رئيس التحرير

فسخ الخطوبة بين التهديد والإرهاب!

بقلم: د.أسامة بدير

لم تعد بعض قصص فسخ الخطوبة في مجتمعاتنا تنتهي عند حدود الحزن أو الخلاف أو حتى الشعور بالخذلان، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى كابوس مرعب تعيشه الفتاة وأسرتها تحت حصار من التهديد والوعيد والترهيب النفسي والجسدي، على يد شباب فقدوا معنى الرجولة، وتجردوا من أبسط قيم الإنسانية والاحترام.

نحن أمام فئة خطيرة تتعامل مع الخطوبة وكأنها عقد امتلاك، لا علاقة إنسانية قائمة على القبول والراحة والتفاهم. فإذا قررت الفتاة إنهاء الخطوبة، لأي سبب كان، يبدأ بعض هؤلاء في كشف وجوههم الحقيقية، فتخرج الألفاظ البذيئة، وتبدأ رسائل التهديد، ثم تتطور الأمور إلى مطاردة وتشهير وابتزاز ووعيد بالقتل أو إيذاء أحد أفراد الأسرة، وكأن الفتاة ارتكبت جريمة لا تُغتفر لأنها فقط قالت: “لا أستطيع الاستمرار”.

والمؤلم أكثر أن كثيراً من أسباب فسخ الخطوبة تكون منطقية وصحيحة؛ سوء أخلاق، عصبية مفرطة، كذب، إهانة، بخل، ضعف مسؤولية، أو اكتشاف طباع تجعل الحياة مستحيلة. لكن بعض الشباب يتعاملون مع الأمر بمنطق متوحش يعتبر قرار الفتاة “إهانة لكرامته”، فيقرر الانتقام بدل مراجعة نفسه، وكأن الكرامة أصبحت مرتبطة بإجبار امرأة على البقاء معه رغماً عنها.

أي كرامة هذه التي تدفع شاباً إلى تهديد فتاة بالقتل لأنها لم تعد تريده؟
وأي رجولة تلك التي تجعله يهدد أسرتها أو يلاحقها أو يرعبها إذا تقدم لها شخص آخر ووافقت عليه؟
وهل الحب الحقيقي يُفرض بالخوف؟ وهل الزواج يُبنى بالإرهاب النفسي؟

عشرات القصص المؤلمة تملأ مواقع التواصل الاجتماعي يومياً؛ فتيات يعشن في رعب، وأسر تخشى على بناتها من بطش شخص لم يتقبل الرفض، وشباب يظنون أن التهديد والعنف وسيلة لاستعادة “الهيبة”. والحقيقة أن من يفعل ذلك لا يملك كرامة أصلاً، لأن الإنسان الواثق من نفسه ينسحب بصمت ويحترم القرار، حتى لو كان موجعاً.

الخطوبة ليست سجناً، والزواج ليس معركة كسر إرادات، والمرأة ليست غنيمة يقرر الرجل الاحتفاظ بها بالقوة. ومن لا يستطيع تقبل الرفض اليوم، قد يتحول غداً إلى مشروع مجرم داخل بيت وأسرة ومجتمع كامل.

إننا بحاجة إلى مواجهة مجتمعية حقيقية لهذه النوعية من الشباب الذين تربوا على أن السيطرة قوة، وأن المرأة إذا رفضت تصبح “عدوة” يجب تأديبها. هؤلاء لا يحتاجون فقط إلى عقاب قانوني، بل إلى فضح فكري وأخلاقي يكشف قبح ما يفعلونه وخطورته على المجتمع كله.

وأناشد أجهزة الأمن بكل قوة أن تتعامل بمنتهى الجدية والحسم مع بلاغات التهديد والابتزاز التي تتقدم بها الفتيات، خاصة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لأن كثيراً من الجرائم بدأت برسالة تهديد واستهان البعض بها حتى وقعت الكارثة. حماية الفتيات من الترويع ليست رفاهية، بل واجب قانوني وإنساني وأخلاقي.

كما أطالب بالضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه إرهاب الآمنين أو تهديد النساء أو مطاردتهن نفسيًا واجتماعيًا بعد فسخ الخطوبة أو رفض الزواج. فالمجتمع الذي يتهاون مع التهديد، يفتح الباب أمام جرائم أكبر وأكثر بشاعة.

وأقول لهؤلاء الشباب: إذا كانت الفتاة قد قررت إنهاء الخطوبة، فأين الكرامة في إجبارها على الاستمرار؟ وأي رجولة في مطاردة إنسانة لا تريدك؟ الكرامة الحقيقية ليست في فرض نفسك بالقوة، بل في احترام نفسك واحترام قرار الآخرين، حتى وإن كان مؤلماً.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى