رأى

رقصة الجاذبية والحديد: هل نقرصن السماء لأننا عجزنا عن الأرض؟

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد

رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية

قبل ثلاثة أيام، كنت واقفًا في أحد حقولنا التجريبية بالمركز. كان الفجر يتسلل بخجل بين سيقان الذرة؛ ركعتُ، وأخرجتُ من جيبي سكينًا صغيرًا، وشققتُ التربة برفق لأتأمل جذورًا صغيرة كانت تكافح لتصل إلى الماء. في تلك اللحظة، لم أكن أفكر في المريخ مطلقًا.

ثم جاء الخبر مساءً: «سبيس إكس تستعد لإطلاق أضخم صاروخ في التاريخ». وفجأة، شعرت أن العالم يقفز في اتجاه، وأنا أزحف في الاتجاه المعاكس تمامًا.

الانتحاء الضوئي عند البشر

للنباتات خاصية علمية مذهلة اسمها «الانتحاء الضوئي» (Phototropism)؛ ببساطة: الجذع يبحث عن الضوء، والجذر يبحث عن الظل، وكلاهما يريد البقاء.

وأنا أرى نفس الغريزة في عيون زملائي عندما نتحدث عن الفضاء؛ ذلك البريق الذي يلمع في العيون حين يُذكر اسم «سبيس إكس» أو «ستارشيب»، كأن الأرض أصبحت فجأة سجنًا مملًا، والهروب إلى المريخ هو الحلم الوحيد الذي يستحق العناء. لكنني، وأنا أدير وجهي شطر نجوم الصحراء المصرية ليلًا، أتساءل: هل نحن نبحث عن الضوء حقًا؟ أم أننا نهرب من ظلّنا الخطير على هذه الأرض؟

الصاروخ الذي سيقرصن السماء

صاروخ «ستارشيب» الذي يستعد للانطلاق هو أعجوبة هندسية بكل المقاييس؛ أطول من تمثال الحرية، وأقوى من صاروخ «ساتورن 5» الذي حمل البشر إلى القمر قبل نصف قرن. محركاته تلتهم الوقود كأنها وحوش جائعة، وجسمه المعدني الصامت يعيد تعريف هندسة الاحتمالات.

لا أنكر أنني شعرت برهبة حقيقية وأنا أشاهد المقاطع الترويجية للرحلة؛ فالجزء مني الذي يعشق المعادلات الفيزيائية ويحترم كسر قيود الجاذبية كان يصفق بحماس، لكن الجزء الآخر —الجزء الذي يحفر في التربة بسكين صغير كل صباح— كان يهمس في أذني: «إلى أين أنتم ذاهبون بكل هذه السرعة الجنونية؟».

الانفصام الذي لا نتحدث عنه

إليكم ما يزعجني حقًا كباحث: بينما تستعد المختبرات العالمية لحرق مليارات الدولارات في محاولة يائسة لإنزال بشر على كوكب ميت؛ لا يوجد فيه هواء، ولا ماء، ولا تربة صالحة للحياة، فإن حقولنا هنا في مصر تعاني من جفاف متزايد، ومن تملح التربة، ومن أصناف قمح تقليدية لم تعد تتحمل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة.

لست ضد حلم الفضاء كفكرة، لكنني ضد هذا الانفصام الفكري الذي يمارسه العصر؛ نرفع أعيننا إلى النجوم لنبرر بها إهمالنا البشع للبيئة تحت أقدامنا. أتذكر مقولة لإحدى رائدات الفضاء قالتها في مقابلة قديمة: «نحن ننظر إلى الأرض من الأعلى، فنراها بلا حدود.. لكننا عندما نعود، ننساها تمامًا».

خواطر في حقل تجريبي

الليلة الماضية، لم أنم جيدًا؛ تخيلت صاروخ «ستارشيب» وهو ينطلق، واهتزاز الأرض العنيف تحت قدميه، ثم تخيلت حبة قمح تنبت في التربة نفسها في نفس اللحظة. أيهما أكثر إدهاشًا وعبقرية؟ الصاروخ الذي يصنع طريقه عبر عنان السماء بالقوة الغاشمة؟ أم البذرة الصغيرة التي تشق طريقها وسط الصخور بالصبر الأعمى؟ السؤال هنا ليس فلسفيًا، بقدر ما هو وجودي بامتياز.

نحن نصنع صواريخ عملاقة كي نهرب من كوكب نساهم في تدميره كل يوم؛ ننفق المليارات على أحلام الفضاء، بينما لا نملك ميزانيات كافية لحماية غطاء نباتي بسيط ينتج الأكسجين الذي نتنفسه مجانًا. نريد أن نكون «كائنات متعددة الكواكب» قبل أن نتعلم كيف نكون كائنات عادلة ورحيمة على هذا الكوكب الوحيد المتاح لنا.

لا خلاص في المريخ.. على الأقل ليس الآن

سأكون صريحًا معكم: قد أكون مخطئًا، وربما بعد مئة عام من الآن، سينظر أحفادي إلى كلماتي هذه ويضحكون بسخرية؛ ربما سيكونون قد زرعوا القمح فعلًا في مستعمرات زجاجية فوق المريخ، ويقرأون مقالاتي القديمة كفضول تاريخي لباحث رجعي. لكن الآن، وأنا أغلق معملي وأخلع حذائي المليء بالتراب، أرى الأشياء من زاوية مختلفة.

الكون ليس ملعبًا مفتوحًا للهروب؛ الكون هو امتداد للأرض، والأرض ليست مجرد محطة عبور مؤقتة. نحن لم نُخلق لنغادر في أول قطار سريع؛ لقد تطورنا من هذا الطين، من هذا الماء، من خلايا نباتية صامتة تعلمت قبلنا ببلايين السنين أن الصعود إلى النور لا يعني أبدًا هجران الجذور.

غدًا، سأعود إلى حقولي التجريبية مبكرًا؛ سأفتش عن جذور جديدة، وسأترك صاروخ «سبيس إكس» يحلق في سماء النشرات الإخبارية، متمنيًا له النجاح كإنجاز بشري. لكن قلبي، هذه الليلة، سينام مع حبة قمح صغيرة في جوف الأرض، لا تعرف أن هناك في هذا العالم من يريد تركها وحيدة في الظلام، والرحيل نحو النجوم.

ملاحظة: المقال كُتب من منظور باحث مصري يعمل في علوم البيولوجيا النباتية، ويعبّر عن رأي شخصي نقدي لا يمثل جهة رسمية. الحقائق حول موعد إطلاق وتطورات صاروخ «ستارشيب» مبنية على الإعلانات الرسمية الأخيرة لشركة «سبيس إكس»، بينما الانتقادات الموجهة لسياسات تمويل الفضاء هي تأملات علمية وفلسفية للكاتب.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى