رئيس التحرير

واقعة قرية ميت عاصم جرس إنذار جديد في وجه العنف والبلطجة

بقلم: د.أسامة بدير

ما حدث في قرية ميت عاصم بمحافظة القليوبية خلال الساعات الماضية ليس مجرد واقعة فردية عابرة يمكن أن تمر مرور الكرام، بل هو مشهد صادم يعكس خطرًا متناميًا يهدد المجتمع المصري من الداخل. أنا أرى أن هذه الواقعة تمثل علامة استفهام كبيرة حول ما وصلنا إليه من انتشار للعنف والبلطجة، وحول قدرة المجتمع على حماية أبنائه من مشاهد الانفلات التي باتت تتكرر بصورة مقلقة.

لقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات والتعليقات التي تدين وتشجب ما جرى، في حالة غضب شعبي واسعة، وهذا في حد ذاته دليل على أن ضمير المجتمع ما زال حياً، وأن المصريين لا يقبلون إهانة إنسان أو انتهاك كرامته تحت أي ظرف. كما أن التحرك الفوري من أجهزة الأمن والقبض على المتهمين خطوة مهمة تؤكد أن الدولة لن تسمح بتحول الشارع إلى ساحة للفوضى أو الغابة، وأن القانون لا يزال هو الفيصل.

لكن يقيني أن القضية أعمق بكثير من مجرد ضبط الجناة أو التحقيق معهم، لأن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بقوة هو: إلى أين نسير كمجتمع إذا أصبحت البلطجة سلوكاً متكرراً؟ وكيف وصل البعض إلى درجة أن يظن أن القوة في الإيذاء، وأن الرجولة في الإهانة، وأن السيطرة تُنتزع بالعنف لا بالحق؟

أنا أعتقد أن ما نشهده اليوم ليس وليد لحظة، بل هو نتيجة تراكمات خطيرة، حيث بدأ العنف يتسلل تدريجياً إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى صار البعض يتعامل معه كأنه أمر معتاد. الشاهد بالنسبة لي أن أخطر ما يحدث ليس فقط وقوع الجريمة، بل أن تتحول مشاهد الاعتداء إلى جزء من المشهد العام، وأن تتآكل الحساسية الإنسانية تجاه الألم والظلم.

ولا يمكن في رأيي أن نفصل ذلك عن الدور الخطير الذي تؤديه بعض الأعمال الدرامية التي تُصنع على يد من يُطلق عليهم “نجوم المجتمع”، بينما تقدم نماذج مشوهة للبطولة، تجعل البلطجي بطلاً شعبياً، والخارج عن القانون رمزاً للقوة والهيبة. هذه الأعمال لا تكتفي بعرض العنف، بل تزينه وتبرره وتقدمه كحل، وتغرس في عقول الشباب أن الاحترام يُفرض بالقوة، وأن القانون مجرد تفصيلة. ومع الوقت تصبح هذه الرسائل وقوداً لسلوك عدواني في الشارع.

لكن الأمر لا يتوقف عند الإعلام وحده، لأن الأسرة والتعليم في يقيني هما خط الدفاع الأول. حين تغيب التربية الحقيقية داخل البيت، وحين ينشأ الطفل دون أن يتعلم معنى الاحترام والرحمة وضبط النفس، يصبح أكثر قابلية لتلقي ثقافة العنف. وحين تتحول المدرسة من مؤسسة لبناء الإنسان إلى مجرد مكان لتلقين الدروس، نفقد أحد أهم أدوارها وهو صناعة المواطن السوي نفسياً وأخلاقياً. إنني أرى أن إصلاح التعليم وتفعيل دور الأسرة ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية لحماية الأجيال القادمة من الانزلاق إلى مستنقع البلطجة.

ما تعرض له شاب ميت عاصم ليس اعتداءً على فرد فقط، بل هو انتهاك صريح لكرامة إنسان وأسرته، وضرب مباشر لقيم الأمان داخل المجتمع. حين يُهان شاب في قريته أو مدينته، فإن الرسالة التي تصل للناس مرعبة، وهي أن أي شخص قد يكون الضحية التالية، وهذه هي الخطورة الكبرى التي لا يجب الاستهانة بها.

أنا مقتنع أن التصدي لهذه الظاهرة لا يجب أن يكون أمنياً فقط، رغم أهمية الحسم القانوني، بل هو واجب جماعي على كافة مؤسسات الدولة الرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية، والإعلام، والمدرسة، والجامعة، والأسرة، وكل فرد في المجتمع. نحن بحاجة إلى مواجهة شاملة تعيد الاعتبار للقيم، وتوقف تمجيد العنف، وتزرع احترام الإنسان وحقوقه في الوعي العام.

إن السكوت على هذه الوقائع أو التعامل معها كـ”ترند” عابر هو بداية الطريق نحو مجتمع يفقد إنسانيته تدريجياً. وما حدث في ميت عاصم يجب أن يكون جرس إنذار ودعوة صريحة لوقفة حقيقية ضد العنف، وضد كل من يحاول أن يجعل البلطجة أسلوب حياة، لأن الكرامة ليست رفاهية، والأمان ليس خياراً، والقانون فوق الجميع.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى