الفلاح والفقر… لماذا لا تكفي زيادة الإنتاج وحدها؟ “بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على الفقر، ١٧ أكتوبر”
"وفرة المحصول لا تضمن رفاهية منتجه؛ فمكافحة الفقر الريفي تبدأ حين يتحول جهد الفلاح إلى دخل عادل وحياة كريمة"

بقلم: أ.د.قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات
في الصباح الباكر، يخرج الفلاح إلى حقله، ويتابع نمو نباتاته، ويحسب احتياجاتها من الماء والسماد، ويترقب موسم الحصاد. وحين تمتلئ الأرض بالخير، يبدو المشهد دليلًا على النجاح. لكن خلف السنابل وأقفاص الخضر سؤالًا مؤلمًا: لماذا قد يزداد المحصول، بينما تظل أسرة منتجه عاجزة عن تلبية احتياجاتها؟ وكيف يُطعم الإنسان غيره، ثم يعجز أحيانًا عن تأمين غذاء متوازن لأطفاله؟ في اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يوافق السابع عشر من أكتوبر، يستحق هذا التناقض أن يكون في قلب النقاش.
الفقر خلف الحقول الخضراء
الفقر الريفي أوسع من نقص النقود؛ فقد تعيش الأسرة وسط أرض منتجة، لكنها تفتقر إلى العلاج الجيد والتعليم المناسب والمياه المأمونة والسكن اللائق. وتؤكد الأمم المتحدة أن الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها أوجه الحرمان وتحد من قدرة الإنسان على العيش بكرامة. لذلك، لا يكفي أن نسأل الفلاح: كم أنتجت؟ بل ينبغي أن نسأله أيضًا: كيف تعيش؟ وهل تستطيع مواجهة مرض مفاجئ أو تعليم أبنائك دون الاستدانة؟
وحين تُختزل التنمية الزراعية في أطنان المحاصيل، قد تختفي هذه الأسئلة الإنسانية وراء أرقام تبدو مبشرة. فالزيادة في إنتاج القرية لا تعني بالضرورة تحسن أحوال جميع سكانها؛ إذ تختلف أوضاع مالك الأرض عن مستأجرها، وصاحب الحيازة الكبيرة عن صاحب الحيازة الصغيرة، وكلاهما عن العامل الزراعي الذي يعتمد على أجر يومي وفرص عمل موسمية.
الإنتاج شيء… وصافي الدخل شيء آخر
زيادة الإنتاج هدف ضروري، لكنها لا تصبح مكسبًا للفلاح إلا بعد حساب تكلفتها. فهناك ثمن التقاوي والأسمدة والمبيدات والطاقة والري، وأجور العمالة وإيجار الأرض والنقل. وقد يبيع المزارع محصولًا أكبر، ثم يكتشف أن الزيادة في المصروفات التهمت معظم العائد. وإذا تجاهل قيمة عمله وعمل أسرته، بدا له النشاط مربحًا على الورق، بينما يقوم فعليًا على جهد طويل قليل المقابل.
ولنتصور، في مثال حسابي مبسط، أن مزارعًا أنتج عشرة أطنان وباع الطن بعشرة آلاف جنيه؛ فتكون حصيلة البيع مئة ألف جنيه. وفي الموسم التالي، ارتفع إنتاجه إلى اثني عشر طنًا، لكن سعر الطن انخفض إلى سبعة آلاف جنيه؛ فأصبحت الحصيلة أربعة وثمانين ألفًا فقط، قبل خصم التكاليف. لقد ارتفع الإنتاج عشرين بالمئة، وانخفضت الإيرادات ستة عشر بالمئة. هكذا يمكن أن يتسع المحصول وتضيق المعيشة.
حين يتحول الحصاد إلى سباق للبيع
تشتد المشكلة في المحاصيل سريعة التلف؛ فالطماطم لا تنتظر تحسن الأسعار طويلًا، والخضر تفقد جودتها إذا غاب التبريد. وحين يحتاج الفلاح إلى سداد ديونه فور الحصاد، تصبح قدرته على الانتظار محدودة، ويضطر إلى قبول السعر المتاح. هنا تتحدد النتيجة بامتلاك المخزن والسيولة ووسيلة النقل والمعلومة، بقدر ما تتحدد بمهارة الزراعة.
وتوضح منظمة الأغذية والزراعة أن ضعف البنية الأساسية للنقل، والقوة السوقية لبعض الوسطاء، ونقص المعلومات، قد تحد من وصول منافع ارتفاع الأسعار إلى صغار المزارعين. كما تشير إلى أن توفير المعلومات وحده قد لا يكفي لتحسين دخولهم. فمعرفة السعر العادل لا تمنح المزارع تلقائيًا القدرة على الوصول إلى السوق أو تأجيل البيع.
وللوسطاء وظائف حقيقية في الجمع والفرز والنقل والتوزيع، تستحق مقابلًا اقتصاديًا. لكن المشكلة تظهر عندما تغيب المنافسة والشفافية، أو يتحمل المنتج معظم المخاطر ويحصل على نصيب ضعيف من القيمة النهائية. والمطلوب سوق تعمل بكفاءة، يستطيع فيها الفلاح مقارنة البدائل، وفهم الخصومات، ومعرفة وزن محصوله ودرجته وموعد حصوله على مستحقاته.
العلم ينبغي أن يصل إلى ميزانية الأسرة
بوصفي متخصصًا في الوراثة، أؤمن بأهمية الأصناف المحسنة والمقاومة للأمراض والمتحملة للإجهادات البيئية. غير أن نجاح الصنف لا يُقاس بإنتاجيته وحدها؛ بل بملاءمته لظروف الحيازة، وتكلفة زراعته، وجودة محصوله، وفرص تسويقه. فقد يكون الصنف الأعلى إنتاجًا أكثر احتياجًا إلى مدخلات مرتفعة الثمن، أو أقل قبولًا لدى المشترين.
وينبغي أن يساعد الإرشاد الزراعي الفلاح على حساب الربحية والمخاطر، إلى جانب تعليمه مواعيد الزراعة والتسميد. وقد يكون خفض الفاقد وتحسين الجودة وترشيد استخدام المدخلات أجدى اقتصاديًا من مطاردة زيادة محدودة في الغلة. كما أن الإفراط في الأسمدة والمبيدات قد يرفع التكلفة ويضر التربة والمياه وصحة العاملين، فيستنزف موارد الأسرة وقدرتها على الاستمرار.
تعاونيات تمنح الصغير قوة
من مداخل المواجهة بناء تعاونيات فعالة يراقبها أعضاؤها، وتقدم خدمات ملموسة: شراء المدخلات جماعيًا، وإتاحة الآلات، وتجميع المحاصيل وفرزها وتخزينها والتفاوض على بيعها. فالحيازات الصغيرة تستطيع، بالتعاون، الوصول إلى خدمات يصعب على كل منها تحمل تكلفتها منفردة. وتحتاج هذه المؤسسات إلى إدارة مهنية وحسابات واضحة ومساءلة مستمرة.
ويمكن للزراعة التعاقدية أن تقلل بعض جوانب عدم اليقين، بشرط وضوح شروط الجودة والتسعير والتسليم والسداد، ووجود آلية منصفة لفض النزاعات. وتذكر منظمة الأغذية والزراعة أن التعاقدات الزراعية قد تساعد صغار المنتجين على تجاوز قيود التمويل والمدخلات والتكنولوجيا ومخاطر الأسعار. لكن نجاحها يرتبط بعدالة التطبيق وقدرة الأطراف على تنفيذ التزاماتها.
حماية الأسرة وتنويع الفرص
وتظل الأسرة الريفية بحاجة إلى حماية من الصدمات: مرض يعطل رب الأسرة، أو موجة حر تتلف المحصول، أو تقلب حاد في الأسعار. لذلك، تتكامل الخدمات الصحية والحماية الاجتماعية والتمويل الملائم مع الاستثمار الزراعي. ويجب أن يصل الدعم أيضًا إلى العمال الزراعيين والنساء العاملات، الذين قد لا يمتلكون أرضًا، رغم إسهامهم الكبير في الإنتاج.
كما يفتح التصنيع الغذائي الريفي والتعبئة والصيانة والخدمات فرصًا لدخل إضافي، خصوصًا للشباب والنساء. وعندما تتعدد مصادر الرزق، تقل هشاشة الأسرة أمام خسارة موسم واحد. وتصبح القرية مكانًا للعمل والإبداع والاستقرار، ويجد أبناؤها أسبابًا للبقاء والمشاركة في تطويرها، مع حرية اختيار مستقبلهم.
في يوم القضاء على الفقر، علينا أن نغير معيار النجاح: كم بقي للفلاح بعد الحصاد؟ وهل تحسنت صحته وسكنه وتعليم أبنائه وأمانه؟ زيادة الإنتاج تظل ضرورة، لكن قيمتها الإنسانية تتحقق حين تُترجم إلى حياة أفضل لمن صنعوها. فالأمن الغذائي يحتاج إلى فلاح قادر على الاستمرار، واثق بأن تعبه سيؤمّن لأسرته نصيبًا عادلًا من الخير الذي تقدمه أرضه.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



