الثروة الحيوية.. الركيزة الثالثة للأمن القومي الزراعي المصري

بقلم: أ.د.منيرة محمد الفاتح
رئيس بحوث بمعهد بحوث وقاية النباتات والمشرف العام على وثائقيات الزراعة المصرية بمركز البحوث الزراعية
اليوم الموافق الثلاثين من أغسطس من عام 2026م، يكتمل العام السادس على نشر مقالي عبر موقع الفلاح اليوم بعنوان «الأصدقاء الحيوية»، والذي حوى في افتتاحيته السطور التالية:
«أستثمر هذه السطور للحديث عمن ليس لهم صوت يدافعون به عن أنفسهم عندما نسميهم الأعداء الحيوية، بينما هم في حقيقة الأمر أصدقاء لنا في الحرب على أعدائنا من الكائنات التي قد تتمرد على دورها في التوازن الطبيعي».
واليوم، وبذات التاريخ، وبعد مرور ستة أعوام كاملة على ذاك المقال، ما زلت على العهد، لكن هذه المرة لست وحدي؛ فمن يؤمنون بهذه القضية كثر، وجميع المعطيات المحلية والعالمية تشير إلى أنه قد آن الأوان أن يدخل ملف هذه القضية لحيز التنفيذ قبل أن ينفد الوقت ويصمت ربيع هؤلاء الأصدقاء، ولن يجدي صوتي بعدها في نجدتهم التي هي في الحقيقة تعد طوق نجاة لنا ولطعامنا ولبيئتنا.
رابط مقال الأصدقاء الحيوية:
https://alfallahalyoum.news/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D8%AF%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9.html/
حقيقة الأمر، هؤلاء الأصدقاء ليسوا مجرد موارد طبيعية يُذكرون على هامش كل نشرة أو كل جلسة أو كل توصية زراعية، إنما هم ثروة حيوية يكمن فيها سر بقاء التوازن الطبيعي لكوكبنا، وأنا هنا لا أعني فقط عناصر المكافحة الحيوية للآفات، والتي تعتبر جيوشًا صديقة تحارب معنا بقدرات متنوعة لا حصر لها في معركتنا ضد الآفات الزراعية، إنما المعنى يشمل أيضًا كل الكائنات التي خُلقت من أجل دعمنا على هذه الأرض؛ فمن ذاك الطائر الصدوق (أبو قردان) الذي شارك الفلاح المصري في رحلة نجاحه في الزراعة على ضفتي النهر، إلى تلك النحلة التي لا تعد فقط مصدرًا للعسل، إنما هي شريك للمزارع من خلال دورها في عملية التلقيح وزيادة الإنتاجية الزراعية، إلى تلك الدودة الصغيرة التي تصنع بالصبر والمثابرة من ورق التوت حريرًا قادرًا على النهوض بصناعة تعزز الاقتصاد الآن كما كان في الماضي.
مجمل القول أن هذه الكائنات منها معين فاعل للزراعة بالحقول، إما بكونها محاربًا للآفات مثل عناصر المكافحة الحيوية المختلفة، وإما بكونها شريكًا زراعيًا بارعًا كالنحل، وإما بكونها شريكًا صناعيًا كدودة الحرير، والأمثلة كثيرة والأدوار في الطبيعة مختلفة، لتقدم لنا خدمات عديدة لتحقيق منظومة زراعية مستدامة، ولهذا أراها تستحق منا ألا نكتفي فقط بذكر محاسنها في توصياتنا الزراعية.
كما أن دراسة عناصر المكافحة الحيوية ضمن تخصص «وقاية النباتات من الآفات» ضامن لخروج نتائج بحثية علمية على نطاق المعمل أو الصوبة الزراعية أو حقل التجارب الصغير فقط، لكن لن يكون ذلك كافيًا إلا باستثمارها كثروة قومية تحتاج دراسات جدوى اقتصادية تحولها لواقع تطبيقي واسع المجال، يحقق فكرة إنشاء لجنة فرعية لـ«مطبقي المكافحة الحيوية» على غرار «لجنة مطبقي المبيدات»، وبالتناغم معها من أجل تحقيق الزراعة الآمنة المستدامة.
يكفينا أننا إلى اليوم نسمي ذاك الجيش المخلص من المفترسات والطفيليات والكائنات الدقيقة النافعة «بالعدو الحيوي»، ويكفينا أننا إلى اليوم نضع دراسة صديق الفلاح «أبو قردان» ضمن تخصصات «الحيوانات الضارة بالزراعة»، ويكفينا أننا إلى اليوم نجعل دراسة النحل، وهو الشريك الصانع والزارع البارع، ضمن تخصص «وقاية النباتات من الآفات»، وهو ليس بآفة، ويكفينا أننا ما زلنا إلى اليوم نضع دراسة الشريك الوحيد القادر على صناعة الحرير الطبيعي ضمن تخصص «وقاية النباتات من الآفات»، وهو ليس بآفة، وليس أيضًا بعنصر من عناصر المكافحة الحيوية، إنما هو ثروة قومية صناعية حيوية وهبنا الله إياها.
وينتصر التاريخ لفكرتي هذه في إحدى الفترات الزمنية، فبرغم أن فرع أبحاث الحرير كان تابعًا لقسم وقاية النباتات منذ نشأته عام 1927م، لكن «كتاب الزراعة السنوي» الصادر عن وزارة الزراعة في موسم عام 1934/1935م تضمن ما يشير إلى تبعية «فرع بحوث الحرير» في هذه الفترة «لقسم تربية النباتات»، وليس «لقسم وقاية النباتات»، إيمانًا من رواد تلك الفترة أن العلاقة التي تربط دودة الحرير بشجرة التوت إيجابية وغير مضرة بالنبات.
لا أقصد هنا الدعوة لنقل تبعية هذا القسم العريق لأية جهة أخرى، وهو اليوم ليس فرعًا صغيرًا كما كان بالأمس، ولا أقصد إعادة هيكلة للمنظومة الحالية التي ورثناها منذ عقود طويلة، إنما يعنيني البحث عن أسباب فقدان «الثروة الحيوية» لهويتها الحقيقية ولدورها القومي، وهو ما يستوجب إطارًا وتشريعًا لحمايتها ولتفعيل دورها في ظل المعطيات المستجدة في وقتنا الراهن.
ربما يكون الخيار الأنسب هو أن تأخذ هذه الكائنات مكانها العادل ضمن القطاعات المهمة في وزارة الزراعة، فكما أن قطاع الزراعة يشمل «قطاعًا للثروة النباتية وقطاعًا للثروة الحيوانية»، أرى أن ينشأ قطاعًا مستقلًا بمسمى «قطاع الثروة الحيوية».
إن وضع هذه الكائنات النافعة أمانة في عنق قطاع أو حتى لجنة بعينها، سيجعل ربيعها لا يصمت مرة ثانية، وسيجعل لها مكانًا على أرض الواقع في كل برامج إدارة المنظومة الزراعية في بلادنا، وسينقلها من صفحات الكتب والأبحاث والاجتهادات العلمية بالمعامل وفي أرض التجارب الزراعية المحدودة إلى أرض الحقول والنطاق الأوسع، حيث الأثر المرجو منها في تحقيق الزراعة الآمنة والمستدامة، وتعيد للبيئة المصرية توازنها من خلال خبرات متراكمة عبر أجيال عدة ومن جهات بحثية عدة، لتوظيفها الواعي بالاستعانة بخبراء الاقتصاد الزراعي، حتى نضمن الاستثمار الأمثل لها بالتكامل مع مختلف التخصصات العلمية ذات الصلة بالجهات المعنية بالزراعة المصرية.
بهذه الخطوة لن تكون هذه الكائنات مجرد عناصر للتنوع البيولوجي، وإنما ثروة قومية وظهيرًا مساندًا للزراعة العضوية، بل وللمنظومة الزراعية المستدامة على وجه العموم.
والاعتراف بكونها الركيزة الثالثة للأمن القومي الزراعي، قادر على جعل مصر تأخذ مكانتها في الريادة العالمية بوضع إطار خاص لتوظيف مصطلح «الثروة الحيوية» في تحقيق المفهوم الصحيح للزراعة الآمنة والمستدامة، واستجابة لاحتياجات الحاضر وتطلعات المستقبل.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



