آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / الأصدقاء الحيوية

الأصدقاء الحيوية

أ.د/منيرة محمد

بقلم: أ.د/منيرة محمد الفاتح

رئيس بحوث بمعهد بحوث وقاية النباتات ـ مركز البحوث الزراعية

استثمر هذه السطور للحديث عمن ليس لهم صوت يدافعون به عن أنفسهم عندما نسميهم الأعداء الحيوية بينما هم في حقيقة الأمر أصدقاء لنا في الحرب على أعداءنا من الكائنات التي قد تتمرد على دورها في التوازن الطبيعي.

الحديث هنا عن المفترسات وأشباه الطفيليات والكائنات الدقيقة التي لها دور فاعل في القضاء على الآفات الزراعية او ما يسمى بـالمكافحة الحيوية عبر كائنات حية وهي “الأصدقاء الحيوية” كما أحب أن أسميها بديلاً عن مصطلح “الأعداء الحيوية” والتي تسير جنبا الى جنب مع المكافحة الكيماوية المعتمدة على المبيدات الزراعية ضمن عناصر برامج المكافحة المتكاملة للآفات الزراعية.

لن ننجح في كبح جماح الآفات الزراعية الا لو تشاركنا مع تلك الكائنات الصديقة ذات المهارات العديدة وأعددنا منها جيوشاً من مختلف أنواعها كعناصر بديلة وآمنة عن الاستخدام المكثف للأسلحة الكيماوية والتي لن نتخلى عنها أبداً فهي السلاح القوي السريع إذا ما فلت زمام السيطرة على الاعداء الحقيقية عندما تحاول ان تتفرد بكوكبنا أو عندما تحمل معها أمراضا نباتية تدمر المحصول حتى لو كانت اعدادها قليلة.

حقيقة الامر اذا اردنا ان ننجح في كبح جماح الأعداء الحقيقية يجب علينا توخي الحذر … فالأمر قد يحدث بأيدينا دون أن ندري عندما نقتل أصدقائنا الحيوية باستخدامنا غير الواعي وغير الرشيد لعناصر المكافحة الكيماوية فأول من يصاب في ميدان هذه المعركة للأسف هم “أصدقاؤنا الحيويون” وأول الناجون هم “أعداؤنا الحقيقيون” فقدرة أعداءنا على إنتاج أجيال تقاوم أسلحتنا الكيماوية أكثر بكثير من قدرة الأصدقاء الحيوية والكل في الميدان سيكون تحت أثر هذا السلاح الكيماوي الذي لن يفيد الا لو استخدمناه بحرص شديد وضمن برامج المكافحة المتكاملة  للآفات بشكل علمي صحيح، وهذ ما تم تداركه بالفعل منذ سنوات ليست ببعيدة بإعداد كوادر مدربة على أعلى مستوى فني وتطبيقي من خلال برنامج مطبقي المبيدات  في محافظات مصر المختلفة والذي تحمست له ورعته لجنة مبيدات الآفات الزراعية بـوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية.

وبهذا أصبح الاستخدام الرشيد للسلاح الكيماوي ضد الآفات الزراعية يمشي في مساره الصحيح ولكنه أبداً لن يكون السلاح الأول ولا السلاح الوحيد في وجه الآفات الزراعية، وأبداً لن ننجح  في حربنا هذه ضد الأعداء الحقيقية دون شراكتنا مع الأصدقاء الحيوية التي تمتلك مهارات ذكية بحكم تكوينها البيولوجي الذي جعلها بمثابة جنود مجهزة بكل أدوات الاستشعار عن بعد والانجذاب للعدو والوصول اليه بواسطة أجهزتها الدقيقة مهما كان العدو مختبئا في أماكن قد لا يستطيع المبيد الكيماوي الوصول اليها لأنه لا يملك أدوات البحث إنما هو سلاح لا يرى ولا يشعر إنما فقط أينما توجهه سيذهب ولن يذهب لأبعد من ذلك فهو بلا إرادة وبلا جسد يحتاج لإنقاذ نفسه من الموت جوعاً باستخدام حواسه المختلفة بعكس الحال في جنودنا من الأصدقاء الحيوية التي تبحث عن كثب بدافع البقاء عن وجبتها من الفرائس  في حالة كونها من المفترسات أو مسكنها من العوائل المختلفة من الآفات الزراعية لتستكمل دورة حياتها داخلها  لتحفظ حياتها كفرد ونوعها على الأرض في حالة كونها من المتطفلات والتي تسمى تحديداً في عالم هذه المخلوقات الصغيرة  “أشباه الطفيليات” وهي بهذا تخلصنا من اعداءنا من الآفات الزراعية دون أن يلحق بنا أي أذى، فالجندي منهم كالصديق الوفي الآمن بلا شك على أرواحنا وغذائنا وبيئتنا.

ربما لأن هذه الأصدقاء الحيوية هي منحة ربانية أنعم بها على كوكبنا فليس بسهولة لأحد ان يسجلها كملكية فكرية خالصة له ليتكسب من ورائها الكثير كغيرها من البدائل المتاحة في حربنا على أعداءنا خصوصا عندما يكون الجندي هو من المفترسات أو أشباه الطفيليات الحشرية أو الحيوانية ربما يكون الأمر أيسر في حال استخدام الكائنات الدقيقة وما ينتج عنها … والتميز في حالة الاستثمار في الكائنات الحية من المفترسات وأشباه الطفيليات يفوز به فقط من يتمكن من توظيف مخرجات العلم والتقنيات المتاحة للنجاح في إنتاجها باستمرارية وبأعداد كمية هائلة لتكون جاهزة للاستخدام بيسر كجنود يمكن تعبئتها وحفظها ويسهل تداولها كمنتجات حيوية يمكن اطلاقها في الحقول لتقوم بمهمتها بنجاح تام وادراجها كعنصر واعد من عناصر برامج المكافحة المتكاملة للآفات الزراعية والتي أثبتت الكثير من البحوث والتجارب العلمية والعملية المختلفة ان منها انواعا في حال استخدامها في التوقيت المناسب بالطريقة المناسبة فإن هذا يجعلها بمثابة جنديا في أعلى درجات الجاهزية والكفاءة على نحو قد يغنينا عن اللجوء لغيره بديلاً أو مكملاً لحربنا على كثير من هذه الآفات الزراعية.

لكل هذا وأكثر أدعو لوجود لجنة “مطبقي الأصدقاء الحيوية” على غرار وجود “لجنة مطبقي المبيدات” حتى نختصر الطريق ونمهده لنجاح مهمة الجنود الحيوية بكفاءة تامة عند ادراجهم ضمن برامج المكافحة المتكاملة للآفات … خصوصاً أن أنواع هذه الجنود الحيوية مختلفة ومنها ما هو قادر على أن يعيننا في التخلص من أكثر من نوع من الآفات التي تتغذى على حاصلاتنا الزراعية ومنها ما هو بمثابة “قوات خاصة” لأنه يمتلك مهارات دفاعية متخصصة في مكافحة نوع بعينه فقط من اعداءنا بمهارة فائقة.

لذا ففكرة وجود لجنة مطبقي الأصدقاء الحيوية أرى انها تطرح نفسها وبقوة على المشهد خصوصا بعد صدور قانون الزراعة العضوية وبعد التوسع في زراعات الصوب المحمية وزيادة مساحة الرقعة الزراعية في مناطق جديدة مازالت بكراً خالياً من الملوثات ونطمح أن نحافظ عليها نظيفة لنا وللأجيال القادمة من بعدنا وليكون لها دور في صادرتنا الزراعية والتي لا محال يجب ان تكون خالية من متبقيات المبيدات فهذا أمر لا يهمنا فقط في الداخل وللمستهلك المصري إنما أيضا عندما نطمح لزيادة صادراتنا الزراعية للخارج.

ولكن قبل أن يكون هناك لجنة تدريبية لمطبقي الأصدقاء الحيوية يجب ان يوضع منهج البرنامج التدريبي بشكل يوظف كل مخرجات العلم من جميع الجهات البحثية المختصة بهذا المجال سواء بالمراكز البحثية أو الجامعات المختلفة حتى يتم وضع خلاصة أبحاث هذا المجال وصياغتها بشكل متكامل يسهل معه تطبيق عناصر المكافحة الحيوية المختلفة وقد يتطلب الأمر وجود برامج متخصصة لكل مجموعة من عناصر المكافحة الحيوية لإعداد كوادر ذات تخصصات مختلفة من مطبقي المكافحة الحيوية ويتاح فيها للمتدرب الاشتراك في أكثر من برنامج تدريبي لزيادة خبراته التي تعينه في سوق العمل على أرض الواقع.

هذا النهج في التفكير نحو مستقبل الزراعة الآمنة في بلادنا قد يحتاج الى ما هو أوسع من مجرد لجنة “مطبقي الأصدقاء الحيوية”… يحتاج الى كيان مختص ليس فقط في مجال المكافحة الحيوية بل يشمل كل البدائل الآمنة التي يشير العلم الى ارتفاع نسبة أمان استخداماتها في مكافحة الآفات الزراعية لكنها لم تجد بعد طريقها في مرحلة إدراجها بشكل معتمد ضمن برامج المكافحة المتكاملة للآفات الزراعية … كيان يضم أعضاء تشهد أبحاثهم ورسائلهم العلمية بجدارتهم وتخصصهم في هذا الاتجاه بأعداد مناسبة يتاح لها التفرغ المناسب لثقل هذه المهمة … كيان يؤمن أصحاب القرار بضرورة وجوده ودعمه مادياً ولوجستياً بشكل يمكنه من آداء رسالته على نحو أمثل وبشكل يضمن تجميع جهود باحثينا في ربوع مصر المختلفة تحت مظلة تؤمن حقا بهذه الرسالة نحو بلدنا الحبيب.

وما يجعلني أدعم فكرة وجود كيان مختص وقد كان أول من طرحها سابقا هو الاستاذ الدكتور محمد محمد أبو ستة رئيس بحوث بمعهد بحوث وقاية النباتات بـمركز البحوث الزراعية هو أنني أرى ان وجود كيان له ميزانية مستقلة وأهداف واضحة وكوادر مختصة لها مهمة محددة يتم متابعة نشاطها ونقله الى حيز التطبيق من خلال ادراج التوصيات التي سيتم صياغتها  من خلال هذا الكيان بالتكامل مع كيان “لجنة مبيدات الآفات الزراعية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي” وهذا التكامل الذي سيتم بين كليهما سيكون بمثابة طوق النجاة المتوازن والآمن في نهج تعاملنا مع الآفات الزراعية وسيحقق هدفا أصيلاً من اهداف وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي للتنمية الزراعية المستدامة.

ومصر تمتلك الخبرة الحقيقية من خلال باحثيها وخبراءها المشتغلين في مجال أبحاث المكافحة الحيوية في جميع الجهات البحثية المختصة لإنتاج معظم عناصر المكافحة الحيوية وبالفعل توجد عدة جهات حكومية مصرية ومن خلال مراكزنا البحثية تقوم بتربية بعض أنواع منها أثبتت نجاحها الكبير في السيطرة على تعداد الآفات بالحقول ولكن حتى الآن هذا الاتجاه يحتاج الى لفتة في صالح دعمه وتوسيع نطاق تطبيقه.

وعلى سبيل المثال لا الحصر تشهد التقارير الصادرة عن مجلس المحاصيل السكرية بـوزارة الزراعة المصرية بنجاح طفيل الترايكوجراما في خفض نسبة الإصابة بحشرات الثاقبات بمعدلات فاقت نسبتها الـ 85% وهي نسبة رائعة دونما الاحتياج إلى استخدام إي من المبيدات الكيماوية.

كما ان بعض الشركات العالمية تقوم حالياً بإنتاج الأعداء الحيوية المختلفة بمصر وتقوم بتصديرها للخارج ومن هذه الشركات من يقوم بتصدير ما يقارب 400 مليون فرد مفترس أكاروسي سنويا الى الخارج.

لذا أشير هنا بشيء من الايجاز لما يرتقب تحقيقه إذا ما وجد كيان محدد الهدف وفق الاستراتيجية التي صاغها أول من أشار لهذه الفكرة من خلال هذه النقاط:

ـ دعم انتاج ونشر المعارف المرتبطة بالحفاظ على التوازن الطبيعي للنظم البيئية المختلفة والتنوع البيولوجي الذي يصب في مصلحة الحياة على وجه الأرض لنا وللأجيال القادمة ولفت أجهزة الاعلام المرئي الى أهمية عرض فيديوهات توضح دور هذه الكائنات في الطبيعة حتى يقتنع المشاهد سواء أكان مزارع أو مستثمر أو مستهلك بجدوى استخدامها بشكل يجعله يستوعب دور هذه الجنود المجهولة لدى الكثيرين حتى الآن وهنا يأتي دور خبراء الارشاد الزراعي بما لديهم من خبرات مبنية على المنهج العلمي.

ـ الاشتراك مع لجنة مبيدات الآفات الزراعية في وضع برامج مكافحة متكاملة لآفات كل محصول بشكل يسهل تطبيقه بنجاح وصياغته في صورة توصيات معتمدة يمكن ادراجها في كتاب توصيات يشمل كل عناصر المكافحة المتكاملة للآفات.

ـ إنشاء قاعدة بيانات علمية لعناصر المكافحة الحيوية المتواجدة بمصر والمصادر التجارية لها والمتخصصين في انتاجها بمصر سواء على المستوى البحثي او التطبيقي.

ـ محاولة اعداد آلية لإنتاج الاعداء الحيوية بصورة مستدامة وتداولها دون إرهاق لميزانية الدولة مستقبلا وقد تلعب الجمعيات الزراعية التابعة لـوزارة التضامن الاجتماعي وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني دورا ليس بقليل في تبني هذا الاتجاه.

ـ زيادة صادراتنا من المنتجات والمحاصيل الزراعية الآمنة نتيجة ادراج هذه المنظومة من المكافحة الآمنة مما يتيح فرصة لزيادة الدخل القومي للبلاد.

وأضيف الى هذه النقاط أن هناك نقص شديد في تداول المعلومات الخاصة بدراسات الجدوى المعنية بإنتاج عناصر المكافحة الحيوية المختلفة وانه لا يكفي لنا الاعتماد على دراسات جدوى مبنية فقط على حدود امكانيات التجارب البحثية ضيقة النطاق انما يجب اختبار دراسات الجدوى هذه على نطاق أكبر وبشكل احترافي يعتمد على العلوم المختلفة والتي يجب أن يلعب فيها علماء الاقتصاد الزراعي دوراً كبيراً حتى تخرج دراسات الجدوى بشكل قادر على اقناع رأس المال الخاص للاستثمار عن طريق العلم في هذا المجال.

أتمنى أن يتحول هذا الكيان محدد المهام والرسالة من مجرد فكرة أو لجنة لمطبقي المكافحة الحيوية الى واقع أكبر وأقدر على الوفاء بهذه المهام الجسيمة ليتكامل مع الدور الكبير الذي تتحمله “لجنة مبيدات الآفات الزراعية” التي تقوم بتقديم خلاصة العلم والعمل في هذا المجال بشكل منظم وواضح يدل على جدية القائمين عليها وجدارة كوادر هذه اللجنة في إدارة ملف مبيدات الآفات الزراعية في مصر دون أن تتجاهل شق المكافحة الحيوية انما تبنت تفعيل دور كثير من الكائنات الدقيقة التي تعد من عناصر المكافحة الحيوية الهامة كما أن  وجود اللجنة المنبثقة منها تحت اسم “لجنة المكافحة الحيوية والزراعة العضوية” ينم على وعي كبير بأمانة هذه المسؤولية وبأهمية هذا الاتجاه للحصول على بيئة آمنة وغذاء آمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *