مركز البحوث الزراعية.. ملحمة وطنية تُكتب كل يوم بأيدي العلماء

بقلم: د.أسامة بدير
في يقيني، لا توجد مؤسسة علمية في مصر تستحق التقدير والاحتفاء بقدر ما يستحقه مركز البحوث الزراعية. وأنا أرى أن ما يقدمه هذا الصرح الوطني العظيم يتجاوز حدود البحث العلمي التقليدي، ليصبح خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي المصري، في زمن تتشابك فيه الأزمات الجيوسياسية مع التداعيات المتسارعة للتغيرات المناخية، وتتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي. والشاهد بالنسبة لي أن ما يتحقق على أرض الواقع من استنباط أصناف جديدة، ورفع إنتاجية المحاصيل، ومواجهة الآفات والأمراض، وتطوير نظم الري والتسميد والإدارة الزراعية، لم يكن ليرى النور لولا جهود علماء وباحثين آمنوا بأن خدمة الوطن رسالة قبل أن تكون وظيفة.
وأنا أؤكد أن قيادات مركز البحوث الزراعية نجحت في ترسيخ ثقافة العمل المؤسسي القائم على التخطيط والرؤية العلمية، فكان الناتج منظومة متكاملة تضم 26 معهداً ومعملاً بحثياً متخصصاً، يعمل كل منها في مجاله بتناغم وتكامل نادرين. فهناك من يستنبط الأصناف والهجن عالية الإنتاجية، ومن يطور تقنيات مقاومة التغيرات المناخية، ومن يحافظ على صحة النبات والثروة الحيوانية، ومن يبتكر حلولاً لمشكلات التربة والمياه، ومن ينقل نتائج البحوث إلى الحقول عبر الإرشاد الزراعي. إنها منظومة علمية متماسكة، هدفها الأول والأخير خدمة الفلاح المصري وتأمين غذاء أكثر من مائة مليون مواطن.
والشاهد بالنسبة لي أن علماء وباحثي مركز البحوث الزراعية لا يعرفون ساعات العمل التقليدية، ولا يتوقف عطاؤهم عند حدود المكاتب أو المعامل، بل ينتقلون إلى الحقول والمزارع والمحافظات كافة، يتابعون، ويشخصون، ويبتكرون، ويقدمون الحلول العلمية التطبيقية لكل مشكلة تواجه الإنتاج الزراعي. وأنا أرى أن هؤلاء العلماء يسطرون بصمت أكبر ملحمة علمية في تاريخ الزراعة المصرية الحديثة، لأنهم يواجهون تحديات غير مسبوقة؛ من ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وظهور سلالات جديدة من الآفات والأمراض، إلى متطلبات الأسواق العالمية واشتراطات التصدير، ومع ذلك يواصلون الإنجاز دون ضجيج.
وأعتقد أن ما تحقق من طفرة في إنتاجية المحاصيل الحقلية والبستانية، والتوسع في الأصناف المقاومة للإجهادات البيئية، وتحسين جودة الإنتاج، وزيادة الصادرات الزراعية المصرية، ليس وليد الصدفة، وإنما هو ثمرة عقود من البحث العلمي الجاد والعمل المتواصل داخل معامل ومعاهد مركز البحوث الزراعية. وأنا أؤمن بأن كل فدان يحقق إنتاجية أعلى، وكل صنف جديد يخرج إلى المزارعين، وكل توصية إرشادية تصل إلى الحقل، تقف خلفها عقول مصرية مخلصة كرست حياتها للعلم وخدمة الوطن، بعيداً عن الأضواء، لكنها حاضرة بقوة في كل إنجاز يتحقق على أرض مصر.
وفي الختام، أقولها بكل يقين: إن مركز البحوث الزراعية ليس مجرد مؤسسة بحثية، بل هو قلعة مصر العلمية وحصنها المنيع في معركة الأمن الغذائي. وإن قياداته الواعية، وعلماءه المبدعين، وباحثيه المخلصين، هم ثروة وطنية لا تقدر بثمن، يستحقون كل الدعم والتقدير والاعتزاز. وسيبقى هذا الصرح العظيم، في نظري، مصنعاً للابتكار، ومنارةً للعلم، ودرعاً يحمي مستقبل الزراعة المصرية، ودليلاً حياً على أن العقول المصرية قادرة دائماً على صناعة المعجزات، مهما اشتدت التحديات وتعاظمت الأزمات، لتظل مصر آمنة بقوتها العلمية، قوية بعلمائها، وفخورة بأبنائها الذين يعملون ليلاً ونهاراً من أجل رفعة هذا الوطن وتأمين غذاء شعبه.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



