رئيس التحرير

ثلاثون عاماً من الصبر انتهت بي إلى قرار الرحيل

بقلم: د.أسامة بدير

أنا لا أكتب اليوم مقالاً صحفياً بالمعنى التقليدي، ولا أبحث عن عنوان مثير أو كلمات تستدر التعاطف. أنا أكتب لأنني وصلت إلى مرحلة لم يعد الصمت فيها فضيلة، ولم يعد التحمل فيها بطولة.

أقولها بكل وضوح: أنا أريد أن أرحل عن المكان الذي عشت فيه أكثر من ثلاثين عاماً.

نعم، أريد أن أرحل، رغم كل الذكريات التي تربطني بهذا المكان، ورغم السنوات الطويلة التي عشتها بين جدرانه، ورغم أن الرحيل بعد أكثر من ثلاثة عقود ليس قراراً سهلاً على الإطلاق.

لكنني أشعر أنني إذا بقيت أكثر من ذلك، فقد أدفع من صحتي وجسدي ونفسي ثمناً لا أستطيع تحمله.

أنا أعتقد أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد الإحساس بأن بيته هو المكان الذي يحتمي فيه من ضجيج الحياة.

وهذا تحديدًا ما يحدث معي.

لم يعد الأمر مجرد ضوضاء في الشارع يمكن احتمالها، ولا مجرد اختلاف في طباع الناس، وإنما أصبحنا أمام سلوكيات يومية تقتحم عليك خصوصيتك، حتى وأنت داخل منزلك.

ألفاظ خادشة للحياء أسمعها يومياً، أصوات وصراخ ومشاحنات، وسلوكيات من أطفال وشباب لا يراعون حرمة الشارع ولا حق الآخرين في الهدوء.

والشاهد بالنسبة لي أنني أحيانًا أجلس داخل شقتي، وأتساءل: هل أنا فعلاً داخل منزلي، أم أن الشارع أصبح هو الذي يحدد لي كيف أعيش؟

وأنا هنا أقولها بوضوح حتى لا يُساء فهم كلامي: أنا لا أكره مصر، ولا أكره المصريين، ولا أضع شعباً كاملاً في سلة واحدة.

مصر بالنسبة لي وطن وتاريخ وذكريات وعمر كامل.

لكنني أرفض أن أدفن معاناتي تحت عبارات من نوع «استحمل» و«كل الناس كده» و«مفيش مكان هادي».

أنا أرى أن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح السلوك السيئ أمراً عادياً، وعندما يشعر صاحب الصوت المرتفع واللفظ البذيء والمشاجرة الدائمة أنه صاحب الحق، بينما يصبح الإنسان الذي يريد الهدوء هو الغريب في المكان.

وفي يقيني أن هذه ليست مشكلة فرد واحد، وإنما ظاهرة اجتماعية مؤلمة نحتاج إلى الاعتراف بها بدلاً من إنكارها.

أنا عشت هنا أكثر من ثلاثين عاماً.

ثلاثون عاماً ليست فترة قصيرة حتى يقول لي أحدهم: «تأقلم».

لقد تأقلمت بما يكفي.

تحملت تغير المكان، وتغير الناس، وتغير شكل الشارع، وتغير كثير من الأشياء التي كنت أظن أنها لن تتغير.

لكنني اليوم وصلت إلى نقطة مختلفة.

أنا لا أريد أن أقضي ما تبقى من عمري في معركة يومية مع الضوضاء والفوضى والسلوكيات التي تستنزف أعصابي.

أنا أريد أن أكتب.

أريد أن أقرأ.

أريد أن أعمل.

أريد أن أجلس مع أسرتي في هدوء.

أريد أن أفتح نافذة منزلي دون أن تصل إلى أذني ألفاظ لا أستطيع حتى تكرارها.

هل هذا كثير؟

أنا أحيانًا أسأل نفسي: متى أصبح الهدوء رفاهية؟

متى أصبح من حق الإنسان أن يبحث عن مكان آمن وهادئ وكأنه يبحث عن شيء نادر؟

أنا لا أريد قصراً، ولا أبحث عن حي للأثرياء، ولا أريد حياة مترفة.

أريد فقط مكانًا يحترم الإنسان.

مكانناً لا يكون فيه الصراخ هو اللغة السائدة، ولا تكون الألفاظ الخارجة جزءًا من المشهد اليومي، ولا يصبح الشارع مصدراً دائمًا للتوتر.

وأنا أقولها من واقع تجربة شخصية: الإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر، ويستطيع أن يتحمل ضغوط الحياة، لكنه يصعب عليه أن يعيش طويلاً في بيئة تستنزف أعصابه كل يوم.

لذلك أكتب اليوم وأناشد أصحاب القلوب الرحيمة.

إذا كان هناك من يستطيع أن يساعدني في العثور على مكان أعيش فيه بعيداً عن هذا الضجيج وهذه الفوضى، فأنا مستعد.

بل أقول أكثر من ذلك: أنا مستعد للرحيل فوراً.

داخل مصر أو خارجها، لا فرق عندي إذا وجدت المكان الذي أستطيع أن أعيش فيه بسلام.

وأنا مستعد لتحمل تبعات هذا القرار بالنسبة لي ولأسرتي، مهما كانت صعوبته.

فأنا لم أعد أبحث عن رفاهية، وإنما عن ضرورة.

أنا أرى أن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن المكان الذي يعيش فيه أصبح يستهلكه نفسياً وعصبياً، فمن حقه أن يبحث عن مكان آخر.

ليس عيباً أن تقول: لم أعد أحتمل.

وليس ضعفاً أن تبحث عن النجاة.

وليس خيانة للمكان أن ترحل عنه بعد أن منحته أكثر من ثلاثين عامًا من عمرك.

أنا لا أهرب من مصر، وإنما أهرب من واقع محدد لم أعد قادراً على احتماله.

وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي أقول فيها ما أفكر فيه منذ فترة طويلة دون حسابات أو مجاملات:

أنا أريد أن أرحل قبل أن ينهار ما تبقى مني.

لقد أعطيت هذا المكان أكثر من ثلاثة عقود من عمري، وحان الوقت لأن أسأل نفسي سؤالاً بسيطاً: ماذا تبقى لي من العمر، وهل من العدل أن أستهلكه كله في مقاومة أشياء لا أستطيع تغييرها؟

أنا لا أطلب المستحيل.

أنا فقط أبحث عن مكان أستطيع فيه أن أعيش بهدوء، وأن أكتب ما تبقى لي من كلمات، وأن أستيقظ صباحاً دون أن يكون أول ما يصل إلى أذني صراخاً أو سباباً أو مشاجرة.

فهل من مستجيب؟ هل هناك من يستطيع أن يمد لي يداً تساعدني على الرحيل؟ ربما يكون هذا الرحيل، في هذه اللحظة من حياتي، ليس هروبًا من المكان، وإنما عودة أخيرة إلى نفسي قبل أن أخسرها تماماً.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى