رأى

الإعلام والوعي: كيف نصنع ثقافة “لا للهدر” في المجتمعات العربية؟

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية

الهدر الغذائي ليس مجرد أرقامٍ جامدة تتساقط من صفحات التقارير الدولية، بل هو مرآة تعكس وجهاً خفياً من ثقافتنا الاستهلاكية، حيث تتحول النعمة إلى فائض لا يُقدَّر، وحيث تتداخل عادات التباهي بالوفرة مع غياب الوعي بقيمة ما يُلقى في القمامة. إنّ الحديث عن الهدر ليس مجرد خطاب وعظي يذكّرنا بخطورة الإسراف، بل هو نقاش يمسّ جوهر معادلة الأمن الغذائي، واستقرار الاقتصاد، وسلامة البيئة.

كل رغيف خبز يُلقى يعني استنزافاً لموارد مائية وزراعية وطاقية هائلة، وكل طبق فائض لم يجد طريقه إلى من يحتاجه هو جرح في جسد العدالة الاجتماعية. وفي السياق العربي تحديداً، تتجلى المفارقة بأوضح صورها: مجتمعات تعاني من فجوات غذائية واضحة، إلى جانب سلوكيات تبذير تُمارس أحياناً بلا وعي، وأحياناً أخرى باعتبارها جزءاً من صورة اجتماعية مرتبطة بالكرم والوجاهة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف نحول الإعلام من مجرد ناقل للمعلومة إلى صانع لثقافة جديدة، قوامها “لا للهدر”؟ وكيف نعيد تشكيل وعي جمعي يجعل من احترام النعمة قيمة أخلاقية تُورَّث، ومن ترشيد الاستهلاك ممارسة يومية تلقائية لا تحتاج إلى وصاية أو شعارات؟ إنّ الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة حين تلتقي قوة الإعلام مع منظومة التعليم والمبادرات المجتمعية، لتصنع معاً ثورة صامتة تغيّر العادات وتعيد الاعتبار لما بين أيدينا من خيرات.

المحور الأول: الإعلام كأداة لبناء الوعي الجمعي 

الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو الترفيه، بل تحول إلى مرآة تشكّل وعي المجتمعات وتعيد صياغة أولوياتها. حين نتحدث عن الهدر الغذائي، يصبح الإعلام في موقع المسؤولية، لأنه القادر على تحويل الأرقام الجامدة إلى قصص حية تمس الضمير الجمعي، وعلى نقل القضية من دائرة التخصص إلى فضاء كل بيت. فالكلمة المصوغة بعناية، والصورة المؤثرة، والحملة المنظمة ليست مجرد أدوات للتأثير، بل جسور تبني بين المعرفة والسلوك، بين إدراك الخطر واتخاذ القرار. وهكذا يغدو الإعلام بوابة التغيير الأولى، وشرارة الوعي التي يمكنها أن تؤسس لثقافة “لا للهدر” في العقل العربي.

كيف يمكن للقنوات التلفزيونية، والإذاعات، والمنصات الرقمية أن تقدم برامج وحملات تثقيفية توضح خطورة الهدر الغذائي.

 حين نتأمل في حجم الخسائر التي يسببها الهدر الغذائي، ندرك أن المسألة ليست مجرد بقايا طعام تُلقى في القمامة، بل هي مأساة متشابكة الخيوط تمس الاقتصاد، والبيئة، والإنسان ذاته. هنا يتقدم الإعلام – بوسائطه كافة – ليحمل على عاتقه مسؤولية صناعة وعي جماعي يوقظ الضمائر قبل أن يهز الأرقام. فالقنوات التلفزيونية قادرة عبر قوة الصورة الدرامية والبرامج الوثائقية والتغطيات المباشرة أن تجعل المشاهد يرى بعينيه أثر رغيف خبز مهدور أو حقل كامل من المحاصيل لم يجد طريقه إلى موائد الفقراء. والإذاعات، بما تملكه من دفء الصوت وسرعة الوصول إلى الشرائح الشعبية في المدن والقرى، تستطيع أن تزرع رسائل قصيرة وعميقة تبقى عالقة في الوجدان، فتحرك السلوك اليومي للمستمعين. أما المنصات الرقمية، فإنها تمثل الميدان الأكثر رحابة للتفاعل والتأثير، إذ تجمع بين النص والصوت والصورة، وتمنح المستخدم فرصة أن يتحول من متلقٍ إلى مشارك ناشط يشارك القصص والتجارب والحلول.

وهكذا، لا تعود الحملة التوعوية مجرد خطاب أحادي، بل تتحول إلى شبكة من الأصوات والتجارب التي تصنع رأيًا عامًا واعيًا بخطورة الهدر الغذائي، وقادرًا على تحويل الفكرة من مجرد إدراك إلى ممارسة عملية تبدأ من المطبخ وتنتهي عند السياسات العامة. بهذه الروح، يصبح الإعلام ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل شريكًا فعليًا في إنقاذ الغذاء وحماية المستقبل.

دور الإعلام في نقل تجارب دولية ناجحة وتبسيطها للمتلقي العربي. 

حينما يتجسد الإعلام كجسرٍ بين الثقافات، يصبح قادراً على اختصار المسافات بين الشعوب، ونقل التجارب الناجحة من أقصى الأرض إلى وجدان المتلقي العربي بلغة بسيطة وقريبة. إن الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في هذا السياق لا يقتصر على نقل الوقائع أو استعراض الأرقام، بل يتجاوز ذلك إلى فنّ تحويل النماذج العالمية إلى قصص ملهمة، يمكن أن تُترجم في حياة الناس اليومية. فعندما يُعرَض مثلًا كيف استطاعت دولة ما أن تخفّض نسبة هدر الطعام عبر برامج مدرسية أو حملات توعية مجتمعية، فإن المهمة الحقيقية للإعلام تكمن في تبسيط هذه الفكرة، وتجريدها من التعقيد الإداري أو اللغوي، لتصبح قابلة للفهم، وربما قابلة للتطبيق في بيئة تختلف جذرياً من حيث الثقافة والموارد.

إن الإعلام هنا لا يؤدي دور الراوي المحايد فحسب، بل يتحول إلى مترجم حضاري، يفلتر التجارب الدولية ويعيد تشكيلها بحيث تلامس واقع المشاهد أو المستمع العربي. قد يعرض فيلماً وثائقياً قصيراً عن سوقٍ في آسيا تُعاد فيه تدوير بقايا الطعام لإطعام الفئات الأكثر فقراً، ثم يُعيد صياغة الفكرة في سياق عربي، فيقترح كيف يمكن للأسواق المحلية أن تحتضن مبادرات مماثلة. وقد يقدّم برنامجاً إذاعياً يستضيف خبراء أو مواطنين من دول طبقت استراتيجيات ناجحة، ثم يطرح تساؤلات حول إمكانية تبنيها محلياً، وبذلك يُشرك الجمهور في عملية التفكير النقدي.

إن قوة الإعلام تكمن في هذا المزج بين الإلهام والتبسيط، بين سرد قصة بعيدة وتحويلها إلى مرآة يرى المشاهد فيها نفسه ومجتمعه. فالتجربة الناجحة في مكان آخر ليست وصفة جاهزة، بل هي بذرة فكرة، والإعلام هو المزارع الذي يعرف كيف يهيئ التربة العربية لاستقبالها، وكيف يزرعها بحذر حتى تنبت على مقاس احتياجاتنا وظروفنا الخاصة. وبذلك يصبح الإعلام ليس مجرد ناقل للتجارب الدولية، بل أداةً لإعادة تشكيلها ضمن سياقنا العربي بما يخدم التنمية والوعي الجمعي.

أهمية الانتقال من الخطاب الوعظي التقليدي إلى خطاب بصري وإبداعي يجذب الشباب والأطفال. 

إن الخطاب الإعلامي التقليدي الذي يقوم على النصح المباشر والوعظ الصارم فقد الكثير من بريقه في عصر الصورة والسرعة، ولم يعد يجذب الأجيال الجديدة التي تبحث عن المتعة والإبهار قبل أن تبحث عن المعلومة نفسها. فالشباب والأطفال اليوم هم أبناء الشاشة الصغيرة والكبيرة معًا، يتنفسون الصور أكثر مما يتلقون الكلمات، ويبحثون عن الإبداع والحيوية بدلًا من التوجيه الجاف. من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى الانتقال من أسلوب الخطب والمحاضرات إلى لغة بصرية آسرة، توظف الألوان والمؤثرات البصرية والموسيقى التصويرية والرسوم المتحركة، وتجعل المعلومة تنساب في ذهن المتلقي بسلاسة ودون مقاومة. إن مخاطبة الوعي الجمعي لم تعد تتحقق بالأسلوب المباشر وحده، بل بما يشبه الحكاية المشوقة أو المشهد الدرامي أو اللعبة التفاعلية التي تحفّز الفضول وتدفع الطفل والشاب إلى إعادة التفكير في سلوكياته من تلقاء نفسه.

الإعلام الإبداعي هو الذي يحول الرسالة إلى تجربة معاشة، يدخل بها المشاهد في رحلة يشارك فيها عقله وحواسه معًا، فيرى أثر الهدر الغذائي على صور افتراضية تحاكي بيئته، ويسمع صوت الأرض وهي تتألم من الإسراف، ويشاهد شخصيات قريبة من واقعه اليومي تخوض التحدي ضده. بهذا الشكل لا يعود الخطاب مجرد نصيحة عابرة قد ينساها مع نهاية البرنامج، بل يتحول إلى أثر نفسي عميق يتراكم ببطء ليُعيد تشكيل السلوك. إن الإعلام الذي يجذب الأطفال والشباب اليوم هو إعلام يتحدث بلغتهم البصرية والإبداعية، ويتقن فن المزج بين المعرفة والمتعة، ليزرع الرسائل الأخلاقية والبيئية في وعيهم دون أن يشعروا أنهم يجلسون في درس تقليدي، بل في عالم حيّ يشاركهم تفاصيله ويخاطب وجدانهم قبل عقولهم.

المحور الثاني: المدارس والجامعات كحاضنة للسلوكيات الجديدة 

في قلب كل تحول مجتمعي حقيقي، تبرز المدارس والجامعات كمساحات خصبة لا تقتصر على تلقين المعرفة، بل تتجاوزها لتصبح مختبرات لصياغة السلوكيات الجديدة وتشكيل الوعي الجمعي. فهنا تتلاقى الطفولة الغضة مع مرحلة الشباب المليئة بالطموح، وفي هذه المساحات بالذات يتحدد مسار المستقبل، إما بتكريس أنماط الاستهلاك التقليدية المهدرة للموارد، أو بترسيخ قيم جديدة قائمة على المسؤولية والوعي. إن المؤسسة التعليمية ليست مجرد جدران تحتضن المناهج، بل هي مرآة تعكس صورة المجتمع الذي نطمح لبنائه، وجسر يعبر به الطلاب من عالم العادة إلى عالم الاختيار الواعي، ومن ثقافة الهدر إلى ثقافة الترشيد والبناء.

دمج موضوع “ترشيد الاستهلاك” في المناهج الدراسية وربطه بالقيم الدينية والثقافية. 

إن دمج موضوع “ترشيد الاستهلاك” في المناهج الدراسية لا يمكن اعتباره مجرد إضافة درس أو فصل عابر، بل هو عملية إعادة تشكيل لوعي الناشئة من خلال ما يتلقونه من معارف وما يتشربونه من قيم في بيئة المدرسة والجامعة. فالمناهج حين تعكس هذا المفهوم، تتحول إلى منصة تعلّم لا تكتفي بشرح المفاهيم النظرية حول الاقتصاد في الموارد، بل تنقلها إلى عمق التجربة الحياتية للطالب، بحيث يصبح الترشيد جزءًا من شخصيته وأسلوب عيشه.

هنا تتجلى أهمية الربط بين هذا المفهوم وبين القيم الدينية والثقافية التي تشكل وجدان المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يحضر البعد الروحي ليجعل من الترشيد سلوكًا أخلاقيًا وواجبًا دينيًا قبل أن يكون مجرد خيار عقلاني. فالنصوص الدينية التي تحذر من الإسراف والبذخ، والموروث الثقافي الذي يمجد البساطة والقناعة، يمكن أن تتحول إلى مرجع حي يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والموارد التي يستخدمها. وعندما يكتشف الطالب أن تقليل هدر المياه أو الكهرباء ليس فقط مطلبًا اقتصادياً، بل هو امتثال لروح دينه واحترام لإرث ثقافته، فإن الرسالة تترسخ في داخله بعمق أكبر، لتغدو ممارسة يومية تلقائية لا تحتاج إلى تذكير دائم. وهكذا يصبح المنهج الدراسي أداة للتربية الشاملة التي تربط بين العلم والقيمة، بين المعرفة والسلوك، لتنشأ أجيال قادرة على حماية مواردها بوعي متجذر في عقلها وإيمانها معًا.

تفعيل الأنشطة المدرسية مثل المسابقات والمسرحيات والحملات الطلابية التي تزرع قيم احترام النعمة. 

الأنشطة المدرسية ليست مجرد فواصل زمنية بين الحصص الدراسية، بل هي فضاءات حية تُختبر فيها القيم وتتحول من مجرد شعارات مكتوبة في الكتب إلى ممارسات ملموسة في سلوك الطلاب. حين تُفعل المدارس مسابقات في حفظ النعمة أو في ابتكار طرق عملية لترشيد الاستهلاك، فإنها لا تغرس في أذهان الطلاب مفهوماً جافاً بقدر ما تزرع في قلوبهم شعوراً بالفخر والمسؤولية. والمسرحيات المدرسية، حين تجسد بأسلوب تمثيلي بسيط قصة عن طفل يهدر الطعام وآخر يحافظ عليه، تصبح أكثر تأثيراً من عشرات المحاضرات النظرية، لأنها تلامس الخيال وتترك أثراً عاطفياً في المتلقي الصغير. أما الحملات الطلابية التي يقودها التلاميذ بأنفسهم، كتنظيم يوم “بدون هدر”، أو حملة توعية بين صفوف المدرسة عن أهمية حفظ الطعام والماء، فإنها تُشعرهم بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة التغيير، لا مجرد متلقين للرسائل. ومن خلال هذه الأنشطة، يتحول احترام النعمة من وصية أخلاقية مجردة إلى عادة راسخة، تُمارس بحب لا بضغط، ويتوارثها الطلاب جيلاً بعد جيل كجزء من هويتهم الثقافية والدينية والاجتماعية.

دور الجامعات في تنظيم مبادرات بحثية ومشاريع طلابية تعالج قضايا الهدر بحلول عملية مبتكرة. . 

حين نتأمل في دور الجامعات اليوم، ندرك أنها لم تعد مجرد أماكن تُنقش فيها المعرفة على ألواح الذاكرة، بل صارت مصانع حقيقية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإنتاج الحلول لمشكلات الواقع المُلِحّة. ومن بين تلك المشكلات التي باتت تؤرق المجتمعات في كل مكان، قضية الهدر بأشكاله المختلفة، سواء كان هدرًا للغذاء أو المياه أو الطاقة أو حتى للوقت والإمكانات البشرية. في هذا السياق، تتحول الجامعات إلى بؤر إشعاع فكري وبحثي، حيث تتلاقى الأفكار المجرّدة مع حاجات المجتمع اليومية لتثمر مبادرات ومشاريع طلابية تتسم بروح الابتكار وجرأة التجريب. فالمعمل لم يعد مكانًا لإجراء تجارب تقليدية فقط، بل منصة يخرج منها نموذج تطبيقي لمعالجة مشكلة هدر المياه في الزراعة، أو جهاز ذكي يقلل من فاقد الطاقة، أو حتى تطبيق إلكتروني يساعد الأُسر على إدارة استهلاكها الغذائي بشكل واعٍ. وهنا تتجلى قوة الجامعات في قدرتها على تنظيم هذه الطاقات الشابة وصياغتها في مشروعات متكاملة، لا تقف عند حدود المسابقات الأكاديمية، بل تمتد لتصبح حلولًا قابلة للتطبيق الميداني ورافدًا للاقتصاد الأخضر.

إن ما يميز المبادرات الجامعية هو أنها تحمل توقيع الإيمان العميق بالتغيير، وتستند إلى طاقة الشباب التي لا تعرف المستحيل، وتستفيد في الوقت ذاته من البنية الأكاديمية التي تضمن لها الجدية والموضوعية. وهكذا تُبنى جسور بين النظرية والتطبيق، وبين الحلم والواقع، ليصبح دور الجامعات في مواجهة الهدر ليس دورًا تكميليًا، بل ركيزة أساسية لمسار التنمية المستدامة وصياغة مستقبل أكثر وعيًا ومسؤولية.

المحور الثالث: المبادرات المجتمعية والعمل الأهلي 

في قلب المجتمعات النابضة بالحياة، يظل العمل الأهلي والمبادرات المجتمعية هو الجسر الأمتن بين الوعي الفردي والمسؤولية الجماعية، حيث تتلاقى الإرادة الشعبية مع حس التضامن لتشكّل قوة ناعمة قادرة على تحريك السلوكيات وإعادة صياغة العادات. فحين يلتف الناس حول فكرة نبيلة، تنبثق من بينهم طاقات خلاقة تتجاوز إمكانيات الأفراد، لتتحول إلى حراك منظم يواجه الهدر، ويعزز ثقافة الترشيد، ويربط بين قيم الأصالة وضرورات الحاضر. هنا لا تكون المبادرة مجرد نشاط عابر، بل فعل تغييري متجذر في الوعي وممتد في الزمن، يؤسس لوعي جمعي يعيد للنعمة قدسيتها وللاستهلاك رشده.

دور الجمعيات الخيرية في جمع الفائض من الطعام وتوزيعه على المحتاجين. 

تلعب الجمعيات الخيرية دورًا محوريًا في منظومة الحد من الهدر الغذائي، فهي الجسر الذي يربط بين فائض الطعام في البيوت والأسواق والمطاعم، وبين الأيادي التي تحتاج إلى هذه النعمة لتنقذ يومها أو تبني مستقبلها. فعندما تنخرط هذه الجمعيات في جمع الفائض وتنظيمه بشكل يضمن صلاحيته وسلامته، فإنها لا تمنع الطعام من الذهاب إلى النفايات فحسب، بل تمنحه حياة ثانية، حياة تعني إشباع جوع إنسان، وتخفيف معاناة أسرة، وإحياء قيمة اجتماعية وأخلاقية ضائعة. العملية ليست مجرد نقل مادي للطعام، بل تنظيم دقيق يتطلب التنسيق مع المتبرعين، ووضع آليات للتخزين والتوزيع، وإشراك المتطوعين، وبناء شبكة من الثقة بين الجهات كافة.

ومن خلال هذه الجهود، تتحول النعمة المهدورة إلى أداة لإعادة التوازن الاجتماعي، حيث يصبح الطعام رسالة تضامن وامتنان بين من يملك ومن يحتاج، ويتبدد الشعور بالخذلان أو الإهمال الذي يرافق الهدر. وفي هذا الإطار، تكشف التجربة أن الجمعيات ليست مجرد وسيط عابر، بل كيان قادر على ترسيخ ثقافة الترشيد والاهتمام بالآخر، وجعل فكرة “لا للهدر” جزءًا من وجدان المجتمع، ليس باعتبارها واجبًا دينيًا فحسب، بل كسلوك يومي عملي يشارك فيه الجميع، ويجعل من كل طبق فائض فرصة للخير والبناء وليس للهدر والضياع.

المبادرات الشبابية التي تحوّل التوعية إلى عمل ميداني (ورش طبخ باستخدام بقايا الطعام، حملات توعية في الأسواق). 

المبادرات الشبابية تمثل شريان الحياة الحقيقي لأي حملة مجتمعية ضد الهدر الغذائي، فهي تعكس حيوية الفكرة وتواكب روح العصر، حيث لا يكتفي الشباب بالكلام أو الشعارات، بل يحوّلون التوعية إلى أفعال ملموسة تؤثر في المحيط المباشر لهم. فعندما تُنظّم ورش طبخ باستخدام بقايا الطعام، لا يصبح النشاط مجرد تجربة تعليمية، بل تجربة حياتية تعلم المشاركين كيفية تحويل الفائض إلى وجبات مغذية، وتُرسي في وعيهم معنى التقدير والاحترام للنعمة.

كما تتحول الحملات الميدانية في الأسواق إلى مساحة حقيقية للتفاعل المباشر مع المجتمع، حيث يستطيع الشباب إيصال رسائلهم إلى كل زائر وبائع، يوضحون لهم حجم الهدر وأثره الاقتصادي والبيئي، ويقدّمون حلولاً عملية وبسيطة يمكن تطبيقها في الحياة اليومية. ما يميز هذه المبادرات أنها تخلق تأثيرًا مزدوجًا؛ من جهة، يُغيّر السلوك الفردي للمشاركين، ومن جهة أخرى، يُحدث صدى مجتمعيًا واسعًا عبر المراقبين والمستفيدين، ليصبح كل فعل صغير جزءًا من موجة أكبر نحو الترشيد والمسؤولية. في النهاية، تتحول المبادرات الشبابية إلى حاضنات للإبداع والتغيير، حيث يتم دمج المعرفة العملية بالوعي الأخلاقي، ويصبح العمل الميداني تجربة تعليمية تتجاوز حدود الفصول الدراسية، ليصنع جيلًا واعيًا قادرًا على تحويل كل فائض إلى فرصة للبناء والعطاء بدلًا من الهدر والضياع.

 دور رجال الدين وقادة الرأي المحليين في تكريس خطاب قيمي يربط بين الهدر ومفهوم المسؤولية أمام الله والمجتمع. 

رجال الدين وقادة الرأي المحليين يمتلكون من النفوذ الأخلاقي والاجتماعي ما يجعل رسالتهم تتجاوز حدود الكلام لتصل مباشرة إلى وجدان الناس، فتصبح القيم التي ينقلونها جزءًا من حياة الفرد اليومية. حين يتناول هؤلاء الهدر الغذائي، لا يكتفون بتوصيفه كمشكلة اقتصادية أو بيئية فحسب، بل يضعونه في سياق أوسع يربطه بالمسؤولية الأخلاقية والدينية، ويُظهر كيف أن الإسراف في الطعام ليس مجرد فعل شخصي، بل خرق لواجب الإنسان تجاه المجتمع والبيئة وربما أمام الله أيضًا.

في خطب الجمعة، وفي لقاءات المجالس المحلية، يمكن لقادة الرأي أن يصنعوا جسورًا بين النصوص الدينية التي تحث على الاعتدال والقناعة وبين الممارسات اليومية، مؤكدين أن كل رغيف يُهدر يمثل فرصة ضائعة لعطاءٍ اجتماعي أو دعم محتاج. هذه الرسالة تتجاوز مجرد التوجيه، لتصبح جزءًا من الثقافة المحلية، حيث يُنظر إلى حفظ النعمة كقيمة اجتماعية وشرف شخصي، ويشعر الأفراد بأن مسؤوليتهم تتعدى حدود بيوتهم لتشمل الأسرة والجيران والمجتمع ككل. إن حضور رجال الدين وقادة الرأي في هذا السياق يضفي ثقلًا معنويًا على حملات التوعية، ويحولها من نصائح متكررة إلى دعوة عميقة لتغيير السلوكيات على مستوى الفرد والمجتمع، مؤسسين بذلك لبنية ثقافية قوية تجعل من “لا للهدر” مبدأً أخلاقيًا متجذرًا، ينطلق من الوعي الديني والاجتماعي إلى العمل الفعلي في الحياة اليومية.

المحور الرابع: الشراكات المؤسسية والدعم التشريعي

 لا يمكن مواجهة أزمة الهدر الغذائي بفاعلية دون أن تتضافر الجهود المؤسسية ويُدعَّمها إطار تشريعي متين، فالشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية تشكل العمود الفقري لأي استراتيجية مستدامة. هذه الشراكات تتيح تضافر الموارد والخبرات، بينما التشريعات الصارمة تضمن الالتزام والمساءلة، فتتسق الرؤية وتصبح الإجراءات أكثر فعالية. في هذا الإطار، يتحول العمل الفردي والجماعي من مبادرات متفرقة إلى منظومة مترابطة قادرة على إحداث تغيير حقيقي، وتحويل ثقافة الاستهلاك والهدر إلى سلوك منضبط ومسؤول.

كيف يمكن أن تتكامل جهود الإعلام والمجتمع المدني مع التشريعات الحكومية في تقليل الهدر. 

إن الحد من الهدر الغذائي لا يمكن أن يتحقق عبر أداة واحدة أو طرف منفرد، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تتضافر فيها الجهود الإعلامية، والمبادرات المجتمعية، والدعم التشريعي للحكومة لتشكيل بيئة مستدامة وفعّالة. فالإعلام يستطيع أن يزرع الوعي ويشكل ثقافة عامة تدعم الترشيد، ويجعل من كل حملة أو برنامج مساحة للتثقيف والتحفيز على سلوكيات عملية، ليصبح المواطن مستعدًا نفسيًا وذهنيًا للالتزام بالمعايير التي تفرضها القوانين والسياسات. وفي الوقت ذاته، يلعب المجتمع المدني دورًا ميدانيًا حيويًا من خلال المبادرات التطوعية، وبنوك الطعام، وحملات التوعية المباشرة في الأسواق والمدارس والجامعات، ليترجم الوعي النظري إلى أفعال ملموسة تعكس التغيير في الحياة اليومية.

أما التشريعات الحكومية، فهي الضمان الذي يضبط حركة الفعل، من خلال فرض قواعد صارمة على المطاعم والفنادق والأسواق، وتنظيم آليات توزيع فائض الغذاء، وتقديم حوافز للجهات التي تتبنى ممارسات الحد من الهدر. عندما تتلاقى هذه العناصر الثلاثة في منظومة متكاملة، يصبح الحد من الهدر مشروعًا جماعيًا له أركان متينة؛ الإعلام يهيئ الوعي ويحفز المشاركة، المجتمع المدني يحوّل هذا الوعي إلى فعل يومي، والحكومة تضع القوانين وتتابع تنفيذها لضمان استدامة النتائج. في هذا التكامل تنشأ ثقافة جديدة، تتحول من مجرد خطاب أو توصية إلى ممارسة متجذرة في سلوك الأفراد والمؤسسات على حد سواء، بحيث يصبح الحفاظ على الطعام مسؤولية مشتركة تلتقي عندها الإرادة الفردية والالتزام المجتمعي والإطار القانوني.

ضرورة وجود سياسات تحفيزية للقطاع الخاص (المطاعم، المتاجر الكبرى) لتقليل الفائض والتبرع به. 

القطاع الخاص يمثل أحد أبرز محركات السوق، ومن دون مشاركته الفاعلة، تبقى أي جهود للحد من الهدر الغذائي ناقصة أو محدودة التأثير. فالمطاعم، الفنادق، والمتاجر الكبرى هي مصادر رئيسية للفائض الغذائي، وفي كثير من الأحيان يتحوّل هذا الفائض إلى نفايات ببساطة بسبب غياب الحوافز أو التنظيم الواضح. هنا تكمن أهمية وجود سياسات حكومية تحفيزية تشجع هذه الجهات على إعادة توجيه فائضها إلى برامج إنسانية أو مجتمعية، سواء عبر التبرع ببقايا الطعام الصالح للاستهلاك، أو تحويله إلى منتجات معالجة مثل الأعلاف والأسمدة أو الوقود الحيوي. التحفيز قد يأخذ أشكالاً متعددة؛ مثل تخفيض الضرائب على التبرعات الغذائية، أو تقديم شهادات تقدير وشهادات جودة تُعزز صورة المؤسسة لدى الجمهور، أو منح مزايا مادية مباشرة للشركات التي تنفذ برامج الحد من الهدر.

هذه السياسات لا تقتصر على دفع القطاع الخاص نحو المسؤولية الأخلاقية فحسب، بل تجعل من تقليل الهدر جزءًا من استراتيجية العمل التجاري نفسها، بحيث تتحقق المنفعة المشتركة؛ توفير تكاليف التخلص من الفائض، تحسين صورة العلامة التجارية، وفي الوقت ذاته خدمة المجتمع وتقليل الضغوط على الموارد. عندما يلتقي الحافز الاقتصادي مع الحس الاجتماعي، يتحول القطاع الخاص إلى شريك فاعل في منظومة مستدامة تقلل الهدر وتعيد توزيع الطعام بما يحقق قيمة فعلية للمجتمع، ويؤسس لثقافة جديدة ترى في كل فائض فرصة لا هدر، وفي كل طبق متبقي مسؤولية جماعية.

أمثلة من بلدان عربية بدأت بالفعل بتأسيس بنوك للطعام أو إطلاق مبادرات وطنية لمكافحة الهدر. 

بدأت بعض الدول العربية تدرك حجم التحدي الذي يمثله الهدر الغذائي، فشرعت في تأسيس مبادرات وطنية وبنوك للطعام تشكل نماذج ملهمة يمكن الاقتداء بها في المنطقة. فمثلاً، في الإمارات العربية المتحدة، تم إطلاق بنوك طعام مركزية تتلقى فائض الإنتاج من الأسواق والفنادق والمطاعم، لتعيد توزيعه على الأسر المحتاجة، مع تطبيق آليات صارمة لضمان جودة الطعام وصلاحيته. هذا النموذج لا يقتصر على الجانب الإنساني فحسب، بل يعكس رؤية استراتيجية تربط بين الحد من الهدر والأمن الغذائي وتعزيز الاستدامة.

وفي لبنان، ظهرت مبادرات شبابية ومجتمعية مثل “المائدة اللبنانية”، التي تعمل على جمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم وتوزيعه بطريقة منظمة على الجمعيات الخيرية، ما يحوّل الهدر إلى فعل خير مباشر وملموس. كما بدأت بعض المبادرات في المغرب والأردن بالتركيز على التوعية المجتمعية، حيث تنسق الجمعيات مع القطاع الخاص والمجالس المحلية لإقامة حملات إعلامية وورش عملية تُظهر أثر الهدر على الاقتصاد والبيئة، وتقدم حلولًا مبتكرة لإعادة استخدام الفائض.

هذه التجارب تظهر أن الحل لا يقتصر على جهود فردية أو مؤسسية محدودة، بل على منظومة متكاملة تشمل الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتُثبت أن الإرادة التنظيمية والإبداع في التطبيق يمكن أن يحوّل الهدر الغذائي من أزمة مستمرة إلى فرصة لبناء ثقافة جديدة، قائمة على المشاركة، والمسؤولية، والحفاظ على النعمة.

في الختام ، صناعة ثقافة “لا للهدر” تتجاوز كونها مجرد شعار يُكتب على الملصقات أو يُتداول على الشاشات، فهي رحلة عميقة تتطلب انسجاماً بين كل أطراف المجتمع، لتصبح سلوكاً يومياً متجذراً في العقل والوجدان. تبدأ هذه الرحلة بتغيير الصورة الذهنية لدى الفرد، فكل شخص يُدرك قيمة كل لقمة وطبيعة أثرها على الاقتصاد والمجتمع والبيئة يصبح نقطة انطلاق للتغيير، ويترسخ في داخله شعور بالمسؤولية يرافقه في كل قرار استهلاكي يتخذه. تتعزز هذه القيم حين تُدمج في المناهج المدرسية والجامعية، حيث لا يقتصر التعليم على المعرفة النظرية فحسب، بل يمتد ليشكل تجارب حياتية وورش عمل وحملات تطبيقية تُرسّخ قيمة النعمة والاعتدال.

وفي الوقت ذاته، تتكامل المبادرات المجتمعية والعمل الأهلي لتصبح جسوراً تربط بين الفائض والاحتياج، بين الواعي وغير الواعي، بين القدرة على التغيير والتأثير الفعلي في الحياة اليومية. وتأتي التشريعات والسياسات الحكومية لتكمل هذا الإطار، فتضع قواعد واضحة للحد من الهدر، وتفرض حوافز للقطاع الخاص، وتضمن متابعة فعالة للتطبيق، بحيث يتحول الالتزام من خيار شخصي إلى معيار اجتماعي مؤسسي. إن صناعة هذه الثقافة ليست مهمة لحظية أو محدودة الزمن، بل هي عملية تراكمية تُبنى على الصبر والاستمرارية، تحمل في طياتها رسالة أخلاقية، اقتصادية، وبيئية في الوقت نفسه. فهي تحوّل الهدر من قضية معقدة ومؤلمة إلى فرصة لإعادة ترتيب أولويات المجتمع، لتصبح كل لقمة محفوظة، وكل فائض مستثمر، وكل مشروع توعية أداة لبناء مستقبل غذائي مستدام، يُعيد للنعمة قيمتها ويجعل من كل فعل صغير جزءاً من نسيج أخلاقي ومجتمعي كبير، يربط بين الفرد والمجتمع والدولة في شبكة متكاملة من المسؤولية والوعي والعدل.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال ممتاز تشكر الدكتورة شكرية عليه ونرجو انتشاره ووصوله أكثر لفئات المجتمع المختلفة. أتفق كليًا مع هذه الجملة “عامًا واعيًا بخطورة الهدر الغذائي، وقادرًا على تحويل الفكرة من مجرد إدراك إلى ممارسة عملية تبدأ من المطبخ وتنتهي عند السياسات العامة”. يد واحدة لا تُصفِّق. ولا بد لتكاتف الجهود لتحقيق المنشود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى