تقارير

الفاو تحذر: ما نضعه على موائدنا اليوم يحدد مستقبل الغذاء غداً

إعداد: أ.د.عبدالمنعم صدقي

أستاذ بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني بمركز البحوث الزراعية

من كوب الحليب الذي يبدأ به كثيرون يومهم، إلى البيضة في وجبة الإفطار، ثم قطعة اللحم أو الدجاج على مائدة الغداء، تمر المنتجات الحيوانية أمامنا كل يوم بصورة تبدو عادية ومألوفة. لكن وراء هذه الأطعمة قصة أكبر بكثير؛ فكل وجبة تصل إلى مائدة الأسرة ترتبط بسلسلة طويلة تبدأ من المزرعة وتصل إلى الأسواق، وتطرح سؤالًا عالميًا يزداد إلحاحًا: كيف يمكن توفير الغذاء لمليارات البشر في المستقبل، من دون استنزاف الأرض والمياه والموارد الطبيعية؟

هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة مع تزايد الطلب على اللحوم والحليب والبيض حول العالم. وفي تقرير جديد صدر في سبتمبر 2026، تسلط منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» الضوء على الدور المتزايد للثروة الحيوانية والدواجن في تأمين الغذاء، موضحة أن هذا القطاع يوفر نحو ثلث إمدادات البروتين في العالم، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضغوطًا بيئية وصحية واقتصادية ستحدد مستقبله خلال العقود المقبلة.

ويكشف التقرير أن معظم الغذاء الحيواني الذي يعتمد عليه الناس لا يعبر الحدود، بل يصل إلى المستهلك من خلال الأسواق المحلية والوطنية؛ فلا تتجاوز التجارة الدولية 15% من اللحوم، و12% من الحليب ومنتجات الألبان، و3% من البيض. وفي الوقت نفسه، شهد إنتاج الغذاء الحيواني نموًا هائلًا، إذ ارتفع بأكثر من خمسة أضعاف منذ عام 1961، مع زيادة الاستثمارات في القطاع خلال السنوات الأخيرة لتحسين الإنتاج، ومكافحة الأمراض، وتطوير الأعلاف والسلالات.

وتوفر الأغذية الحيوانية في المتوسط نحو 33% من البروتين عالميًا، لكن اعتماد السكان عليها يختلف بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى. ففي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية ومعظم أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا، تتجاوز مساهمتها 50% من البروتين، بينما تقل عن 18% في أفريقيا. ومع استمرار ارتفاع الطلب، يتجه قطاع الإنتاج الحيواني إلى البحث عن طرق أكثر كفاءة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة الأراضي وتراجع توافر العمالة في كثير من المناطق الريفية.

ولا يتعلق الأمر بالغذاء وحده، فالقطاع يمثل قوة اقتصادية ضخمة؛ إذ يسهم بنحو 40% من قيمة الإنتاج الزراعي العالمي، بما يقدر بنحو 1.8 تريليون دولار. لكن هذه القيمة الاقتصادية تأتي مع تحديات متزايدة، من بينها استهلاك الأراضي والمياه، وإزالة الغابات، وانبعاثات الغازات المسببة لتغير المناخ، والمنافسة بين إنتاج الغذاء وإنتاج الأعلاف، إضافة إلى أمراض الحيوانات ومقاومة المضادات الحيوية ومخاطر انتقال بعض الأمراض من الحيوان إلى الإنسان.

ووفقًا للتقرير، تسهم نظم الإنتاج الحيواني بنحو 12% من انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الأنشطة البشرية، وتأتي الأبقار في مقدمة مصادر هذه الانبعاثات، خاصة بسبب الميثان الناتج عن عملية الهضم. وفي المقابل، ترى «الفاو» أن الثروة الحيوانية يمكن أن تكون جزءًا من الحل، من خلال الاستفادة من بعض المواد غير الصالحة للاستهلاك البشري كأعلاف، وتحويل مخلفات الحيوانات إلى أسمدة وطاقة ومواد حيوية يمكن أن تدخل في صناعات مختلفة.

وفي النهاية، فإن مستقبل الثروة الحيوانية لا يبدأ وينتهي داخل المزارع؛ بل يصل مباشرة إلى مائدة كل أسرة. فمع تزايد عدد السكان وارتفاع الطلب على الغذاء، يصبح التحدي هو إنتاج المزيد من الحليب واللحوم والبيض باستخدام كميات أقل من الأراضي والمياه، مع خفض الانبعاثات والفاقد، والحد من الأمراض، وتحسين رعاية الحيوانات. وبعبارة أخرى، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: ماذا سنضع على موائدنا غدًا؟ بل أيضًا: كيف سننتج هذا الغذاء بطريقة تضمن أن تظل الأرض قادرة على إنتاجه للأجيال القادمة؟

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى