تقارير

الصراصير تخفي سراً وراثياً عمره ملايين السنين.. علماء يكتشفون آلاف القطع الدخيلة في حمضها النووي

إعداد: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

لطالما أثارت الصراصير دهشة العلماء بقدرتها المذهلة على البقاء والتكيف مع البيئات القاسية. فهذه الحشرات التي عاشت على الأرض منذ مئات ملايين السنين نجحت في النجاة من تغيرات مناخية هائلة وانقراضات جماعية أطاحت بكائنات أكثر قوة وتعقيداً.
ويعتقد الباحثون أن أحد أسرار هذا النجاح الاستثنائي يكمن في جيناتها الوراثية، التي تمنحها قدرات تساعدها على مقاومة السموم وإصلاح الأنسجة والتكيف مع الظروف البيئية المتغيرة.

لكن دراسة علمية حديثة كشفت مفاجأة غير متوقعة، إذ تبين أن الصراصير لا تعتمد فقط على جيناتها الخاصة، بل تحمل داخل حمضها النووي آلاف القطع الوراثية التي حصلت عليها من كائنات أخرى منذ ملايين السنين.

عندما تستعير الكائنات جينات من بعضها

في العادة تنتقل الجينات من الآباء إلى الأبناء عبر الأجيال المتعاقبة، وهو ما يعرف بالتوارث الرأسي.
لكن العلماء يعرفون أيضاً ظاهرة أخرى أكثر غرابة تسمى “النقل الجيني الأفقي”، حيث تنتقل أجزاء من المادة الوراثية مباشرة بين كائنات حية مختلفة لا تربطها علاقة أبوة أو نسل.

وقد كان يُعتقد أن هذه الظاهرة شائعة بين البكتيريا والكائنات الدقيقة فقط، بينما تحدث بصورة نادرة جداً لدى الحيوانات والنباتات المعقدة.
إلا أن الدراسة الجديدة تشير إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً مما كان متصوراً.

البكتيريا التي تركت بصمتها داخل الصرصور

قاد الدراسة باحثون من جامعة سيدني الأسترالية، حيث قاموا بتحليل الجينومات الكاملة لـ18 نوعاً من الصراصير والنمل الأبيض.
وخلال التحليل اكتشف العلماء وجود كميات هائلة من الحمض النووي تعود إلى بكتيريا تعرف باسم Blattabacterium cuenoti.
وتعيش هذه البكتيريا داخل أجسام الصراصير منذ ملايين السنين، وتساعدها في إعادة تدوير مركبات النيتروجين والاستفادة من العناصر الغذائية بكفاءة أكبر.
لكن المفاجأة كانت أن العلاقة بين الطرفين لم تقتصر على التعاون البيولوجي، بل شملت أيضاً انتقال أجزاء من الحمض النووي البكتيري إلى جينوم الصرصور نفسه.

أكثر من 40 ألف قطعة وراثية دخيلة

أظهرت النتائج أن الباحثين تمكنوا من العثور على أكثر من 40 ألف قطعة من الحمض النووي البكتيري داخل جينومات الصراصير المدروسة.
ويتفاوت عدد هذه القطع بين الأنواع المختلفة، حيث تراوح بين عشرات ومئات وآلاف الأجزاء الوراثية.
ويعد هذا الرقم استثنائياً مقارنة بما سجلته الدراسات السابقة، إذ لم يتجاوز عدد حالات النقل الجيني الأفقي المكتشفة في الحيوانات المعقدة بضع مئات من القطع الوراثية.
ويشير ذلك إلى أن الصراصير قد تمثل واحدة من أكثر الكائنات المعروفة استقبالاً للمادة الوراثية القادمة من كائنات أخرى.

سر ظل مخفياً لعقود

يرجع سبب عدم اكتشاف هذه القطع الوراثية في السابق إلى أن معظم الدراسات كانت تركز على الجينات التي تصنع البروتينات فقط.
أما الدراسة الجديدة فقد بحثت أيضاً في المناطق غير المشفرة من الحمض النووي، وهي أجزاء لا تنتج بروتينات بشكل مباشر، لكنها قد تؤدي أدواراً تنظيمية مهمة داخل الخلية.
وقد أدى هذا النهج الأكثر شمولاً إلى الكشف عن آلاف القطع الوراثية التي كانت مخفية عن أنظار العلماء.

إرث وراثي يعود إلى ملايين السنين

من المثير للاهتمام أن بعض هذه القطع الوراثية يبدو أنها انتقلت إلى أسلاف الصراصير في مراحل مبكرة جداً من تاريخها التطوري.
وتشير التحليلات إلى أن بعض الأجزاء ظلت محفوظة داخل الجينوم لمدة لا تقل عن 28.7 مليون سنة.
ويعتقد الباحثون أن استمرار هذه القطع لفترة زمنية طويلة قد يعني أنها تؤدي وظائف مفيدة، أو على الأقل لا تسبب أضراراً كافية تدفع الانتخاب الطبيعي إلى التخلص منها.

كيف يحدث النقل الجيني الأفقي؟

يحدث النقل الجيني الأفقي عندما تعيش كائنات مختلفة في علاقة وثيقة للغاية تسمح بانتقال أجزاء من المادة الوراثية من أحدها إلى الآخر.
وفي حالة الصراصير، عاشت البكتيريا المتكافلة داخل خلاياها لفترات طويلة جداً، ما أتاح انتقال أجزاء صغيرة من الحمض النووي البكتيري إلى جينوم الحشرة عبر الزمن.
وتشبه هذه العملية إلى حد ما قيام كائن حي بإضافة صفحات جديدة إلى كتابه الوراثي من مصدر خارجي.

هل استفادت الصراصير من هذه الجينات؟

حتى الآن لا يعرف العلماء على وجه اليقين ما إذا كانت هذه القطع الوراثية تؤدي وظائف محددة داخل جسم الصرصور.
فمن الممكن أن تكون بعض الأجزاء قد ساهمت في تعزيز قدرة الحشرة على التكيف أو مقاومة الظروف البيئية المختلفة.
ومن الممكن أيضاً أن تكون مجرد بقايا وراثية خاملة لا تؤدي دوراً واضحاً حالياً.
لكن استمرارها داخل الجينوم لعشرات ملايين السنين يدفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن بعضها قد يكون اكتسب أهمية بيولوجية مع مرور الزمن.

ماذا يعني هذا الاكتشاف؟

لا يقتصر تأثير هذه النتائج على فهم الصراصير فقط، بل قد يغير نظرة العلماء إلى تطور الكائنات الحية بشكل عام.
فإذا كان النقل الجيني الأفقي أكثر انتشاراً مما كان يُعتقد سابقاً، فقد تكون العديد من الحيوانات الأخرى قد اكتسبت أجزاء من مادتها الوراثية من كائنات متكافلة عاشت معها عبر ملايين السنين.
ويشير ذلك إلى أن التطور لا يعتمد دائماً على الطفرات الوراثية والتوارث التقليدي وحدهما، بل قد يشمل أيضاً تبادل المعلومات الجينية بين أنواع مختلفة من الكائنات الحية.

نافذة جديدة على تطور الحياة

تكشف هذه الدراسة أن الحمض النووي للكائنات الحية قد يكون أكثر ديناميكية وتعقيداً مما تصور العلماء لعقود طويلة.
فالصراصير، التي اشتهرت بقدرتها الاستثنائية على البقاء، تخفي داخل جيناتها سجلاً وراثياً يعود إلى ملايين السنين من التعايش مع البكتيريا.
ومع استمرار تطور تقنيات تحليل الجينوم، قد يكتشف العلماء أن قصصاً مشابهة مكتوبة داخل الحمض النووي لكثير من الكائنات الحية الأخرى، لتؤكد أن تاريخ الحياة على الأرض لم يكن مجرد رحلة منفصلة لكل نوع، بل شبكة معقدة من العلاقات والتبادلات الوراثية التي ساهمت في تشكيل التنوع البيولوجي الذي نراه اليوم.

ماذا يعني هذا الاكتشاف لصحة الإنسان؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن دراسة تتعلق بالحمض النووي للصراصير بعيدة عن صحة الإنسان، لكن العلماء يرون أن نتائجها قد تحمل تطبيقات مهمة في الطب وعلم الأحياء الجزيئي.
ففهم الطريقة التي تنتقل بها أجزاء الحمض النووي بين الكائنات الحية المختلفة قد يساعد الباحثين على فهم آليات تطور بعض الأمراض، وكذلك كيفية تفاعل الميكروبات التي تعيش داخل أجسامنا مع خلايانا على المدى الطويل.
ويحتضن جسم الإنسان تريليونات البكتيريا والميكروبات التي تشكل ما يعرف بالميكروبيوم البشري، وهو نظام بيئي معقد يؤثر في الهضم والمناعة وحتى الصحة النفسية.
ورغم عدم وجود أدلة حالية تشير إلى حدوث انتقالات وراثية واسعة النطاق مشابهة لما اكتُشف في الصراصير، فإن الدراسة تدفع العلماء إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات طويلة الأمد بين الكائنات الدقيقة ومضيفيها.
وقد تسهم هذه الأبحاث مستقبلاً في تطوير علاجات جديدة تعتمد على الاستفادة من التفاعلات الوراثية بين الإنسان والكائنات المجهرية النافعة.

خطوة جديدة لفهم مقاومة الحشرات للمبيدات

تمثل الصراصير واحدة من أكثر الحشرات قدرة على مقاومة الظروف البيئية القاسية والمواد السامة، وهو ما يجعل مكافحتها تحدياً دائماً في المدن والمناطق السكنية.
ويرى الباحثون أن بعض الأسرار الكامنة وراء هذه القدرة قد تكون مرتبطة بالتغيرات الجينية التي تراكمت داخل جينوم الصرصور عبر ملايين السنين.
فإذا أثبتت الدراسات المستقبلية أن بعض القطع الوراثية المكتسبة من البكتيريا تلعب دوراً في إزالة السموم أو تعزيز مقاومة المبيدات، فقد يفتح ذلك الباب أمام تطوير استراتيجيات أكثر دقة وفعالية لمكافحة الحشرات.
وبدلاً من الاعتماد على زيادة جرعات المبيدات الكيميائية، قد يصبح بالإمكان استهداف المسارات البيولوجية المسؤولة عن مقاومة الحشرات بشكل مباشر، مما يقلل من الأضرار البيئية والصحية المرتبطة بالاستخدام المكثف للمبيدات التقليدية.

نحو جيل جديد من المكافحة الحيوية

يعتمد كثير من برامج مكافحة الآفات الحديثة على فهم العلاقات بين الحشرات والكائنات الدقيقة التي تعيش داخلها.
وقد يساعد اكتشاف العلاقة الوراثية العميقة بين الصراصير والبكتيريا المتكافلة معها في تطوير وسائل جديدة للمكافحة الحيوية تعتمد على تعطيل هذه الشراكة الطبيعية.
فإذا كانت بعض البكتيريا تؤدي دوراً أساسياً في تغذية الصرصور أو حمايته من السموم، فإن استهداف هذه البكتيريا قد يضعف الحشرة دون الحاجة إلى استخدام كميات كبيرة من المواد الكيميائية.
ويعد هذا الاتجاه من أكثر المجالات الواعدة في إدارة الآفات الزراعية والحضرية خلال العقود المقبلة.

أبعاد اقتصادية تتجاوز عالم الحشرات

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الجانب العلمي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واسعة.
فالحشرات المنزلية والزراعية تكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات سنوياً نتيجة الخسائر التي تسببها للمحاصيل الزراعية والمخازن الغذائية والمنشآت المختلفة، بالإضافة إلى تكاليف المكافحة المستمرة.
وكلما تمكن العلماء من فهم الآليات الوراثية التي تمنح بعض الحشرات قدرتها الاستثنائية على البقاء والتكيف، زادت فرص تطوير حلول أقل تكلفة وأكثر كفاءة.
كما يمكن أن تسهم هذه المعرفة في تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية مرتفعة الثمن، وخفض الأضرار البيئية الناتجة عنها، وتحسين كفاءة برامج إدارة الآفات في الزراعة والصحة العامة.

من الصرصور إلى التكنولوجيا الحيوية

يرى بعض العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الاكتشافات قد تتجاوز مكافحة الحشرات نفسها.
فالجينات أو الآليات البيولوجية التي ساعدت الصراصير على التكيف والبقاء لملايين السنين قد تلهم تطوير تطبيقات جديدة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية.
وعلى غرار ما استفاد العلماء سابقاً من بكتيريا التربة في إنتاج المضادات الحيوية، أو من الكائنات البحرية في تطوير أدوية جديدة، قد تقود دراسة العلاقات الوراثية المعقدة بين الصراصير والبكتيريا إلى اكتشاف أدوات بيولوجية جديدة ذات قيمة طبية وصناعية.

دروس من كائن نجح في البقاء

تكشف هذه الدراسة أن الصراصير ليست مجرد حشرات مزعجة نجحت في البقاء رغم محاولات الإنسان المستمرة للقضاء عليها، بل تمثل نموذجاً علمياً فريداً لفهم التكيف والتطور والتعايش بين الكائنات الحية.
فكل قطعة وراثية انتقلت من البكتيريا إلى الصرصور عبر ملايين السنين قد تحمل معلومة جديدة عن كيفية تطور الحياة، وكيف تكتسب الكائنات الحية قدرات تساعدها على مواجهة التحديات البيئية.
ولهذا فإن دراسة هذه الحشرات لا تساعد فقط في تحسين وسائل مكافحتها، بل قد تسهم أيضاً في تطوير تطبيقات طبية واقتصادية وتقنية تعود بالنفع على الإنسان في المستقبل.
نُشرت الدراسة في دورية PNAS العلمية المتخصصة في يونيو 2026 ويثير هذا الاكتشاف تساؤلات جديدة حول مدى انتشار تبادل المادة الوراثية بين الكائنات الحية، وهو مجال قد يعيد صياغة كثير من المفاهيم التقليدية في علم التطور خلال السنوات المقبلة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى