رئيس التحرير

الحسد يطارد الناجحين في مجتمعنا!!

بقلم: د.أسامة بدير

لم يعد من الممكن تجاهل ظاهرة اجتماعية خطيرة تتسع مساحتها داخل المجتمع المصري، وهي انتشار الحسد والنظر إلى نعم الآخرين بعين الحقد والضيق، حتى أصبح نجاح الإنسان أو تحسن أحواله المادية أو استقراره الأسري أو تقدمه المهني سبباً كافياً لدى البعض لمراقبته والتربص به وتتبع تفاصيل حياته، وكأن رؤية الآخرين ينعمون بما أنعم الله عليهم أصبحت عبئاً نفسياً على نفوس لا تعرف معنى الرضا.

أنا أرى أننا أمام مشكلة تتجاوز مجرد الغيرة العابرة أو المنافسة الطبيعية بين الناس، لتصل في بعض صورها إلى حالة من العداء النفسي والاجتماعي تجاه كل إنسان ناجح. فهناك من لا يشغله تطوير حياته أو تحسين أوضاعه بقدر ما يشغله معرفة ما حققه الآخرون، وماذا اشتروا، وأين سافروا، وكيف يعيشون، وما الذي يمتلكونه، ثم تتحول هذه المعرفة إلى مادة للمقارنة والحقد وتمني زوال النعمة.

والأكثر خطورة أن بعض الأشخاص لا يكتفون بمراقبة حياة الناجحين، وإنما يتابعون أخبارهم وتفاصيل تحركاتهم، ويبحثون عن مواطن ضعفهم، ويتلذذون بتعثرهم، بل قد يشعرون بالارتياح عندما تصيبهم أزمة أو مشكلة. وهنا لا نتحدث عن اختلاف في الطباع أو وجهات النظر، وإنما عن خلل في منظومة القيم والعلاقات الإنسانية، يستحق التوقف أمامه بكل جدية.

ومن منظور علم الاجتماع، يمكن تفسير جانب من هذه الظاهرة من خلال نظرية المقارنة الاجتماعية لعالم النفس ليون فستنغر، التي توضح أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تقييم نفسه وقدراته وأوضاعه من خلال مقارنتها بالآخرين. وهذه المقارنة قد تكون دافعاً إيجابياً للتطور والاجتهاد، لكنها تتحول إلى مصدر للإحباط والعداء عندما يعجز الإنسان عن تقبل تفوق غيره، أو ينظر إلى نجاح الآخرين باعتباره انتقاصاً من قيمته الشخصية.

وأعتقد أن المشكلة في مجتمعنا أن المقارنة لدى بعض الأشخاص لم تعد وسيلة للتعلم والاستفادة من تجارب الناجحين، وإنما تحولت إلى سباق غير معلن لمعرفة من يمتلك أكثر، ومن يعيش أفضل، ومن حقق مكانة أعلى. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت تفاصيل الحياة الخاصة متاحة أمام الجميع، وأصبح البعض يتعامل مع صور النجاح والسفر والممتلكات والإنجازات باعتبارها فرصاً للمقارنة وإطلاق الأحكام، بدلاً من أن تكون مصدراً للإلهام والتحفيز.

والشاهد بالنسبة لي أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند صاحب النعمة أو النجاح، بل تمتد إلى أسرته وأبنائه وزوجته، وإلى بيئة عمله وعلاقاته المهنية. فقد يعيش الإنسان سنوات من القلق بسبب شعوره بأنه مراقب، وأن كل خطوة يخطوها وكل إنجاز يحققه سيكون موضع حديث الآخرين وتأويلاتهم. وقد يؤدي التعرض المستمر للتنمر والتشهير والعداء الاجتماعي إلى ضغوط نفسية شديدة، تصل في بعض الحالات إلى اضطرابات تستلزم تدخلاً متخصصاً.

ولا أقول إن كل أزمة يتعرض لها ناجح سببها الحسد، أو إن كل من يتابع أخبار الآخرين يحسدهم، فذلك تعميم لا يستقيم مع المنطق. لكنني أؤكد أن الحقد والتربص والتدخل في الخصوصيات والتشفي في أزمات الناس سلوكيات مدمرة، وقد رأينا كيف يمكن أن تتحول إلى أسباب حقيقية لتفكيك علاقات أسرية، وإفساد بيئات عمل، وإحباط أشخاص بذلوا سنوات من أعمارهم حتى يصلوا إلى ما وصلوا إليه.

يقيني أن المجتمع الذي لا يفرح لنجاح أبنائه، ولا يتمنى الخير لبعضه البعض، مجتمع يضعف من داخله، مهما امتلك من إمكانات وثروات. فالنجاح ليس جريمة، والثراء ليس تهمة، والتقدم المهني ليس استفزازاً لأحد، وامتلاك الإنسان لنعمة لا يعني أنه أخذها من نصيب غيره. أرزاق الله واسعة، وأبواب النجاح متعددة، وما يناله إنسان من خير لا ينتقص بالضرورة مما يمكن أن يناله الآخرون.

وأرى أن الوقت قد حان لرفض مجتمعي واضح لهذه الظاهرة، وعدم التسامح مع تحويل حياة الناجحين إلى ساحة للمراقبة والتشويه والتربص. علينا أن نعيد الاعتبار لقيم الرضا والقناعة والمحبة والتكافل، وأن نربي أبناءنا على أن نجاح زملائهم وأقاربهم وأصدقائهم ليس تهديداً لهم، وإنما دليل على أن الاجتهاد والعمل يمكن أن يحققا نتائج تستحق التقدير. كما ينبغي أن نضع حداً لثقافة انتهاك الخصوصية وتتبع أخبار الناس والتدخل في شؤونهم، وأن ندرك أن الكلمة الجارحة والتشهير والتشفي قد تترك آثاراً لا تقل خطورة عن الأذى المادي.

وأؤكد أن محاربة الحسد والحقد والتربص ليست دعوة إلى إخفاء النعم أو الخوف من إظهار النجاح، وإنما دعوة إلى إصلاح خلل أخلاقي واجتماعي يهدد استقرار الأسر ونجاح المؤسسات ومستقبل العلاقات الإنسانية. لا يجوز أن يدفع الإنسان ثمن اجتهاده، أو يخفي فرحته بإنجاز حققه، أو يعيش أسيراً للخوف من عيون لا تتمنى له الخير. إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه مجتمع هو أن يصبح نجاح أفراده مصدراً للعداء بدلاً من أن يكون مصدراً للفخر والإلهام. فلنحارب هذه الظاهرة بكل قوة، ولنستبدل الحسد بالدعاء، والحقد بالتقدير، والتربص بالتعاون، ولنتذكر دائماً أن محبة الخير للآخرين لا تحرمنا من خير الله، وأن المجتمعات لا تتقدم إلا عندما يفرح أبناؤها بنجاح بعضهم البعض.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى