رأى

ماذا لو كان أخطر سلاح في العالم ليس قنبلة نووية… وإنما حبة قمح؟

بقلم: د.شكرية المراكشي

الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية 

قد يبدو السؤال مبالغًا فيه للوهلة الأولى، لكن التاريخ والسياسة والاقتصاد يقولون لنا إن الشعوب لا تعيش بالأسلحة، وإنما تعيش بالغذاء. وإذا كان نقص النفط يستطيع أن يوقف سيارة أو يعطل مصنعًا، فإن نقص الخبز يستطيع أن يهز استقرار مجتمع بأكمله.

لهذا لم يعد الأمن الغذائي قضية زراعية تخص الفلاح ووزارة الزراعة وحدهما، بل أصبح جزءًا من صميم الأمن القومي للدول. فالدولة التي تعتمد في غذائها الأساسي على الخارج لا تعتمد فقط على الأسواق؛ إنها تصبح مرتبطة بالموانئ، وطرق الملاحة، وأسعار الطاقة، وسعر العملة، والحروب، والعقوبات، والسياسات التجارية، وحتى بما يحدث في حقول بعيدة عنها آلاف الكيلومترات.

والقمح تحديدًا ليس مجرد محصول من المحاصيل. إنه غذاء استراتيجي ارتبط عبر التاريخ بقيام الحضارات واستقرارها، واليوم أصبح وراءه عالم كامل من التكنولوجيا والبحث العلمي والهندسة الوراثية والتقاوي والأسمدة والمياه والتخزين والنقل والتجارة العالمية.

وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة…

فمن يملك الأرض لا يملك بالضرورة كل عناصر القوة الزراعية، ومن يزرع القمح لا يعني بالضرورة أنه يملك قرار غذائه. فالسؤال الحقيقي لم يعد فقط: كم طنًا تنتج الدولة من القمح؟ بل: من يملك التقاوي؟ من يملك المعرفة الوراثية؟ من يملك التكنولوجيا؟ من يملك المياه؟ من يملك القدرة على التخزين؟ ومن يستطيع أن يضمن وصول القمح إلى شعبه إذا أغلقت الحرب ميناءً، أو تعطلت الملاحة، أو ارتفعت الأسعار العالمية، أو توقفت دولة مصدرة عن التصدير؟

لقد كشفت أزمات السنوات الأخيرة أن سلاسل الغذاء العالمية يمكن أن تصبح ساحة من ساحات الصراع الدولي، وأن ما يحدث في البحر الأسود يمكن أن يصل تأثيره إلى رغيف الخبز في القاهرة، وأن قرارًا اقتصاديًا في دولة بعيدة قد يتحول إلى فاتورة يدفعها المواطن في دولة أخرى. ومن هنا يصبح القمح قصة أكبر من القمح.

إنها قصة السيادة الغذائية…

وقصة الدول التي استثمرت في البحث العلمي والتقاوي والإنتاجية، والدول التي اكتفت بالشراء من الأسواق العالمية، وقصة ذلك الخط الفاصل بين أن تكون الدولة قادرة على شراء غذائها في الظروف الطبيعية، وأن تكون قادرة على تأمين غذائها عندما تتغير الظروف.

فهل يمكن أن يصبح الغذاء ورقة ضغط في السياسة الدولية؟ وهل يكون القمح، في بعض الأزمات، أخطر اقتصاديًا من النفط؟ والأهم بالنسبة لنا: هل تستطيع مصر أن تبني منظومة تجعل رغيف الخبز المصري أقل تعرضًا لما يحدث خارج حدودها؟

هذه ليست قصة حبة قمح…

إنها قصة الأمن الوطني عندما يبدأ من الحقل، وينتهي عند مائدة المواطن. في مصر، لا تبدأ حكاية الأمن الغذائي من الحقل فقط… بل تبدأ من رغيف العيش.

ذلك الرغيف الذي يبدو بسيطًا على مائدة ملايين المصريين، يقف خلفه عالم كامل من الأرض والمياه والبذور والأسمدة والطاقة والموانئ والسفن والأسواق العالمية والسياسات الدولية.

ومصر تحديدًا تدرك حساسية هذه المعادلة أكثر من غيرها؛ فالمصري القديم جعل من القمح أساسًا للحياة، وارتبط استقرار الدولة عبر التاريخ بقدرتها على تأمين الغذاء لشعبها. واليوم، رغم ما تمتلكه مصر من أرض زراعية وخبرة علمية ومشروعات للتوسع في الإنتاج والتخزين، ما زالت الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك تجعل جزءًا مهمًا من احتياجاتها من القمح مرتبطًا بالسوق العالمية.

وهنا تتحول حبة القمح من محصول زراعي إلى قضية أمن قومي. لأن مصر عندما تستورد ملايين الأطنان من القمح، فهي لا تشتري حبوبًا فقط؛ بل تدخل في شبكة دولية معقدة تتأثر بالحروب، وأسعار الطاقة، وأسعار الدولار، وتكاليف الشحن، والموانئ، والممرات البحرية، والقرارات التجارية للدول المصدرة.

وقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية للعالم كله مدى هشاشة هذه المنظومة؛ فما يحدث في منطقة تبعد آلاف الكيلومترات عن القاهرة يمكن أن ينعكس على أسعار القمح، وتكاليف الاستيراد، والميزانية، وفي النهاية على تكلفة تأمين رغيف الخبز للمواطن المصري.

لكن القضية أعمق من مجرد الاستيراد. ففي الزراعة الحديثة لم تعد المعركة حول من يملك الأرض فقط، وإنما أيضًا حول من يملك البذرة، ومن يطورها، ومن يمتلك التكنولوجيا التي ترفع إنتاجيتها، ومن يستطيع توفير المياه والأسمدة والمبيدات، ومن يملك القدرة على تخزين المحصول ونقله وتسويقه.

وهنا يظهر السؤال الذي يجب أن يشغلنا في مصر:هل الأمن الغذائي يعني أن نستطيع شراء القمح من الخارج عندما تكون الأسواق مستقرة؟ أم أن الأمن الغذائي الحقيقي هو أن نمتلك القدرة على تأمين رغيف المصري عندما تضطرب الأسواق، وتندلع الحروب، وتتغير موازين القوة في العالم؟

إن المعركة القادمة على الغذاء قد لا تكون معركة على الأرض فقط، وإنما على المياه والتكنولوجيا والبذور وسلاسل الإمداد والمعرفة. ومن هنا يصبح القمح أكثر من مجرد محصول استراتيجي لمصر. إنه جزء من معادلة الاستقرار الاجتماعي، والاقتصاد الوطني، والسيادة على القرار.

فإذا كان النفط يستطيع أن يوقف محرك السيارة…فإن القمح يمس ما هو أبعد من ذلك بكثير: إنه يمس قدرة الدولة على إطعام شعبها. ولهذا، فإن السؤال ليس فقط: كم طنًا من القمح تنتج مصر؟ بل السؤال الأكبر: من يملك مفاتيح غذائنا؟ وهل تستطيع مصر أن تضمن رغيف خبزها مهما تغير العالم من حولها؟

الأمن الغذائي جزء من الأمن الوطني… والقمح قد يكون أخطر من النفط

عندما نتحدث عن الأمن الوطني، يتبادر إلى الذهن الجيش والسلاح والحدود والطائرات والصواريخ. لكن هناك نوعًا آخر من الأمن لا يقل أهمية، وربما يسبق كل ذلك في لحظات الأزمات: أمن الغذاء. فالجيش يستطيع أن يحمي الحدود، لكنه لا يستطيع أن يصنع الخبز من الهواء. والدولة التي تملك السلاح لكنها لا تملك غذاء شعبها، تظل معرضة لضغوط هائلة عندما تضطرب الأسواق أو تتوقف طرق التجارة أو تندلع الحروب. ولهذا فإن القمح ليس مجرد محصول زراعي. إنه سلعة استراتيجية، ومخزون استراتيجي، وقرار اقتصادي، وملف سياسي، وأحيانًا ورقة ضغط دولية.

لكن علينا أن نكون دقيقين: ليس صحيحًا علميًا أن نقول إن «القمح الأمريكي تحول إلى سلاح» أو إن دولة واحدة تتحكم في بذور العالم كله. الحقيقة أكثر تعقيدًا وأخطر في الوقت نفسه. القصة الحقيقية بدأت من البذرة… ولكنها لم تنتهِ عندها.قبل الثورة الزراعية الحديثة كان ارتفاع نبات القمح يمثل مشكلة حقيقية.

كان النبات طويلًا، وعندما يحصل على كميات كبيرة من الأسمدة، خصوصًا النيتروجين، يزداد نموه الخضري، ثم تأتي الرياح أو الأمطار فيرقد النبات على الأرض، فتضيع نسبة كبيرة من المحصول.هنا جاءت واحدة من أهم التحولات في تاريخ الزراعة الحديثة. في اليابان ظهرت سلالة شبه قزمية عُرفت باسم Norin 10، ثم انتقلت مادتها الوراثية إلى الولايات المتحدة، ومنها إلى برامج نورمان بورلوج في المكسيك. وأصبحت جينات التقزم Rht1 وRht2 جزءًا من أصناف جديدة أقصر وأكثر مقاومة للرقاد، وقادرة على الاستجابة للأسمدة وتحويل قدر أكبر من الموارد إلى الحبوب.

وتذكر مؤسسة CIMMYT أن متوسط إنتاج القمح في المكسيك تضاعف خلال نحو سبع سنوات بعد إدخال هذه الأصناف المحسنة والممارسات الزراعية المصاحبة لها.  وهنا بدأت الثورة الخضراء. ولم تكن الثورة الخضراء مجرد بذرة جديدة. كانت منظومة كاملة: بذور محسنة… أسمدة… ري… مبيدات… ميكنة… بحوث علمية…إرشاد زراعي… وبنية تحتية للتخزين والنقل والتسويق. وهذه نقطة شديدة الأهمية.

الإنتاجية الزراعية لا تصنعها البذرة وحدها.

حتى نورمان بورلوج نفسه أوضح في محاضرته لنيل نوبل أن الأصناف عالية الإنتاج كانت تحتاج إلى الأسمدة والمياه والممارسات الزراعية المناسبة حتى تحقق إمكاناتها.  إذن، المشكلة ليست في «البذرة» وحدها. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح دولة ما معتمدة على منظومة إنتاج لا تستطيع التحكم في مدخلاتها الأساسية. وهنا نصل إلى مفهوم أكثر خطورة من مجرد امتلاك البذور:السيادة على الغذاء.

فالبلد الذي يستورد البذور، ويستورد الأسمدة، ويستورد المبيدات، ويستورد الأعلاف، ويستورد الغذاء، ويحتاج إلى العملة الأجنبية لشراء كل ذلك، يصبح أكثر حساسية للصدمات الدولية. وإذا أضفنا إلى ذلك ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتأمين والشحن، ثم أزمات الموانئ والممرات البحرية، تصبح حبة القمح مرتبطة بسلسلة دولية طويلة جدًا. قد تبدأ الأزمة في حقل بعيد آلاف الكيلومترات…لكن أثرها يصل إلى رغيف الخبز في بيتك. وهنا يظهر البعد الجيوسياسي للقمح.

لقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية في 2022 هذه الحقيقة بوضوح. فروسيا وأوكرانيا كانتا معًا تمثلان نحو 30% من صادرات القمح العالمية في السنوات السابقة للحرب، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، ولذلك أدت الحرب واضطراب الموانئ والتجارة في البحر الأسود إلى صدمة واسعة في أسواق الحبوب.

وفي مارس 2022 ارتفع مؤشر أسعار الحبوب لدى منظمة الأغذية والزراعة بنسبة 17.1% في شهر واحد، وقفزت أسعار القمح عالميًا بنحو 19.7% خلال الشهر نفسه.  لم تكن المشكلة أن العالم فقد كل القمح. المشكلة أن القمح كان موجودًا، لكن الطريق إليه أصبح أكثر صعوبة وأكثر تكلفة. وهذه قاعدة مهمة في الأمن الغذائي: الغذاء الموجود في العالم لا يعني بالضرورة أن الغذاء متاح لكل دولة.

فالأمن الغذائي لا يعني فقط أن يكون هناك إنتاج عالمي كافٍ. بل يعني أن تكون الدولة قادرة على الوصول إلى الغذاء، وشرائه، ونقله، وتخزينه، وتوزيعه، وبأسعار يستطيع المواطن تحملها. ومن هنا يصبح السؤال: هل الأمن الغذائي هو امتلاك الأرض فقط؟ لا. إنه امتلاك القدرة على التحكم في سلسلة الغذاء كاملة. من البذرة… إلى التربة…إلى المياه… إلى السماد… إلى الطاقة… إلى الحصاد… إلى التخزين…إلى الموانئ… إلى النقل… إلى المطاحن…إلى رغيف الخبز.

وهنا تظهر قضية البذور.

من الأخطاء الشائعة القول إن «90% من بذور العالم هجينة عقيمة ولا يستطيع المزارع إعادة زراعتها». هذه العبارة غير دقيقة. فالقمح التجاري في الأساس محصول ذاتي التلقيح، وكثير من أصنافه يمكن للمزارع إعادة استخدام بذوره، وإن كان ذلك قد يؤدي إلى تراجع الجودة أو النقاوة الوراثية إذا لم تتم عمليات الإكثار والغربلة بطريقة صحيحة.

لكن توجد قضية أخرى أكثر أهمية: حقوق الملكية الفكرية على الأصناف الجديدة. فبعض الأصناف المحمية قانونيًا تخضع لحقوق مربي النباتات، وقد تكون هناك قيود قانونية على إكثارها وتسويقها، وتختلف هذه القواعد من دولة إلى أخرى. وهنا ينتقل الصراع من «من يملك الأرض؟» إلى سؤال أكثر حداثة: من يملك المعرفة الوراثية التي تجعل الأرض أكثر إنتاجًا؟ وهذا سؤال استراتيجي حقيقي. لأن تطوير الصنف الزراعي يحتاج سنوات طويلة من البحث والتهجين والاختبارات وانتقاء الصفات ومقاومة الأمراض وتحمل الحرارة والجفاف والملوحة.ومن يمتلك منظومة البحث العلمي المتقدمة يستطيع أن ينتج أصنافًا أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. لكن في المقابل، يجب ألا ننظر إلى شركات البذور باعتبارها وحدها صاحبة القرار في الغذاء العالمي. هناك مراكز بحث دولية، وبنوك جينات، وجامعات، ومؤسسات حكومية، وبرامج تربية وطنية، ومزارعون يحتفظون بأصول وراثية محلية. ولهذا فإن التنوع الوراثي نفسه أصبح جزءًا من الأمن القومي. لأن الصنف الذي يحقق إنتاجًا مرتفعًا اليوم قد يصبح ضعيفًا غدًا أمام مرض جديد أو حرارة غير مسبوقة أو تغير في المياه. أما التنوع الوراثي فيمنح العلماء «مخزونًا» من الصفات يمكن العودة إليه لتطوير أصناف جديدة. ولهذا فإن حفظ بذور الأصناف المحلية ليس عملًا تراثيًا فقط. إنه نوع من التأمين الزراعي للمستقبل. ثم تأتي المياه. وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا. لا توجد بذرة سحرية تستطيع إنتاج محصول ضخم بلا ماء. ولا يوجد صنف متفوق يستطيع وحده أن يلغي أثر الجفاف. ولهذا فإن معركة القمح في القرن الحادي والعشرين ستكون مرتبطة بثلاثة عناصر:الماء + الوراثة + الإدارة. ومن ينجح في تحسين إنتاجية الوحدة المائية، وليس فقط إنتاجية الفدان، سيكون أكثر قدرة على حماية أمنه الغذائي. وهذه قضية شديدة الأهمية بالنسبة لمصر.

فمصر ليست دولة فقيرة في الخبرة الزراعية، ولا تفتقر إلى العلماء، ولا تفتقر إلى أصناف قمح وطنية. بل لديها برامج تربية وبحوث وأصناف محسنة، وقد أظهرت البيانات الحديثة ارتفاع إنتاج القمح المحلي مع زيادة المساحة والحوافز واستخدام التقاوي المعتمدة. وتشير بيانات FAO إلى أن إنتاج القمح المصري في 2026 متوقع عند نحو 10 ملايين طن، بينما تقدر احتياجات الاستيراد بنحو 13.5 مليون طن. وهذا الرقم وحده يشرح لماذا يمثل القمح قضية أمن قومي لمصر.

فمصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن واردات القمح المصرية خلال العقد الأخير بلغت في المتوسط نحو 11.4 مليون طن سنويًا، أي ما يقارب نصف الاستهلاك، مع اعتماد كبير تاريخيًا على روسيا وأوكرانيا.

إذن القضية المصرية ليست:«هل نزرع القمح؟» بل: كم نزرع؟ وبأي إنتاجية؟ وبأي استهلاك مائي؟ وبأي تكلفة؟ وأين نخزن؟  ومن أين نستورد الجزء المتبقي؟ وهل لدينا بدائل إذا تعرض مصدر الاستيراد لأزمة؟ وهنا نصل إلى نقطة شديدة  الخطورة: تنويع مصادر الاستيراد جزء من الأمن القومي، لكنه لا يغني عن رفع الإنتاج المحلي. لأن الاعتماد الكامل على الاستيراد يجعل الدولة معرضة لسعر العملة العالمية، وتكلفة الشحن، والأزمات السياسية، وإغلاق الموانئ، وتغير أسعار الطاقة، والحروب. أما الاعتماد الكامل على الإنتاج المحلي في بلد محدود المياه والأرض الزراعية، فهو أيضًا غير واقعي. الحل الأكثر عقلانية هو بناء مزيج من الإنتاج المحلي + مخزون استراتيجي + تنويع مصادر الاستيراد + بنية تخزين قوية + بحث علمي وطني. وهنا يمكن فهم لماذا أصبحت الصوامع والمخازن جزءًا من الأمن القومي. فطن القمح الموجود في الحقل ليس احتياطيًا استراتيجيًا. والقمح الموجود على سفينة في البحر ليس احتياطيًا استراتيجيًا كاملًا. أما القمح الموجود في صومعة جيدة، في المكان المناسب، وبجودة مناسبة، فهو قدرة حقيقية على مواجهة الصدمة. وقد ساعد توسع مصر في التخزين الحديث على رفع قدرتها على تكوين مخزون استراتيجي وتقليل فاقد التخزين، وفق تحليل OECD.

وهنا يتغير معنى كلمة «سلاح».

السلاح الحقيقي ليس أن تمتلك دولة بذرة وتمنعها عن الآخرين. السلاح الحقيقي هو أن تمتلك القدرة على الاستمرار عندما تتعرض الأسواق العالمية للاضطراب. أن تستطيع إنتاج القمح. أن تستطيع توفير التقاوي. أن تستطيع توفير السماد. أن تستطيع توفير المياه. أن تستطيع تخزين المحصول. أن تستطيع شراء النقص من أكثر من سوق. وأن تستطيع حماية المواطن من انتقال الصدمة العالمية إلى مائدة الطعام. ولهذا فإنني لا أرى أن السؤال الصحيح هو:هل القمح أخطر من النفط؟ بل السؤال الأكثر دقة هو: هل تستطيع دولة أن تحافظ على استقرار مجتمعها إذا فقدت قدرتها على توفير الغذاء بأسعار مقبولة؟

النفط يستطيع أن يوقف السيارة. أما الغذاء فيمس حياة الإنسان مباشرة. ولهذا فإن الدول الذكية لا تنتظر الأزمة حتى تبدأ في البحث عن البذور، أو المياه، أو الصوامع، أو الأسواق البديلة. الأمن الغذائي يُبنى في زمن الاستقرار… لكي يحمي الدولة في زمن الأزمة. والأخطر من فقدان محصول واحد هو فقدان القدرة على إنتاج المحصول. والأخطر من استيراد القمح هو أن تصبح الدولة عاجزة عن إنتاج بديل عندما يتغير العالم.

ومن هنا يجب أن يصبح الاستثمار في بنوك الجينات، والتربية النباتية، والتقاوي الوطنية، والبحث العلمي، والإرشاد الزراعي، وإدارة المياه، والزراعة الدقيقة، والتخزين، والتصنيع الغذائي جزءًا من استراتيجية الأمن الوطني، وليس مجرد برامج لوزارة الزراعة. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تعني فقط أن تملك الدولة حدودها. بل أن تمتلك القدرة على إطعام شعبها عندما تتغير قواعد العالم.

وحبة القمح الصغيرة، التي تبدو في ظاهرها مجرد بذرة، تحمل في داخلها سؤالًا أكبر بكثير: من يملك الغذاء… يملك جزءًا مهمًا من قدرة الدولة على الصمود.

في النهاية، علينا أن نعيد تعريف معنى الأمن الغذائي. فليس المطلوب أن تعيش مصر خلف جدار من الاكتفاء الذاتي الكامل، فهذا ليس ممكنًا ولا اقتصاديًا في كل السلع، كما أن الاستيراد في حد ذاته ليس ضعفًا. الدولة الذكية هي التي تعرف ماذا تنتج، وماذا تستورد، ومن أين تستورد، وكيف تضمن ألا يتحول الاستيراد إلى نقطة ابتزاز أو تهديد في لحظة أزمة. الاستقلال الغذائي الحقيقي لا يعني أن نزرع كل شيء… وإنما أن نمتلك القدرة على ألا نجوع إذا تغير العالم. أن تكون لدينا أصنافنا وتقاوينا وبحوثنا الزراعية. أن نحافظ على أرضنا الزراعية ونرفع إنتاجية وحدة المياه. أن نمتلك مخزونًا استراتيجيًا حقيقيًا. أن ننوع مصادر الاستيراد ولا نرهن غذاءنا لمصدر واحد. أن نربط البحث العلمي بالمزرعة، والعالم بالفلاح، والتكنولوجيا بالإنتاج. وأن ننظر إلى كل جنيه يُنفق على البحث في إنتاج القمح، وكل متر مكعب من المياه نوفره، وكل طن فاقد نمنع ضياعه، باعتباره استثمارًا في الأمن القومي وليس مجرد إنفاق زراعي. لأن أخطر أنواع التبعية ليست أن تستورد سلعة… بل أن تفقد القدرة على إنتاجها عندما تحتاج إليها. وقد تستطيع دولة أن تتحمل ارتفاع سعر النفط فترة من الزمن، وقد تستطيع تأجيل مشروع أو تقليل استهلاك الطاقة، لكن لا تستطيع أن تطلب من شعبها أن يؤجل وجبته حتى تنتهي الأزمة. ولهذا فإن قضية القمح بالنسبة لمصر ليست قضية وزارة أو موسم زراعي أو رقم في الموازنة. إنها قضية دولة. قضية أرض وماء وعلم وبحث علمي وتكنولوجيا واقتصاد وتجارة خارجية ومخزون استراتيجي. وقبل كل ذلك…قضية قرار مستقل.

فالعالم يتغير، والحروب لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات؛ فهناك حروب الأسواق، وحروب الطاقة، وحروب التكنولوجيا، وحروب سلاسل الإمداد، وربما تكون حروب الغذاء  واحدة من أكثرها تأثيرًا في المستقبل. ومن هنا، فإن حماية رغيف الخبز المصري تبدأ قبل أن يصل إلى المخبز بسنوات طويلة… تبدأ في المعمل، وفي بنك الجينات، وفي الحقل، وفي مركز البحوث، وفي إدارة المياه، وفي الصومعة، وفي الميناء، وفي قرار تنويع مصادر الاستيراد. فالقمح ليس مجرد حبة نزرعها ونحصدها… إنه رسالة تقول لنا إن أمن الوطن لا يبدأ عند الحدود فقط. بل يبدأ من قدرته على إطعام شعبه. وهنا يجب أن يكون السؤال الذي نتركه للأجيال القادمة: هل سنكتفي بأن نكون قادرين على شراء غذائنا… أم سنحرص على أن نكون قادرين على تأمينه؟ فالاستيراد قد يكون خيارًا اقتصاديًا ذكيًا… لكن امتلاك القدرة على الاستمرار عندما يتوقف الاستيراد، هو جوهر السيادة الغذائية.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى