رئيس التحرير

مزارع في لحظة انهيار يسألني ماذا أفعل مع زوجتي الخائنة؟

بقلم: د.أسامة بدير

لم أكن أتوقع أن يبدأ أحد الاتصالات التي تصلني يوميًا بهذا السؤال: «دكتور أسامة.. ماذا أفعل في زوجتي الخائنة؟»

للحظات، ظننت أنني لم أفهم السؤال جيداً. فأنا اعتدت أن أتلقى عشرات الاتصالات يومياً من المزارعين والمستثمرين الزراعيين، يسألونني عن مشكلات فنية في الزراعة، بدءاً من الإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي، وصولاً إلى الأصناف، والتسميد، والري، ومشكلات المحاصيل وطرق التعامل معها.

لكن هذه المرة كان السؤال مختلفاً تماماً.. صادماً وثقيلاً، ولا علاقة له بالزراعة التي اعتدت أن تكون محور معظم مكالماتي.

استمرت المكالمة أكثر من ساعة، لكنها حملت من الشجون والمآسي ما لا أستطيع أن أفصح عنه، احتراماً لخصوصية صاحبها، وحفاظاً على تفاصيل قصة شديدة الحساسية والألم.

كل ما أريده منك، عزيزي القارئ، أن تدرك حجم المأساة التي عاشها هذا المزارع.

رجل يمتلك عشرة أفدنة، ويمنحها كل وقته وجهده، ويعمل على زراعتها بمحاصيل غير تقليدية، بحثاً عن إنتاجية مرتفعة وعائد أفضل، حتى يوفر لنفسه ولزوجته حياة كريمة ومستقرة.

خمس سنوات مرت على زواجه، وكان يحلم خلالها بأن يرزقه الله طفلًا يكون امتداداً له وسنداً في الحياة، لكنه لم يُرزق بالولد الذي يتمناه.

وكان يعمل ويكد، بينما كان يرى أن كل ما يحققه من نجاح في أرضه هو من أجل بناء بيت آمن ومستقبل أفضل له ولزوجته.

ثم جاءت الصدمة.

تفاصيل الواقعة مؤلمة وحساسة، وفيها من الغرابة والحسرة ما يجعل الحديث عنها ثقيلاً. لكن أكثر ما هزني أن الرجل تحدث عن خيانة زوجته، وأن الأمر لم يكن مع شخص غريب، وإنما مع أقرب أصدقائه إليه.

لم يكن الرجل يتحدث عن خسارة محصول أو ضياع موسم زراعي.. كان يتحدث عن انهيار حياته الخاصة، وعن جرح أصاب ثقته في زوجته وصديقه في وقت واحد.

وفي ذروة انفعاله وغضبه قال لي: «أنا سوف أقتلها».

كررها ثلاث مرات.

وهنا لم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد مكالمة هاتفية، وإنما أصبح أمامي إنسان غاضب قد يتخذ في لحظة واحدة قراراً يدمر حياته وحياة آخرين.

حاولت تهدئته وامتصاص غضبه، وأكدت له أن الخيانة مهما بلغت قسوتها لا تمنحه الحق في قتل أحد، وأن لحظة غضب قد تنتهي بجريمة، ثم يقضي بقية عمره يدفع ثمنها، بينما تضيع أرضه ومستقبله وحريته وسمعته، ويتحول من إنسان مظلوم في نظر نفسه إلى متهم بجريمة.

قلت له بوضوح: لا تجعل خيانة شخص آخر سبباً في أن تخسر أنت حياتك ومستقبلك.

ونصحته بأن يتعامل مع الأمر بحكمة، وأن يبتعد عن المواجهة في لحظة الغضب، وألا يتخذ قراراً تحت تأثير الانفعال.

وفي النهاية، كان ردي على سؤاله أن ينهي هذه العلاقة بالطرق القانونية والهادئة، وأن يطلق زوجته إذا كان قد فقد ثقته فيها ولم يعد قادراً على الاستمرار معها، ثم يغلق هذه الصفحة المؤلمة من حياته، ويعود إلى أرضه وعمله، فهناك عشرة أفدنة تنتظر منه أن يمنحها الوقت والجهد اللذين اعتاد أن يمنحهما لها.

قلت له أيضاً: ربما تحمل له الأيام القادمة ما لم يكن يتوقعه، وربما يلتقي بامرأة تمنحه الحب والوفاء اللذين كان يبحث عنهما، ويرزقه الله منها بالذرية التي يتمناها، فيكون له ولد يسعد به ويكون له سنداً وساعداً في زراعة أرضه وتنميتها.

وأنا أرى أن الخيانة الزوجية ليست مجرد خطأ يمكن المرور عليه وكأن شيئاً لم يحدث؛ لأنها تهدم الثقة التي تقوم عليها الأسرة، وتطعن في الأمانة التي يفترض أن تجمع بين الزوجين. وقد يختلف الناس في طريقة التعامل مع آثارها، لكن لا خلاف عندي على أن الخيانة جرح عميق، وأن من يرتكبها يتحمل مسؤولية أخلاقية وإنسانية كبيرة عن الألم الذي يصيب شريكه وأسرته.

والأشد قسوة أن تأتي الخيانة ممن ائتمنه الإنسان على بيته وحياته وماله وكرامته، ثم تكون مع شخص من دائرة الثقة القريبة. عندها لا تكون الصدمة في الفعل وحده، وإنما في سقوط صورتين كان يظنهما ثابتتين في حياته: صورة الزوجة الوفية وصورة الصديق الأمين.

لكنني، رغم كل ما أشعر به من غضب تجاه الخيانة، لا يمكن أن أقبل أن تتحول الخيانة إلى جريمة قتل.

الخائنة قد تهدم بيتاً، لكنها لا ينبغي أن تدفع زوجها إلى هدم حياته بيديه.

ومن هنا أقول لهذا المزارع، ولكل إنسان وجد نفسه في مأساة مشابهة: خذ حقك بالطرق المشروعة، وأنهِ العلاقة إن استحال استمرارها، واحفظ ما تبقى من حياتك، ولا تمنح من خانك فرصة لأن يحولك أنت إلى مجرم.

أما الخيانة نفسها، فتبقى فعلاً مؤلماً ومرفوضاً، سواء ارتكبها رجل أو امرأة؛ لأن الوفاء ليس فضلاً يمنحه أحد لشريكه، وإنما هو أساس من أسس العلاقة التي اختار الطرفان أن يعيشاها معاً.

وقد يضيع موسم زراعي ويأتي موسم آخر، وقد تخسر أرضاً ثم تستعيدها، وقد يتراجع محصول ثم يتحسن في العام التالي.. لكن بعض القرارات إذا اتُخذت في لحظة غضب قد لا يكون لها موسم آخر للإصلاح.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى