سيدة القناطر والميراث معركة على 7000 جنيه تكشف وجع الأسرة المصرية

بقلم: د.أسامة بدير
أثناء استقلالي الميكروباص من مدينة القناطر الخيرية متجهًا إلى التحرير، لفت انتباهي صوت مرتفع لإحدى الراكبات، كانت سيدة في العقد الرابع من عمرها تتحدث في هاتفها المحمول بانفعال شديد، حتى إن جميع ركاب الميكروباص كانوا يستمعون إلى تفاصيل مكالمتها رغما عنهم.
كان صوتها يحمل غضباً شديداً، وهي تقول لمحدثها: “أنا هروح أعوره ومستعدة للبيات في قسم الشرطة”، ثم أنهت المكالمة، لكن الفضول الصحفي دفعني لمعرفة تفاصيل هذه المشكلة التي جعلتها تصل إلى هذا القدر من الغضب والتصعيد.
قلت لها بهدوء: “الطيب أحسن، وربنا يهدي النفوس”، فإذا بها ترد بصوت مرتفع: “أنا هروح أعور جوز أختي، ولو أختي تدخلت هعورها، وأنا مستعدة أدخل السجن”.
وبدأت السيدة تسرد تفاصيل القصة، التي يمكن تلخيصها في أنها خلافات أسرية بسبب الميراث. فهناك شقة أبيها الذي توفى ومقيم فيها شقيقها، وهو يقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة عام بسبب مشاجرة، وترى إحدى شقيقاته أن من حقها الحصول على نصيبها من هذه الشقة، وتطالب ببيعها وتقسيم ثمنها بين الورثة.
الغريب في الأمر، بالنسبة لي، أن قيمة هذه الشقة محل النزاع لا تتجاوز 65 ألف جنيه، وفقاً لما ذكرته السيدة، وهذا المبلغ سيتم تقسيمه بين ثلاثة ذكور وثلاث إناث، أي أن نصيب هذه الشقيقة – وفق أفضل التقديرات – لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات.
وهنا أتساءل: هل يعقل أن تتحول صلة الرحم، التي أمر الله بالحفاظ عليها، إلى حرب بين الإخوة بسبب مبلغ قد لا يتجاوز سبعة آلاف جنيه؟
الأكثر غرابة أن باقي الإخوة، بحسب رواية السيدة، يرفضون بيع الشقة، ليس رغبة في حرمان أحد من حقه، وإنما لأن شقيقهم المسجون لا يملك مكاناً آخر يعيش فيه، ويقولون إنهم سينتظرون خروجه من السجن، وعندما يتزوج ويستقر في مسكن الزوجية يمكن وقتها التفكير في البيع وتقسيم الميراث.
لكن هذه الشقيقة، بمشاركة زوجها – كما تروي – تصر على خوض معركة شرسة منذ عام كامل، وصلت إلى تبادل الاتهامات والشتائم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحولت الخلافات العائلية إلى خصومة علنية أهدرت معها كل معاني الاحترام بين أفراد الأسرة.
أنا أرى أن هذه الواقعة، رغم بساطتها، تكشف عن مشكلة أكبر بكثير من مجرد خلاف على شقة أو مبلغ مالي، فهي تعكس تغيرات عميقة أصابت شكل العلاقات الأسرية في المجتمع. لقد أصبحنا نرى في بعض الحالات أن المال أصبح أقوى من صلة الدم، وأن الخلاف على الميراث قد يتحول من حق مشروع ينظمه القانون والشرع إلى سبب للقطيعة والعداوة.
وأعتقد أن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الخلاف في حد ذاته، فالاختلاف بين البشر أمر طبيعي، وإنما الخطورة في اختفاء ثقافة الحوار، وتراجع قيم التسامح، وضعف دور الأسرة في احتواء أزماتها قبل أن تتحول إلى صراعات. فالعائلة التي كانت في الماضي ملاذاً للأفراد وقت الشدة أصبحت في بعض الحالات ساحة للنزاع والتشهير والخصومة.
ويقيني أن انهيار الروابط الأسرية لا يبدأ فجأة، وإنما يحدث تدريجياً عندما يفقد الإنسان إحساسه بقيمة أخيه أو أخته، وعندما يصبح المال هو المعيار الوحيد للعلاقات. والشاهد بالنسبة لي أن كثيراً من هذه الخلافات تنتهي بعد سنوات من القطيعة والخصام، ليكتشف الجميع في النهاية أن ما خسرته الأسرة من محبة واحترام أكبر بكثير مما حصل عليه أي طرف من أموال أو ممتلكات.
وأؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يستقيم إذا فقد أفراده أبسط قواعد الرحمة والتراحم، فالأسرة هي اللبنة الأولى لبناء أي مجتمع قوي، وإذا تصدعت هذه اللبنة انهار البناء كله. إن انتشار العنف اللفظي، والتهديد، والبلطجة، وتشويه السمعة بين الأقارب يمثل خطراً حقيقياً لا يقل عن أي أزمة أخرى تواجه المجتمع.
لقد آن الأوان أن يستفيق الجميع قبل فوات الأوان، وأن ندرك أن الخلافات المادية مهما بلغت قيمتها لا تستحق أن نخسر من أجلها إخوة وأخوات وذكريات وعلاقات عمر. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو السياسية، وإنما تنهار عندما يفقد الإنسان إنسانيته وتضعف الروابط التي تجمعه بمن حوله.
إن ما نراه من كوارث أسرية متزايدة يجب أن يكون جرس إنذار يدفعنا جميعاً إلى مراجعة أنفسنا، وإعادة الاعتبار لقيم الاحترام والتسامح وصلة الرحم، قبل أن نجد أنفسنا أمام مجتمع فقد أهم ما يميزه: تماسك الأسرة وروح المحبة بين أفراده.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



