رئيس التحرير

الزواج ليس رفاهية والشريك الصحيح أهم من المظاهر والتكاليف

بقلم: د.أسامة بدير

في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الزواج بين الشباب مرتبطاً بالخوف أكثر من الأمل، وبالقلق أكثر من الرغبة. كثير من الشباب بات ينظر إلى الزواج باعتباره مشروعاً مرهقاً مالياً ونفسياً، يحتاج إلى قدرات تفوق إمكانياته، حتى تحولت الفكرة عند البعض من حلم طبيعي إلى معركة مؤجلة لا يعرف متى يخوضها. لكن الحقيقة التي أؤمن بها أن الزواج، حين يُبنى بشكل صحيح، ليس عبئاً كما يصوره البعض، بل هو واحد من أهم أسباب الاستقرار النفسي والاجتماعي، وبداية حقيقية لحياة أكثر نضجًا وطمأنينة.

الزواج ليس مجرد مناسبة أو ليلة تُلتقط فيها الصور، بل شراكة عمر، وسكن نفسي، واحتواء إنساني يحتاجه كل شخص وسط هذا العالم المزدحم والمتغير. الإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يشاركه الطريق، يخفف عنه ضغوط الحياة، ويمنحه شعور الأمان والانتماء. لذلك، فإن فكرة العزوف الكامل عن الزواج ليست حلاً، بل قد تتحول مع الوقت إلى باب للوحدة والاضطراب وفقدان الاستقرار.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الممارسات الخاطئة ساهمت في تعقيد الزواج وتحويله إلى حمل ثقيل على الشباب. فالمبالغة في الطلبات، والتفاخر بالمظاهر، والدخول في سباق “الفشخرة” والتكاليف غير المنطقية، كلها أمور أرهقت الشباب وأفقدت الزواج معناه الحقيقي. هناك من يطلب حفلات تفوق إمكانيات العروسين، أو تجهيزات لا ضرورة لها، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما ينفقه لا بما يحمله من أخلاق ومسؤولية وقدرة على بناء بيت محترم.

ومن وجهة نظري، فإن البداية الحقيقية لأي زواج ناجح تبدأ من حسن الاختيار، خاصة من جانب الشاب. لأن الشاب في الغالب هو من يتخذ الخطوة الأولى، وهو من يختار شريكة حياته، لذلك يجب أن يبحث عن الإنسانة التي تؤمن بفكرة “الحياة” لا “المظاهر”، والتي تدرك أن الزواج مشاركة وتعاون، وليس قائمة طلبات واستعراضاً اجتماعياً.

والملاحظ مؤخراً أن كثيراً من الزيجات أصبحت تشبه ما كان يُعرف قديماً بـ“زواج الصالونات”، ولكن بصورة مختلفة. فحتى مع وجود وسائل التواصل والانفتاح الكبير، عاد كثير من الشباب إلى فكرة الاختيار الهادئ والعقلاني، بعيداً عن العلاقات المرهقة أو الأحلام غير الواقعية. وأرى أن هذا ليس أمراً سيئاً كما يظن البعض، بل ربما يكون أكثر نضجاً واستقراراً، طالما بُني على التفاهم والقبول والاحترام.

الزواج الناجح لا يحتاج إلى بذخ، بل يحتاج إلى تفاهم. لا يحتاج إلى قاعة فاخرة بقدر احتياجه إلى عقلين يعرفان معنى المسؤولية. أجمل البيوت ليست تلك التي بدأت بأعلى التكاليف، بل التي بُنيت على المودة والرحمة والتعاون وتحمل الظروف.

رسالتي للشباب اليوم: لا تجعلوا الخوف من التكاليف يقتل فيكم الرغبة في الاستقرار وبناء أسرة. وابحثوا جيداً عن شريكة حياة تقدّر الإنسان لا إمكانياته فقط، وتفهم أن البدايات البسيطة ليست عيباً، بل قد تكون أكثر بركة وصدقاً. كما أن على الأسر أن تدرك أن التيسير لا يقلل من قيمة بناتهم، بل يزيد الاحترام والمحبة، ويساعد على بناء حياة مستقرة بدلاً من بداية مثقلة بالديون والضغوط.

نحن بحاجة إلى إعادة تصحيح مفهوم الزواج، ليعود علاقة إنسانية راقية قائمة على المودة، لا مشروعاً استهلاكياً مرهقاً. فكلما ابتعدنا عن التكلف، اقتربنا أكثر من المعنى الحقيقي للحياة المشتركة، ومن فرصة حقيقية لصناعة أسر مستقرة ومجتمع أكثر توازناً ورحمة.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى