رئيس التحرير

بعد 30 يوماً تبدأ مرحلة جديدة من حياتي

بقلم: د.أسامة بدير

لم يتبقَّ أمامي سوى 30 يومًا على الموعد الذي ظل يقترب مني عاماً بعد عام، حتى أصبح الآن على مرمى البصر.. موعد الوصول إلى سن التقاعد.

الغريب أنني لا أشعر بالخوف من هذا اليوم، ولا أستقبله بالحزن الذي قد يشعر به البعض عندما يقتربون من نهاية حياتهم الوظيفية، بل على العكس تمامًا.. أنا أشعر بسعادة حقيقية وأنا أقترب منه.

أنا أرى أن بلوغ سن التقاعد بالنسبة لي ليس نهاية، وإنما لحظة تحرر.. تحرر من قيود ومتطلبات العمل الرسمي، ومن الالتزامات التي تفرضها الوظيفة على الإنسان، ومن ذلك الإيقاع اليومي الذي يجعله في كثير من الأحيان يؤدي ما يجب عليه أن يؤديه، حتى وإن كان بداخله ما يريد أن يفعله في اتجاه آخر.

والشاهد بالنسبة لي أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو يوزع وقته بين ما يريد وما يجب، حتى تأتي لحظة يصبح فيها قادراً على أن يمنح الجزء الأكبر من عمره لما يؤمن به ويشعر بقيمته الحقيقية. وهذه اللحظة بالنسبة لي أصبحت قريبة جداً.. 30 يوماً فقط.

لا أخفي أنني أنتظرها بشيء من الشغف، لأنني أعرف جيداً ماذا تعني لي. لا تعني أنني سأغلق باب العمل، ولا أنني سأضع القلم جانباً، ولا أنني سأقول للصحافة والبحث: إلى اللقاء. على العكس تماماً، أنا أعتقد أنني بعد التقاعد سأكون أكثر قدرة على العطاء، لأنني سأكون أكثر حرية في إدارة وقتي، وأكثر قدرة على اختيار الموضوعات التي تستحق أن أكتب عنها، والقضايا التي أرى أن من واجبي أن أبحث فيها، والأفكار التي ظلت مؤجلة بسبب ارتباطات العمل الرسمي.

أنا لا أتقاعد من الكتابة، ولا من الصحافة، ولا من البحث. أنا فقط أترك الوظيفة الرسمية بما لها من متطلبات وقيود، لأتفرغ بصورة أكبر لما أعتبره جزءًا أصيلاً من شخصيتي وحياتي.

ويقيني أن هناك فارقاً كبيراً بين أن يتقاعد الإنسان من وظيفة، وبين أن يتقاعد من الحياة. الأولى مرحلة طبيعية يصل إليها كل من أمضى سنوات عمره في العمل، أما الثانية فهي قرار مختلف تماماً، وأنا لا أراها خياراً بالنسبة لي.

لقد اعتدت طوال سنوات طويلة أن أعمل وأن أكتب وأن أبحث وأن ألاحق الفكرة حتى تصل إلى الناس، ولذلك لا أتصور أن أستيقظ صباحاً بعد التقاعد لأجد نفسي بلا هدف. ربما يحدث العكس تماماً.. ربما أستيقظ للمرة الأولى منذ سنوات طويلة وأنا أشعر أن اليوم ملكي بالكامل، وأنني أستطيع أن أقرر كيف أستخدم ساعاته، وما الذي أكتبه، وما الذي أبحث عنه، وما الذي أتركه جانباً.

وهنا تكمن سعادتي الحقيقية.. أنا سعيد لأنني سأتحرر من الوظيفة، وليس لأنني سأبتعد عن المناصب الرسمية. سعيد لأنني سأمتلك قدراً أكبر من الحرية، وليس لأنني سأمتلك وقتاً للراحة فقط. سعيد لأنني أقترب من مرحلة أستطيع فيها أن أقول «نعم» لما أؤمن به، و«لا» لما لا أريده، دون أن تكون هناك حسابات مرتبطة بمتطلبات المناصب والمسئوليات الرسمية.

وبالنسبة لي، هذه ليست رفاهية، وإنما ثمرة سنوات طويلة من العمل. لقد أعطيت الوظيفة الرسمية سنوات من عمري، وأديت ما استطعت من واجباتها، وحان الوقت لأن أعطي نفسي شيئاً من حقي في الاختيار.

أنا لا أريد أن أختار الراحة فقط.. أريد أن أختار العطاء الذي أحب. أريد أن أكتب لأنني أريد أن أكتب، لا لأن هناك موعداً أو تكليفاً. أريد أن أبحث لأن هناك قضية تستحق البحث، لا لأن هناك إطاراً وظيفياً يحدد لي ما أفعله. أريد أن أمارس الصحافة بالطريقة التي أؤمن بها، وأن أستثمر ما تبقى من العمر في المعرفة والكتابة وخدمة الناس.

لذلك، كلما اقتربت الأيام الثلاثون، أجدني أكثر اطمئناناً. أنا لا أعد الأيام خوفاً من القادم، وإنما أعدها انتظاراً للحرية.

وربما يكون أجمل ما في هذه المرحلة أنني سأدخلها وأنا أعرف تماماً أن لدي الكثير الذي لم أقله بعد، والكثير الذي أريد أن أكتبه، والكثير الذي أريد أن أبحث عنه.

لقد تتغير الصفة الوظيفية بعد 30 يوماً، وقد تتغير بعض التفاصيل الرسمية، لكنني أنا لن أتغير. سيبقى القلم معي، وستبقى الصحافة معي، وسيبقى البحث معي، وسيظل لدي إيمان بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ مرحلة جديدة في أي عمر، طالما بقي لديه ما يؤمن به وما يستحق أن يعيش من أجله.

بعد 30 يوماً سأترك الوظيفة الرسمية وأصبح باحثاً متفرغاً، لكنني لن أتقاعد عن العطاء.. بل ربما، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، سأبدأ العطاء بالطريقة التي أريدها أنا.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى