاع البحر. وتتفاوت أحجامها بين تكوينات صغيرة تشبه الفطر وأبراج عملاقة يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 60 مترًا، أي ما يعادل مبنى مكونًا من عشرين طابقًا.
وتتكون هذه الأبراج من معادن الكربونات التي ترسبت عبر آلاف السنين نتيجة تفاعلات كيميائية بين مياه البحر وصخور الوشاح الأرضي الموجودة في أعماق القشرة الأرضية.
مصنع طبيعي للهيدروجين والميثان
ما يجعل هذه المنطقة استثنائية هو أن النشاط فيها لا يعتمد على البراكين أو الصهارة الساخنة، كما هو الحال في الفوهات الحرارية المعروفة باسم “المدخنات السوداء”.
ففي المدينة المفقودة تتفاعل مياه البحر مع الصخور الغنية بمعادن الحديد والمغنيسيوم في عملية تُعرف علميًا باسم “السربنتنة” (Serpentinization)، وهي عملية تنتج كميات كبيرة من غازي الهيدروجين والميثان.
وتُعد هذه الغازات من المكونات الأساسية للتفاعلات الكيميائية التي يمكن أن تؤدي إلى تكوين الجزيئات العضوية الأولى اللازمة للحياة.
حياة تزدهر بلا ضوء الشمس
من المدهش أن هذه البيئة المظلمة، التي لا تصلها أشعة الشمس إطلاقًا، تعج بالحياة.
ففي شقوق الفتحات الحرارية تعيش أنواع متنوعة من البكتيريا والميكروبات التي تعتمد على الطاقة الكيميائية بدلًا من الطاقة الشمسية. وتُعرف هذه الكائنات باسم “الكائنات الكيميائية التغذية”، إذ تحصل على غذائها من التفاعلات الكيميائية بين الصخور والمياه.
كما تعيش في المنطقة القواقع، والقشريات، وبعض أنواع الروبيان، وسرطان البحر، وقنافذ البحر، رغم الظروف البيئية القاسية.
ويعتقد العلماء أن هذه الكائنات تمثل نماذج حية لما قد تكون عليه أشكال الحياة الأولى التي ظهرت على الأرض قبل نحو 4 مليارات سنة.
أقدم نظام حراري مائي معروف
تشير الدراسات إلى أن المدينة المفقودة ظلت نشطة لمدة لا تقل عن 120 ألف عام، وربما لفترة أطول بكثير. وهذا يجعلها أطول بيئة حرارية مائية عمرًا تم اكتشافها حتى الآن في المحيطات.
وعلى عكس المدخنات السوداء، التي قد يتوقف نشاطها خلال عقود أو قرون قليلة، فإن تفاعلات المدينة المفقودة تستمر ببطء واستقرار، مما يوفر بيئة مناسبة لاستمرار الحياة لفترات زمنية طويلة.
اكتشاف قد يفسر أصل الحياة
في عام 2024، تمكن فريق دولي من الباحثين من استخراج عينة صخرية أسطوانية بطول 1268 مترًا من المنطقة، وهو رقم قياسي في عمليات الحفر العلمية في صخور الوشاح الأرضي.
ويأمل العلماء أن تساعد هذه العينات في فهم الظروف الكيميائية التي كانت سائدة على الأرض البدائية عندما بدأت الحياة في الظهور لأول مرة.
وتشير بعض الفرضيات العلمية إلى أن الحياة ربما لم تبدأ في البرك الضحلة أو المحيطات السطحية، كما كان يُعتقد سابقًا، بل داخل أنظمة مشابهة للمدينة المفقودة، حيث تتوافر الطاقة الكيميائية والمركبات العضوية اللازمة لتكوين الخلايا الأولى.
هل توجد مدن مشابهة خارج الأرض؟
لا يقتصر اهتمام العلماء بهذه المنطقة على فهم تاريخ الأرض فقط، بل يمتد إلى البحث عن الحياة خارج كوكبنا.
فبحسب خبراء الأحياء الفلكية، يمكن أن توجد بيئات مشابهة على أقمار جليدية مثل إنسيلادوس وأوروبا، حيث تشير الأدلة إلى وجود محيطات سائلة تحت القشرة الجليدية.
وإذا كانت الحياة قادرة على الازدهار في أعماق محيطات الأرض المظلمة اعتمادًا على التفاعلات الكيميائية فقط، فمن المحتمل أن تكون ظروف مشابهة قد سمحت بظهور الحياة في أماكن أخرى من النظام الشمسي.
تهديدات بشرية تلوح في الأفق
رغم القيمة العلمية الهائلة للمدينة المفقودة، فإنها ليست بمنأى عن الأخطار. فقد أثارت خطط التعدين في أعماق البحار مخاوف العلماء من احتمال تعرض المنطقة، أو المناطق المحيطة بها، للتلوث أو التدمير غير المباشر.
ويحذر الباحثون من أن الرواسب والمواد الناتجة عن عمليات التعدين قد تؤثر في النظام البيئي الحساس الذي استغرق عشرات الآلاف من السنين ليتشكل.
لذلك يطالب عدد من العلماء والمنظمات البيئية بإدراج المدينة المفقودة ضمن مواقع التراث الطبيعي العالمي؛ لضمان حمايتها للأجيال القادمة.
نافذة على ماضي الأرض ومستقبل البحث العلمي
تمثل المدينة المفقودة واحدة من أكثر المختبرات الطبيعية إثارة على كوكب الأرض. فهي لا تكشف فقط عن قوة العمليات الجيولوجية في أعماق البحار، بل قد تساعد أيضًا في الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية: كيف بدأت الحياة؟
وفي الوقت الذي يواصل فيه العلماء استكشاف هذا العالم الخفي، تبقى المدينة المفقودة شاهدًا مدهشًا على قدرة الطبيعة على خلق الحياة حتى في أكثر البيئات عزلة وغموضًا، وربما تكون مفتاحًا لفهم وجود الحياة في أماكن أخرى من الكون.
وإذا كانت “المدينة المفقودة” قد كشفت للعلماء عن بيئة قد تشبه مهد الحياة الأول على الأرض، فإن اكتشافًا آخر في جنوب المحيط الأطلسي أظهر أن أعماق البحار ما تزال تخبئ عوالم كاملة لم تكن معروفة من قبل، حيث عثر الباحثون على واحدة من أكبر الواحات البيولوجية في المياه العميقة.
عالم مرجاني مخفي في أعماق المحيط.. اكتشاف مذهل بحجم دولة الفاتيكان
في أعماق جنوب المحيط الأطلسي، قبالة السواحل الأرجنتينية، حيث يسود الظلام الدائم وتنخفض درجات الحرارة إلى مستويات قريبة من التجمد، كشف العلماء عن عالم طبيعي مذهل ظل مخفيًا عن الأنظار لملايين السنين.
فقد عثر فريق دولي من الباحثين على أكبر شعاب مرجانية معروفة من نوع Bathélia candida في المياه العميقة، تمتد على مساحة تقارب 0.4 كيلومتر مربع، وهي مساحة تقترب من حجم دولة الفاتيكان، لتشكل واحدة من أكثر البيئات البحرية تنوعًا وغنىً بالحياة في أعماق المحيطات.
واحة للحياة في قلب الظلام
عندما نتخيل أعماق المحيطات، غالبًا ما نتخيل عالمًا خاليًا من الحياة، تغمره الظلمة والبرودة الشديدة. لكن الاكتشاف الجديد أثبت أن الواقع أكثر إثارة بكثير.
فبين الشعاب المرجانية العملاقة، رصد العلماء تجمعات هائلة من الكائنات البحرية، شملت السرطانات البحرية، والأخطبوطات، والأسماك النادرة، ونجوم البحر المتفرعة، وقناديل البحر الشفافة التي تبدو وكأنها كائنات قادمة من عالم خيالي.
ويصف علماء الأحياء البحرية الموقع بأنه واحد من أكثر النظم البيئية حيوية التي تمت مشاهدتها في أعماق البحار حتى الآن.
كيف تعيش الشعاب المرجانية دون ضوء الشمس؟
في المياه الضحلة تعتمد الشعاب المرجانية على طحالب دقيقة تعيش داخل أنسجتها، وتزودها بالطاقة من خلال عملية البناء الضوئي.
أما في الأعماق السحيقة، فلا يصل أي ضوء شمسي، ولذلك طورت الشعاب المرجانية العميقة أسلوبًا مختلفًا للبقاء.
فهي تعتمد على ما يعرف بـ”الثلج البحري”، وهو خليط من الجزيئات العضوية الدقيقة وبقايا الكائنات الحية التي تهبط ببطء من الطبقات العليا للمحيط نحو القاع.
وتعمل الشعاب المرجانية كشبكات طبيعية تلتقط هذه المواد الغذائية من الماء، مما يسمح لها بالنمو وتكوين هياكل ضخمة توفر المأوى والغذاء لعشرات الأنواع الأخرى من الكائنات البحرية.
اكتشاف تم بالصدفة
كان الباحثون على متن سفينة الأبحاث “فالكر” يبحثون، في الأصل، عن ينابيع باردة تتسرب منها غازات مثل الميثان من باطن قاع البحر، باستخدام المركبة الآلية “سيباستيان” التي يتم التحكم بها عن بُعد.
وخلال عمليات المسح المفصلة، فوجئ الفريق بظهور هذا العالم المرجاني الهائل الذي لم يكن معروفًا من قبل.
ويؤكد العلماء أن هذا الاكتشاف يوضح مدى محدودية معرفتنا بقاع المحيطات، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من أعماق البحار ما تزال غير مستكشفة بشكل كامل.
ثلاثة واحات للحياة في رحلة واحدة
لم يقتصر الاكتشاف على الشعاب المرجانية فقط، بل تمكن الباحثون من توثيق ثلاثة أنظمة بيئية نادرة في منطقة واحدة.
أولها الشعاب المرجانية العميقة، التي تؤوي أعدادًا هائلة من الكائنات البحرية.
وثانيها “الينابيع الباردة”، وهي مناطق تتسرب منها مركبات كيميائية، مثل الميثان وكبريتيد الهيدروجين، من باطن الأرض، فتغذي كائنات دقيقة قادرة على إنتاج الطاقة من التفاعلات الكيميائية بدلًا من ضوء الشمس.
أما المفاجأة الثالثة، فكانت العثور على ما يعرف بـ”سقوط الحيتان”، وهو الهيكل العظمي المتبقي لحوت نافق استقر في قاع البحر منذ عقود طويلة.
عندما يتحول الحوت إلى نظام بيئي كامل
قد يبدو الأمر غريبًا، لكن موت الحيتان في أعماق المحيط يمثل بداية حياة جديدة لكثير من الكائنات الأخرى.
فعندما يستقر جسد الحوت في القاع، تبدأ الكائنات المفترسة والقمامة البحرية في استهلاك الأنسجة الرخوة، ثم تتحول العظام تدريجيًا إلى موطن للبكتيريا والديدان والقشريات والكائنات الدقيقة.
وقد عثر الباحثون على أول حالة موثقة لسقوط حوت في المياه العميقة التابعة للأرجنتين، على عمق يقارب 3890 مترًا، حيث لم يتبقَّ منه سوى العظام التي أصبحت موطنًا لكائنات عديدة.
قنديل شبح عملاق من أعماق المحيط
ومن بين المشاهد النادرة التي سجلتها الكاميرات أيضًا ظهور قنديل البحر العملاق المعروف باسم Stygiomedusa gigantea، والذي يعد من أندر الكائنات البحرية على وجه الأرض.
ويتميز هذا القنديل بأذرعه الطويلة التي قد يتجاوز طولها عشرة أمتار، ورغم حجمه الكبير، فقد تم تسجيل أقل من 120 مشاهدة مؤكدة له حول العالم بسبب معيشته في الأعماق السحيقة.
أنواع جديدة لم يعرفها العلم من قبل
خلال الرحلة العلمية التي غطت أكثر من 900 كيلومتر من قاع المحيط، جمع الباحثون عشرات العينات البيولوجية من الشعاب المرجانية والموائل العميقة المختلفة.
وتشير الدراسات الأولية إلى احتمال اكتشاف 28 نوعًا جديدًا من الكائنات البحرية لم يسبق وصفها علميًا.
ولا تزال هذه العينات تخضع للفحص والتحليل، ما يعني أن المفاجآت العلمية القادمة من أعماق جنوب الأطلسي قد تكون أكبر مما يتوقعه العلماء.
رسالة من أعماق البحار
يكشف هذا الاكتشاف أن أعماق المحيطات ليست صحارى مائية خالية من الحياة، كما كان يُعتقد في الماضي، بل تضم أنظمة بيئية معقدة وغنية بالتنوع الحيوي.
كما يؤكد أن المحيطات ما تزال تخفي أسرارًا هائلة لم تُكتشف بعد، وأن كل بعثة علمية جديدة قد تفتح نافذة على عالم مجهول يساعدنا على فهم تطور الحياة على الأرض، وربما يرشدنا مستقبلًا إلى كيفية البحث عن الحياة في محيطات الكواكب والأقمار.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



