البقوليات والأمن الغذائي العالمي: رهان الوراثة والتكيف في مواجهة التغيرات المناخية

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
في الوقت الذي يقف فيه العالم أمام تحديات جسام تتجسد في النمو السكاني المتسارع، وتقلص الرقعة الزراعية الخصبة، والتقلبات المناخية الحادة، تتجلى المحاصيل البقولية (Legume Crops) كإحدى أهم الركائز الاستراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي العالمي وصياغة منظومات زراعية بيئية مستدامة.
تتأكد اليوم المكانة المحورية التي تحتلها هذه العائلة النباتية (Fabaceae)؛ ليس فقط بصفتها المصدر الأساسي للبروتين النباتي والمغذيات الدقيقة لملايين البشر، بل أيضاً لدورها الفريد في صيانة خصوبة التربة عبر خاصية التثبيت الحيوي لنيتروجين الهواء الجوي بالتكافل مع بكتيريا “الريزوبيا”، مما يقلل الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية الكيماوية ذات البصمة الكربونية المرتفعة وتكاليفها البيئية الباهظة.
تتكشف أبعاد التوجه العلمي والتحسين الوراثي في المحاصيل البقولية عبر ثلاثة محاور جوهرية:
• التحسين الوراثي والجزيئي لمقاومة الإجهادات: توظيف التقنيات الحديثة مثل الجينوميات الوظيفية، والانتخاب بمساعدة المعلمات المورفولوجية (MAS)، والتعديل الجيني المستهدف (CRISPR) لاستنباط سلالات وأصناف عالية الإنتاجية ومتحملة للجفاف والملوحة والحرارة المرتفعة.
• تعزيز الكفاءة التكافلية والبيولوجية: فهم الآليات الجزيئية والخلوية المنظمة للإشارات التكافلية بين جذور البقوليات وميكروبيوم التربة، لرفع كفاءة تثبيت النيتروجين وتحسين الاستفادة من الفسفور والمعادن غير الذائبة.
• الجودة التغذوية والأمن الغذائي المستدام: رفع المحتوى المفهوم من البروتين، وتقليل العوامل المضادة للتغذية (Anti-nutritional factors)، وتحسين جودة البذور لمواجهة سوء التغذية وتأمين سلة الغذاء في العالم النامي.
تتقاطع هذه المحاور البحثية المتقدمة بشكل مباشر مع رؤيتنا وتوجهاتنا في قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية؛ حيث تُعد المحاصيل البقولية الاستراتيجية في مصر—مثل الفول البلدي (Vicia faba)، والبرسيم المصري (Trifolium alexandrinum)، والعدس، ولوبيا العلف—في صلب أولوياتنا البحثية لتطوير التنوع الوراثي وتحسين كفاءة إنتاجها تحت ظروف بيئية مجهدة.
وفي هذا الصدد، تتضح معالم الاستفادة والتطبيقات العملية لهذه الأبحاث في بيئتنا الوطنية عبر:
1. استنباط خطوط نسيجية ومضاعفة مضاعفات الكروموسومات (Doubled Haploids): تسريع أزمنة التربية وإنتاج خطوط نقية وثابتة وراثياً للأصناف البقولية الواعدة.
2. دراسة التعبير الجيني والاستجابة الخلوية للإجهادات: تحديد الجينات المسؤولة عن التكيف مع نقص المياه والملوحة في المحاصيل البقولية الحقلية لتوجيه برامج التربية الوطنية.
3. دعم دورة المحاصيل والزراعة الخضراء: تعزيز إدماج البقوليات في الدورات الزراعية مع المحاصيل النجيلية (كالقمح) لرفع خصوبة التربة وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.
إن الرهان على التكنولوجيا الحيوية والوراثة الجزيئية للمحاصيل البقولية لم يعد مجرد مسار أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لإعادة صياغة الزراعة المستدامة وضمان طوق النجاة للأمن الغذائي القومي والعالمي.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



