خطة جريئة لفحص الحمض النووي لكل المواليد في بريطانيا.. لكن الخبراء يحذرون من مخاطر خطيرة

بقلم: أ.د.إيهاب محمد زايد
رئيس قسم بحوث دراسة الخلية بمعهد بحوث المحاصيل الحقلية – مركز البحوث الزراعية
بحلول عام 2030، قد يخضع كل طفل يولد في المملكة المتحدة لتحليل كامل للحمض النووي (DNA) ضمن مبادرة جديدة لهيئة الصحة الوطنية البريطانية (NHS)، بهدف التنبؤ بالأمراض قبل ظهورها والوقاية منها مبكرًا.
الفكرة تبدو للوهلة الأولى إنجازًا طبيًا مذهلًا:
اكتشاف مبكر، تدخل أسرع، وإنقاذ محتمل للأرواح.
لكن الخبراء يؤكدون أن الواقع أكثر تعقيدًا، والمخاطر حقيقية.
من وخزة الكعب إلى قراءة الجينوم الكامل
حاليًا، يخضع المواليد لاختبار بسيط عبر وخزة في الكعب، يكشف عن 9 أمراض وراثية نادرة فقط.
الخطة الجديدة تسعى إلى توسيع هذا الفحص ليشمل مئات المخاطر الجينية المحتملة عبر تسلسل الجينوم بالكامل.
وقد استندت المبادرة إلى تجربة سابقة فحصت 100 ألف طفل حديث الولادة، وحددت أكثر من 200 حالة وراثية محتملة.
لكن هنا تكمن المشكلة:
هذه الفحوص لا تُشخّص المرض، بل تُقدّر احتمال حدوثه فقط.
الخطر: الخلط بين “الاحتمال” و”المصير”
نتائج الفحص الجيني لا تقول: هذا الطفل مريض.
بل تقول: هذا الطفل لديه احتمال أعلى أو أقل للإصابة مستقبلًا.
غير أن الأبحاث تُظهر أن:
كثيرًا من الناس يسيئون فهم الأرقام والإحصاءات.
مصطلحات مثل “خطر مرتفع” أو “مرجّح” تُفسَّر غالبًا على أنها حكم نهائي.
حتى بعض الأطباء قد يبالغون في تفسير نتائج الفحوص الجينية.
النتيجة المحتملة؟
أن يُنظر إلى الطفل على أنه “مريض مؤجَّل”، رغم كونه سليمًا تمامًا.
أثر نفسي قد يلازم الطفل مدى الحياة
عندما يُوصف طفل بأنه “معرّض للخطر”:
قد يخضع لسنوات من الفحوص والمتابعات غير الضرورية.
قد يتلقى أدوية أو تدخلات طبية لا يحتاجها.
وقد تتشكل هويته النفسية على أساس مرض قد لا يحدث أبدًا.
تشير الدراسات إلى أن إخبار شخص بأنه “مرشح للإصابة بالخرف” مثلًا، قد يغيّر طريقة تخطيطه لحياته حتى لو لم يُصب بالمرض أبدًا.
مشكلة النتائج الإيجابية الكاذبة
هناك مشكلة إحصائية معروفة:
عندما يُطبَّق الفحص على مجتمع سليم في معظمه، فإن:
عدد النتائج الخاطئة قد يفوق النتائج الصحيحة.
حدث هذا بالفعل مع اختبارات ألزهايمر:
كانت دقيقة في العيادات المتخصصة.
لكنها أعطت نتائج إيجابية خاطئة في ثلثي الحالات عند استخدامها على عامة الناس.
الخبراء يخشون تكرار السيناريو نفسه مع الأطفال حديثي الولادة.
هل الحل هو إيقاف الفحوص الجينية؟
لا.
الجينوم يحمل وعودًا طبية هائلة، لكن الاستخدام العشوائي واسع النطاق قد يحوّل الفائدة إلى ضرر.
الخبراء يقترحون شروطًا أساسية قبل تعميم الفحص:
تواصل واضح وصادق: التأكيد على أن النتائج تقديرات وليست أحكامًا نهائية.
دعم حقيقي للأهل: لمساعدتهم على فهم النتائج دون هلع.
تدريب أفضل للأطباء على تفسير البيانات الجينية.
زيادة عدد المستشارين الوراثيين، إذ إن العدد الحالي في بريطانيا لا يكفي لمثل هذا البرنامج الضخم.
الخلاصة
تحليل الحمض النووي قد يكون أداة إنقاذ مستقبلية،
لكن استخدامه دون ضوابط قد يحوّل الأطفال الأصحاء إلى مرضى بالانتظار.
العلم هنا لا يطالب بالتراجع،
بل يدعو إلى الحذر، والوضوح، والاستثمار في الفهم الإنساني للبيانات الجينية.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



